رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الوقاحة الأمريكية في كل يوم يكون لها لون، بل في كل لحظة تتحدث عن (الطهارة) وهي تغرق في (الرذيلة)، تتحدث عن القيم والأخلاق وحقوق الانسان. . وهي أكثر الدول انتهاكاً لكل القيم الانسانية، بل ربما لم يحدث عبر التاريخ أن تجاوزت دولة - حتى في أسوأ العصور والحقب التاريخية - القيم والأخلاق، وضربت بهما عرض الحائط كما تفعل اليوم الولايات المتحدة الأمريكية، التي اتخذت الكون بأسره ساحة لشن حرب على كل من يخالفها الرأي والفكر، بل كل من لا يمشي في ركابها، بل إن الرئيس الأمريكي بوش أعلنها بنفسه أن من لم يكن معنا في حربنا على ما يسميه (الارهاب) فهو يقف ضدنا! ! أمريكا اتخذت من تقاريرها التي تخرجها وتنسج سيناريوهاتها في (أوكارها) المختلفة، مرة الخارجية، وأخرى البنتاغون، وثالثة الكونجرس ، وقبل ذلك كله البيت الأبيض ، مبرراً لتوجيه الاتهامات إلى دول وشعوب العالم، تتحدث تقاريرها عن انتهاكات لحقوق الانسان في دول العالم، وتناست سجونها (المتنقلة) و(الطائرة)، ذات السمعة السيئة، والمنتشرة في كل قارات العالم، وما (جوانتانامو) إلا نموذج واحد فقط من عشرات النماذج الأخرى، التي هي أسوأ من معسكر (جوانتانامو).
تهاجم دولاً، وتطيح بأنظمة شرعية، تحت مبرر حماية الأمن القومي الأمريكي، وتعيث في الأرض الفساد تحت مبرر نشر الديمقراطية، وتقصف الأبرياء تحت مبرر ملاحقة الارهابيين، وتزرع الرعب والخوف في كل مكان تحت مبرر إشاعة العدل والسلام.
ما تفعله الإدارة الأمريكية اليوم في العالم لم يسبق أن فعلته أي دولة عبر التاريخ، وما تقوم به من أعمال هو إرهاب دولة، فاذا كان هناك أفراد يمارسون ما تقول عنه واشنطن إنه إرهاب، فإن إدارة البيت الأبيض تمارس إرهاباً رسمياً، في العراق وفي أفغانستان وفي فلسطين وفي كوريا الشمالية، وفي إيران وفي السودان، وعشرات الدول، هذا غير سجونها (المتنقلة) و(الثابتة) على أراضي عدد من الدول.
تتحدث عن الحريات، وهي التي تمارس القمع بأبشع صوره، وتقتل في سبيل ذلك الأبرياء، وما قصف قناة (الجزيرة) في أفغانستان والعراق، ومؤامرة قصف مقرها بالدوحة إلا نموذج من ذلك.
تتحدث عن ضرورة قيام الدول بمنح مساحات للعمل فيها، وإفساح المجال أمام الشركات للتنافس ، وهي التي ألغت صفقة دبي لإدارة الموانئ في الولايات المتحدة الأمريكية، تحت مبرر حماية الأمن القومي، فهل واشنطن لديها أمن قومي، فيما الدول الأخرى ليس لديها أمن قومي، أم ما يجوز لواشنطن لا يجوز للدول الأخرى؟ تسمح أمريكا لنفسها باتخاذ كل السبل من أجل حماية أمنها القومي، حتى إذا تطلب الأمر شن حروب على دول، وإسقاط أنظمة، والتدخل السافر في شؤون الدول الأخرى، بينما إعلان دولة أنها ستقف أمام المخططات الأمريكية، فإن ذلك يعد (كبيرة) من (الكبائر) التي لا ينبغي التصريح عنها، أو التلفظ بها.
قوانين تستصدرها أمريكا من الأ· المتحدة ومجلس الأمن، تدين بها دولاً وأنظمة، وتتخذ هذا المجلس مظلة للتدخل في شؤون الدول الأخرى، فمن أعطاها هذا الحق؟ تتحدث أمريكا عبر تقارير توزعها في سفاراتها في دول العالم عن حقوق الانسان واستعباد البشر ورفض نظام الكفالة، وهي أول من يستعبد البشر، وأول من ينتهك حقوق الانسان، حتى نظام الكفالة الذي ترفعه بوجه الدول الخليجية، هي تتبعه وتطلب كفالة من الراغبين بالاقامة فيها بدعوى حماية الأمن القومي، فإذا كانت هي تتحجج بحماية أمنها القومي في كل تصرف (سيىء) تقوم به، لماذا توجه اللوم والانتقاد للدول الخليجية التي تفرض كفالة على المقيمين فيها؟ ثم إن الانتهاكات التي تتحدث عنها في الدول الخليجية - إذا ما وجدت - فإنها انتهاكات فردية، تحدث من قبل أفراد أو شركات تجاه عمال، وليس ممارسة رسمية من قبل الدولة، بينما الإدارة الأمريكية تمارس انتهاكات رسمية، انتهاكات دولة في جميع المجالات، وعلى مختلف الأصعدة، وتجاه الأفراد والدول، على سمع وبصر العالم أجمع، ومن يتصدى لذلك فإن مصيره الحصار وتأليب الرأي العام عليه، تمهيداً لفرض عقوبات مختلفة، سياسية واقتصادية واستثمارية، وتضييق في كل المجالات.
تتحدث أمريكا في تقاريرها (المزيفة) عن قيام دول خليجية بالاتجار بالبشر، ولا نعرف ما نوع هذا الاتجار، ولكن لماذا لا ينظر البيت الأبيض إلى سوق (الرقيق الأبيض ) في غرفه وبين جدرانه، وعلى بعد مسافات من مقره؟ ولماذا لا ينظر إلى الاتجار بالبشر في ولاياته المختلفة في دول أوروبا؟ لماذا لا تنظر إلى الاستغلال البشع للنساء في أمريكا في مختلف المواقع؟ أين حقوق المكسيكيين وغيرهم من الجاليات التي تعيش في أمريكا؟ يجب على أمريكا ألا تتحدث عن حقوق الانسان، فهي آخر من يجب عليه (التغني) بهذا الأمر، أبسط حقوق الانسان غير متوافرة لشرائح عريضة تسكن في ولاياتها.
الآلة العسكرية الأمريكية الصماء هي التي تتعامل مع الضعفاء من الناس في شتى بقاع العالم، وهي التي تذيقهم الويل، وتصليهم النار، وتصب عليهم العذاب صباً، ولكن كل هذا لا يعتبر انتهاكاً لحقوق الانسان بالمفهوم الأمريكي.
أمريكا (مدعية) الديمقراطية، و(حامية) حمى حقوق الانسان، ماذا تفعل اليوم في المناطق التي وضعت فيها قدمها؟ لا أقول في المناطق العربية والاسلامية، بل في جميع المناطق بالعالم، هي - أمريكا - اليوم تمثل العدو الأول لشعوب العالم، بسبب تصرفات و(حماقات) إداراتها الحاكمة المتعاقبة.
استطلاعات الرأي العام في مختلف دول العالم تؤكد أن أمريكا هي أكثر الدول كراهية لدى شعوب العالم، أليس هذا دليلاً على سمعتها السيئة، وتجاوزاتها وعدوانها على كل القيم، وضربها عرض الحائط بكل الأخلاق، وعدم اعترافها بأبسط حقوق الانسان؟ تقرير الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر يجب أن تتصدره وبجدارة تامة، ودون منافس ، الولايات المتحدة الأمريكية، فقائمة مخالفاتها وانتهاكاتها واعتداءاتها. . طويلة، لا مجال لحصرها.
هذا التقرير - الذي يستخف بالعقول - وقامت السفارة الأمريكية بالدوحة بتوزيعه، تضمن مغالطات تصل إلى مرحلة الاستفزاز، نتمنى أن تبادر الى نشر الانتهاكات لحقوق الانسان، التي تقوم بها حكومتها الموقرة في أرجاء مختلفة من العالم، ولكن هذا بالطبع سيكلف ميزانية السفارة لعام كامل جراء طباعته، كونه سيتطلب آلاف الصفحات من الجرائم والاعتداءات والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان، فهل تقوم سفارة الدولة العظمى بعمل تقرير عن قضية واحدة فقط - لا نريد أكثر - وهي السجون السرية، والسجون المتنقلة، والسجون الطائرة، التي تنفذها الإدارة الأمريكية بجدارة، حتى نتأكد من مصداقية وموضوعية الخارجية الامريكية وسفاراتها بالخارج؟ لا أريد المضي قدماً في الحديث عن القيم والمثل والأخلاقيات، فالإدارة الأمريكية - وليس الشعب - هي أبعد ما تكون عن ذلك، ولا تفهم هذه اللغة تماما، ولكني اختم مقالي ببيت شعر قاله الشاعر العربي الكبير المتنبي: إذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6816
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2793
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2523
| 02 يونيو 2026