رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن لعَبق الجوري ورائحةِ اللوز، وثمار التين والعنب والرمان أن يعيش، بعدما حَلَّ الدمار بتلك القرية، وحَطّت أشكالٌ من الغربان المتوحشة، وقامت بتخريب كُلِّ شيء، من الحيوان حتى الإنسان، وتَغتصبُ تلك الغربانُ لحظاتٍ مسروقة من عين الشرف والنقاء.
الالتحامُ بين الثوار السوريين وقوات الجيش الرسمي لا يتوقف، والكلماتُ النابية تنبت من أفواه الجنود النتنة، والإهانات والتفتيشات على الحواجز، والرشوة، وعذابات الانتظار لا تتوقف.
موضوع (الإسلاميين) و (الدواعش) وفرضُهم قوانينَهم الغريبة، على كُلِّ مَن يلاقونه بالقوة، وإن امتنعَ أحدُهم عن الانصياع لأوامر الجيش قُتل بدمٍّ بارد، أو أودعَ السجن دون أن يعلم به أحد.
عالجت الرواية المأساة السورية من جميع جوانبها، بأسلوب أدبي راقٍ، ولكأنها تحملُ كاميرا تُسجّل الأحداث بكلِّ دقة. التناقضات كانت حاضرةً في الرواية، وكيف أن الابن (ربيع) الذي انضمَ إلى (التنظيم الإسلامي) يتحوّل إلى وحش، ويتبرعُ لتعذيب والده، الذي كانت له قيمة ووقار لدى أهل القرية، بل يأخذه بنفسه بعد تعنيفه إلى السجن.
تناقض آخر يتجلّى في خوف (عمران) على ابنه (حيّان) الذي لم يُكمل تعليمه الابتدائي، ومخاطرته به، كي يخرج من معسكر اللاجئين في تركيا، إلى هولندا، حيث يصرف (عمران) كُلَّ ما في يده من مال، كي يؤمِّن تهريبَ الطفل، ومن ثم، وبعد سنوات، تأتي معاناة الأب في السفر من تركيا إلى هولندا، والالتقاء بابنه (حيّان)، الذي أصبح غربيَّ الطباع والهيئة والتفكير، كونهُ سكَنَ عند عائلة هولندية، ودخل مدارس هولندية! خيبةُ أمل تبدو على والديه المُسلمَين المُحافظَين، يحاولان إثناءَه عما يقوم به، حتى يهرب منهما ويتوه في شوارع اللهو والإجرام.
الاغتصابُ أمرٌ مألوف ولا يفرق المتطرفون بين عجوز وفتاة. زوجة ( عمران)، (كافي)، تتعرض لمرات عديدة من الاغتصاب على يد جنود الجيش الرسمي، شأنها شأن (باهرة) أخت (عمران)، التي عانت من مرات الاغتصاب بصورة وحشية.
في (تلّ الورد ) المكان (الذي قد يكون افتراضيًا لمن لا يعرف القرى والمدن السورية) والرواية، لا تشمّ إلا رائحة الموت، والاغتصاب، وولوج الرصاصة إلى الرأس، ولا ترى إلا الثياب النتنة وآثار التعذيب على الرجال والنساء، وتحوّل الإنسان إلى مجرد كائن لا يعرف ماذا يريد؟ ولا يستطيع التنبوء بما سيحدث بعد لحظة، يروي (عمران) ما حصل له بعد الاعتقال:
« وجدنا أنفسنا مُطوقين من قبل رجال الأمن ونحن نهمُّ بالخروج في نهاية الدوام من المعمل، حشرونا في شاحنة وهم يسوقوننا بالعصيّ والركلات العشوائية كما تُساق البهائم، ثم أودعونا في فرع الأمن العسكري، وهناك جرّدونا من هواتفنا ومن وثائقنا الشخصية، ثم أنزلونا إلى سرداب، ووضعونا في غرفة مُعتمة ضاقت علينا، رغم اتساعها، بحيث لا يمكن للشخص أن يتمدَّد وعليه أن يظل واقفاً، وبالكاد يمكنه أن يجلس القرفصاء، في انتظار أن يأتي دورهُ في التحقيق، كانت أصواتُ التعذيب والاستغاثات تصل إلينا من الغرف المجاورة، صرنا نرتعدُ من الخوف، ومما ينتظرنا في غرف التعذيب، ثم دخل علينا ضابط ومعه بعض أتباعه، كانت ملامحهم قاسية وقبيحة، تفرّس الضابط في وجوهنا واحداً واحداً، ثم قال لنا:
- متطلعوا في المظاهرات يا كلاب؟! بدكن حرية ؟! الآن سأريكم فيلماً سيعجبكم كثيراً.. خذوهم جميعاً إلى غرفة التعذيب».
كلمات خارجة عن الذوق والأخلاق تنطلق من أفواه الضباط والجنود، دونما مراعاة لحقوق المواطنة، أو القانون المدني.
يتواجه الابن (ربيع) بعد أن انضم إلى الجماعة الإسلامية مع أسرته، ويبدأ في تنفيذ قوانين الجماعة على الجميع، بدءاً من أبيه وأمه وحتى أخته (باهرة)، ويُغيّر اسمه إلى (أبو المثنى) كي يُصبح في النهاية جلاّداً يقطع الرؤوس الآدمية بكُلِّ وحشية وتلذُّذ، يدور هذا الحوار مع أسرته:
«- ترفع صوتك على أمك وأختك الكبيرة يا ولد! هكذا علّمك قائدُك، ودينُك الجديد؟!
أمام غضب الأم يتراجع (ربيع) قليلاً، ويخفف من لهجته:
- يا ميمتي، يا روحي، أنا لا أريد إلا مصلحتكم، هذه الملابس التي ترتدونها حرام، لأنها تُظهر مفاتن المرأة، وأنا خائفٌ عليكم من عقاب الله.
- الله أرحم الراحمين يا ابني، وهذا زيّنا، تعوّدنا عليه منذ زمن طويل، وهو محتشم وليس فيه ما يُعيب، ونحن نعرف الحلال والحرام. ونعرف أمورَ ديننا جيداً ولا انتظر منك يا ابن بطني أن تأتي الآن لتعلّم أمَّك أمورَ دينها!
- كلامك صحيح يا أمي، ولكن هناك أشياء كُلُّنا نجهلها، وعلينا أن نسأل أهلَ العلم، والملابس السوداء أستر للمرأة، وتغطية الوجه ضرورية إذا كان وجه المرأة فيه فتنة، وأنت تعرفين جمال (باهرة)، هل تريدينني أن أسمع الناسَ يتحدثون عن جمالها وينظرون إليها وأسكت؟! عليها أن ترتدي العباءة، وتضع النقابَ في أثناء خروجها من البيت، وأنتِ لا بأس يكفي أن تلبسي العباءة.
أتى ردُّ (باهرة) صارماً:
- لن أغيّر ملابسي يا (ربيع)، كُلُّ أهالي (تلّ الورد) يعرفونني، ولا أحد يجرؤ على الإساءة إليّ، فيكفيك فذلكة، ههه، وكأنكم انتهيتم من كُلِّ شيء، وصحَّحتُم كُلَّ الأوضاع، ولم يبق سوى حجاب (باهرة)!»
وضعٌ انقلابيٌ على كُلِّ مكتسبات المجتمع، وصراعٌ بين الاعتدال والتطرف، وهي إشارةٌ واضحة على مدى تغلغل التطرفُ في حالة (تلّ الورد)، شأنه شأنَ العديد من المدن العربية التي رُزِءَت بالأفكار المتطرفةِ والمُخالفةِ لصيرورة العصر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4389
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4062
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1902
| 07 مايو 2026