رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
علينا ألا نضع قواعد اللعبة في يد غير سياسية تتمسك بالشكل دون المضمون
الدولة في أبسط تصور لها هي أرض وشعب ومنظومة قواعد وأداء وآليات، والطبيعة الجادة في أداءات الدول تدعم تطور منظومتها، وتنمو المنظومة وفق رقي العلاقات البينية بين الشعب فوق الأرض.
وتجارب الدول عبر تاريخها يصنع تراكما من المعرفة والخبرة والدروس المستفادة، والتراكم الكمي هذا يتيح فرص التغيير الكيفي في حياة الأمم، مما ينتج تأثيرا إيجابيا عندما يجري التعامل معه بالعلم. وتنهار التجارب وتتزاحم الفرص الضائعة إذا دخل الهوى الخاص في التعامل مع التجارب والأزمات، حيث يقول علم إدارة الأزمات، أن أي أزمة تتضمن فرصة، وإدراك الفرص المتاحة والتعامل الهادف معها، ينتج نتائج إيجابية تضاف إلى رصيد الأمم وهي تعبر تلك الأزمات، ولكن الشرط الضروري لتحقق ذلك هو وجود الهدف ووضوحه، والتعامل العلمي مع الأزمات.
المشهد في مصر الآن يقول إن هناك خليطا من الأزمات يجب بحث سببه، وتوجيه أصابع الاتهام هنا وهناك لا يعني أنه طريق الحل، بل ينحدر إلى خلق مضاعفات للأزمات قد تتجاوز قدرة المجتمع على التحمل.
الناس في مصر الآن يقومون بمراجعة لما جري، تتسم المراجعة بأنها لا تستسلم لخوف أو خشية، لا تهدف إلى إقصاء أحد دون الآخر، لا تسلم لتابوهات يحظر المساس بها، الناس استعادوا الثقة في النفس، ولكنهم يملكون علامات استفهام كثيرة، وهو حقهم، وأيضا الإيجابي في هذا أن الحوارات وأن جرت في كل مكان إلا أنها تعبر عن نفسها بحركة ومواقف.
ومثال على هذا دعوة ضد الانفلات الأمني نشأت في مدينه الإسماعيلية، بدأتها جمعية وليدة لحقوق الإنسان، وانتهت لتبني القوي الوطنية لهذه الدعوة، وعناصر الإيجاب في هذه الدعوة تعددت وكان أولها مشهد جلوس قيادات الكنيسة إلى جوار قيادات الجماعة السلفية وقيادات الإخوان بالإضافة إلى القوي السياسية والوطنية ومنظمات المجتمع المدني، هذا اللقاء كان أول علامة صحة أن الجميع في قارب واحد، وأن الباب مفتوحا لحوار أعمق، وأن الدعوة عندما تخلصت من "الأنا" نجحت في جمع الجميع حول قضية القضايا في المجتمع، ونجح الحوار في الاتفاق على ما هو أعلى من الحد الأدنى، فيخرج بيان مشترك بأن هناك شكوكا تحيط بالانفلات الأمني وأنه مقصود وفق منهج لإلهاء المجتمع عن قضاياه، وهي نقطة متقدمة في مواقف الأطراف، بل يخرجون إلى الشارع في وقفة واحدة تعلن موقفهم من حالة الانفلات الأمني ومن التخبط في التعامل الداخلي بوزارة الداخلية وتدعو إلى لقاء مع قيادة الجيش في مؤتمر حول الأمن، وكان رجع الصدى أن المواطنين احتضنوا هذا الهدف وصار حديث المدينة التي عانت من موجات عنف واختطاف أدت إلى معدل قتيل يوميا لمدة عشرة أيام متتالية، بينما رجال الشرطة قابعين في مكاتبهم يسوقون مبررات الغياب ويضعون أصابعهم بين شفاههم كطفل رضيع يحتاج أما تدلل وتحنو والأم تفقد الأمن وتهددها الجريمة.
خرج الناس من ميدان التحرير في أعقاب خلع الرئيس مبارك، واكتشفوا بعد خروجهم أنهم خارج السلطة، وصار واجبا عليهم العودة، وتمت وقفة مليونية أطلق عليها جمعة الغضب الثانية في 27 مايو، وانتهت بإعلان أن الثورة وليست المليونيات عائدة بكل رصيدها البشري في الثامن من يوليو ولن تخرج من الميدان دون تحقيق أهدافها.
وهذه الدعوة تعني أن الجميع أمامه ثلاثة أسابيع من الآن للملمة حالة التشتت في المجتمع والتباين في القرارات.
عدم الاتفاق على تعريف واضح للمرحلة الانتقالية ومهامها، أدى إلى خلط الأوراق، واتجهت الأعين والرغبات إلى مانشيتات الصحف وصخب الثروات المنهوبة التي أفزعت بالأحجام التي جرى رصدها كل الأطراف حتى المغالين منهم في اتهام النظام السابق بالفساد، وعجزت عن وضعها في الإطار الصحيح بأن النهب جاء نتيجة الفساد السياسي في إدارة مقدرات مصر طوال 30 عاما، وبدلا من المحاكمة السياسية للنظام وعناصره، تم حصر التعامل بقانون الكسب غير المشروع، ويصدم المستشار هشام جنينه رئيس محكمة استئناف القاهرة الجميع بتأكيده على أن جميع إجراءات المحاكمة التي تتم للرئيس السابق وعائلته ورموز نظامه أمام جهاز الكسب غير المشروع غير دستورية ومخالفة للقانون.
وأبدى جنينه تحفظه على عمل جهاز الكسب غير المشروع، وقال: لابد من إعادة النظر في هذا الجهاز من الأساس، حيث إن عمله يقوم على " قلب عبء الإثبات"، أي أنه يتعامل بمنطق المتهم مدان حتى تثبت براءته، وليس العكس كما هو معمول به في كل دول العالم.
وأضيف إلى تحقيقات الكسب غير المشروع بعض التحقيقات في جرائم قتل المتظاهرين، وإن شابها أن الذين يجرى التحقيق معهم مطلقو السراح ويديرون أمن الشعب الذي قتلوا أبناءه.
وفقدت المرحلة الانتقالية قيمة الحوار بين القوى الاجتماعية، وما دار من حوار وفق دعوات حكومية شمل بالأساس عناصر أغلبها من النظام السابق، تتولى صياغة أسس المستقبل بعد الثورة مما أفقد هذه الحوارات قيمتها وأسبغ القائمين عليها بشبهة التواطؤ مع النظام السابق، بالإضافة إلى كونهم دعاة المصالحة مع نظام الفساد السابق تحت دعوى جلب الأموال المهربة.
وسادت المرحلة الانتقالية فزاعة الفتنة الكبرى برفض الحكم العسكري، وجاء من الطرف الآخر أن الجيش يريد تسليم الحكم لإدارة مدنية، وكلتا المقولتين تتجاوزان الوعي بطبيعة المرحلة والعلاقة بين الجيش ودوره في تأمين الثورة وانحيازه لمطالبه، أيا كانت مبررات هذا القرار التي ترددت وتنوعت، إلا أنه كان دورا حاسما وداعما لمطلب التنحي.
وخرجت دعوات بائتمان الجيش على الوطن والانتباه إلى قضايا التغيير إلا أنها لم تنجح في رأب الصدع، وساعد على هذا موقف المجلس العسكري في تشكيل لجنة التعديلات الدستورية وما خرج عنها، ثم الاستفتاء الذي كان من حيث المشاركة الشعبية يوما عظيما، إلا أنه أدي إلى شق الصف إلى كتلتين.
وزاد على ذلك بعض التصرفات في فض الاعتصام في التحرير أو كلية الإعلام أو المحاكمات العسكرية لعناصر من شباب ونشطاء الثورة، ولكن الأمور تبدو وكأنها ذاهبة إلى هدوء واستيعاب من الأطراف أن ما تم هو ثورة شعب وليست جماعة متمردة يجب قمعها.
وتفاقم الأمر بالدعوة إلى انتخابات نيابية تسبق الدستور لملء الفراغ السياسي ليتفرغ الجيش لمهامه الرئيسية على الحدود في مواجهة أي تهديد خارجي، متناسين أن دور الجيش على الحدود يجب أن يستند بالأساس إلى جبهة داخلية متماسكة، وواجهت هذه الدعوة وجهة نظر تقول إن انتخابات نيابية تسبق وضع الدستور وقوانين مباشرة الحقوق السياسية وإقرار التطهير السياسي لعناصر النظام السابق، ستنتج مجلسا نيابيا يماثل مجلس ما قبل الثورة لطبيعة العملية الانتخابية داخل المجتمع، ودون وصاية على الشعب كما يحلو للبعض تصويرها هروبا من استحقاقات المرحلة الانتقالية، ولكن ذلك وعيا بالظروف التي تحيط بالانتخابات النيابية والعناصر المكونة لها من افرد وأموال وعصبيات وأيضا بلطجة.
وزاد الزخم من حول دعوة فقهاء القانون الدستوري بأن القواعد تؤكد وجوب وضع الدستور أولا، وأن وضع الدستور ليس مهمة لجنة فنية من خبراء القانون ولكنها مهمة الشعب والقوي المجتمعية، وإلا فهو دستور خاص لفئة وليس دستور الشعب.
وأدى الانفلات الأمني خلال المرحلة الانتقالية والطبيعة المهادنة في التعامل مع جهاز الشرطة الذي يمتنع عن العمل ولا يمارس مهام وظيفته ولا نقول رسالته، لأن رسوخ الرسالة الأمنية في أفراده يعني تغييرا في عقيدة التعامل مع المواطنين، ويقول البعض منهم عن قناعة بأن مهمة الشرطة الحفاظ على النظام، ويتساءلون: أي نظام نحافظ عليه؟.
ويطالبون الشعب الذي مارسوا ضده صنوفا متعددة من الاضطهاد أن يعتذر لهم!.
وكانت حادثة القبض على فتاة في مدينة 6 أكتوبر، والتعامل بأساليب جهاز أمن الدولة الذي تم حلة، مدعاة للشك فيما تعلنة وزارة تسيير الاعمال والشك كذلك فيما قيل إنه ميثاق عمل جهاز الأمن الوطني البديل الجديد لأمن الدولة الذي يقول بابتعاد الأمن الوطني عن التعامل مع الأنشطة السياسية الداخلية، وتحدث عن رقابة قانونيه على أعمال الجهاز.
ونشأ اعتقاد أن الانفلات الأمني منهج مقصود داخل المجتمع، وأن جهاز الشرطة بهذا يمثل أداة للقوي المضادة للثورة، خاصة أن العديد من عناصره يقولون بأن الحالة الأمنية نتيجة مباشرة "لما تسمونه الثورة"!.
نبدو جميعا خارجون على قانون الثورة.
إن كنا ندرك أن التعريف الذي استقر عليه التاريخ الإنساني وعلم الاجتماع بأن الثورة هي علم تغيير المجتمع، فإن ما يجري في مصر لا ينتمي إلى تغيير المجتمع، ولا إلى العلم الذي يفرض أولا وضوح الأهداف للنظام الجديد والتي تتحدد باتفاق مجتمعي شامل، ويرتبط بالتخطيط وفق جداول زمنية تدرك الإمكانات المتاحة وتضعها موضع الاستخدام الأمثل، وتدرك قيمة محاكمة الفساد السياسي وتضعه في مهمة التطهير، ولا تنشغل بأي من هذا كله عن الباقي.
نحن جميعا نلوك كلمة الثورة، كتابة وقولا وصراعا غير منتج، فإن لم نعد لطريق الثورة الواضح وفق قواعدها المتوارثة عبر نضالات الشعوب، فإننا لا نغتال الثورة والفرصة المتاحة فحسب، بل إننا ننتحر ونضحي بجيل استطاع أن يكسر حاجز الخوف والتردد، أو إننا سندفع الثمن باهظا من دم الشعب ومقدراته، وهو نوع من الانتحار غير المبرر. والأولى بنا أن نلتزم جميعا قانون الثورة وإلا تخدعنا أوهام كسب جزئي هنا أو هناك سينتهي حتما إلى خسارة الجميع.
فلنعد إلى قانون الثورة ونتحد إرادتنا معا لمواجهة أي خارج عن الثورة واستحقاقاتها، ولنترك الكبر والعناد، وألا نضع قواعد اللعبة في يد غير سياسية تتمسك بالشكل دون المضمون، ورجال الحرب أقدر القادة على اتخاذ القرار وتعديله وفق المتغيرات والحقائق في ارض الواقع وليس منهم على الإطلاق من يمتلكه قرار سابق بعد أن تتغير الحقائق من حوله.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
877
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
628
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
531
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
16290
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
5037
| 17 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
3489
| 23 أغسطس 2026