رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سالَ حبرٌ كثيرٌ باللغة العربية، خلال الأيام الماضية، حول نتائج الانتخابات التركية. حصلَ هذا في منابر الصحافة العربية منها والتركية. وبغض النظر عن النتائج ذاتها، كانت هذه فرصةً أخرى لنتعرﱠفَ على أنفسنا كعرب. لِنَنظُرَ إلى المرآة التي تعكسُ واقعنا الثقافي ومناهجنا في التفكير والتحليل والتعامل مع ظواهر الحياة من حولنا.
لامجال للتعميم المطلق كما هو الحال دائماً في مثل هذه الحالات، لكننا نتحدث عن ظاهرةٍ واضحة تغلب على الكتابات المذكورة، وهي بالتالي تُعبر عن جانبٍ من جوانب الثقافة السائدة.
يظهر من متابعة تلك الكتابات انقسامُ المعلقين والكتاب العرب إلى فريقين بشكلٍ ينطبق عليه قول الشاعر: وعينُ الرﱢضا عن كُلﱢ عيبٍ كليلةٌ كذاكَ وعينُ السُّخطُ تُبدي المَسَاويَ.
يُدافع الفريق الأول عن (إيجابية) النتيجة، وأحياناً بشكلٍ مستميت. ويُبررها من خلال التركيز على بعض دلالاتها، مثل القول بأن الحزب فاز في النهاية بالمرتبة الأولى، وأن نسبة 41% عالية جداً بالمقاييس الأوربية، وأن نتائج الانتخابات كانت مصداقاً لنزاهتها، وأن هذا كله يُحسبُ لحزب العدالة والتنمية، وليس عليه. كل هذا صحيحٌ بشكلٍ أو بآخر. ولو أن الطرح لايقفُ عند هذه المقولات، لكان نوعاً من النظر إلى (النصف المليء من الكوب).
لكن أكثر الكتابات تقف فعلاً عند تلك النقطة في التحليل. وهي بهذا تتجاهل حقيقةً سياسية فارقة ستؤثر على حاضر تركيا ومستقبلها، تتمثل ببساطة فيما يلي: إن الحزب، بساسته وإعلامييه ومُناصِريه، كان إلى ماقبل فترةٍ قصيرة من الانتخابات يتحدث عن احتمالات الحصول على أغلبية تمكنه من تغيير الدستور.. أما الحديثُ عن حصوله على أصوات لن يتمكن معها من تشكيل الحكومة بمفرده، واحتمال اضطراره للتحالف مع أحزاب أخرى، فلم يكن وارداً في أي تصريحٍ أو تحليلٍ أو مقالٍ أو دراسة.. هذا هو مربط الفرس كما يقولون، وذلك هو محورُ القضية التي تدل على أن ثمة أخطاء، وربما أخطاء كبرى، في الحسابات، يجب البحث عنها، بعيداً عن التركيز على القضايا الأخرى المذكورة أعلاه.
وهذه الأخطاء لم تحصل فجأةً في بضعة أيام، وإنما تتعلق بقرارات وممارسات سياسية وإدارية وإعلامية حصلت بالتراكم، على الأقل على مدى العام أو العامين الأخيرين كما تُظهر المؤشرات.
بالمقابل، تَظهر كتاباتُ وتعليقات فريقٍ آخر من العرب وكأنها تتمحورُ حول هدفٍ واحدٍ ليس له ثانٍ: الشماتة بحزب العدالة والتنمية، وتحديداً بشخص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لاتبدو هذه الكتابات معنيةً بالتحليل والدراسة والحَفر الموضوعي في الظاهرة، ولا حتى في سلبياتها، وإنما هي مشاعرُ الشماتةُ والتشفي، وربما نوعٌ من لذة الانتقام! تُعبرُ عن نفسها بالعناوين والمصطلحات قبل المضمون، وكأن ثمة عداءً شخصياً مباشراً وعميقاً مع الرجل ومع الحزب. هنا أيضاً، كان مقبولاً اعتبارُ الأمر تنبيهاً إلى (النصف الفارغ من الكوب)، لولا أن المقولات تقف عند تلك النقطة ولاتتجاوزها.
هكذا، يتعامل الفريقان مع ظاهرةٍ هامة تؤثر وستؤثر في حاضر العرب ومستقبلهم بمدخل العواطف والمشاعر، ومنطق الحب والكراهية، ويضيع في الزحام منطق العقل والتحري والبحث والمتابعة الموضوعية التي تحاول استنباط الدروس والعبر من جهة، ويختفي، من جهةٍ أخرى، منطق المصالح المتبادلة والحسابات الذي يجب أن يحكم العلاقات بين الدول. ويبدو، من الحالتين، أن قدرة العرب على فهم التجربة التركية المعاصرة، وخاصةً الجانب الذي يُسمى (إسلامياً) منها، كانت ولاتزال محدودة.
المفارقة أن هذه الشريحة من الكتاب والمعلقين العرب كانت (أكثر ملكيةً من الملك) هنا وهناك. فثمة كتابٌ ومعلقون أتراك من مؤيدي حزب العدالة والتنمية طالبوا بالمراجعات مع ظهور النتائج، وثمة من يقفون ضد الحزب المذكور، لكنهم دعوا محازبيهم ومواطنيهم أيضاً إلى قراءةٍ أكثر شموليةً للحدث، وعدم الانحصار في اعتبار ماحدث هزيمةً للحزب. أما أهلُ الشريحة المذكورة، فكانوا حاسمين في مواقفهم الحدية، إلى درجةٍ يمكن لها أن تأخذ تركيا وأهلها إلى ماهو أسوأ، لو كان لها القرار.
والواضح أن هذا الموقف استمرارٌ للمواقف الحدية السابقة للانتخابات. فثمة أمنيات يمكن أن تسمعها أو تقرأ عنها من سوريين وعرب، على مدى الأعوام الماضية، تتمنى لو أن (أتراك العدالة والتنمية) يحكمون بلادهم. صحيحٌ أن هذا الموقف يُعبرُ عن درجة الإعجاب بالتجربة التركية وأهلها، لكن من معانيه الواضحة أيضاً الاستسهالُ والكسل الحضاري. فبدلاً من المكابدة والعناء لبناء الدول، كما فعل أهل التجربة المذكورة، تتوسل تلك المقولات من (يُريحُ) أصحابَها من الجهد المطلوب، وتؤدي عنها الواجب الذي ينبغي أن يقوموا هم به.
بعد يومين من الانتخابات، خرج أحمد داوود أوغلو، رئيس حزب العدالة والتنمية، ورئيس الوزراء، على شاشة التلفاز التركي في مقابلةٍ خاصة قائلاً فيما قال: "الانتخابات كانت تجسيداً لإرادة الشعب.. والقرار الذي اتُخذ من الشعب هو القرار الصحيح". كما تواترت الأخبار عن اجتماعات مكثفة لدراسة نتائج الانتخابات، وعن البدء عملياً بعمليات مراجعة شاملة على جميع المستويات.
هكذا يفكر من يتحركون بمنطق رجال الدولة، وهكذا يعملون. يحصل هذا رغم أن هؤلاء يعرفون كل (الإيجابيات) التي يتحدث عنها أصدقاؤنا من كتاب العرب ومعلقيهم. لكنهم يدركون أنهم لايمتلكون رفاهية الحياة على تلك (الأمجاد) والإنجازات.
منذ عقدين من الزمان، قال شاعر المنفى واصفاً حال العرب: "مُتطرفونَ بِكُلﱢ حال.. إما الخلودُ أو الزﱠوال.. إما نَحومُ على العلُى.. أو نَنحني تحت النعال.. في حِقدِنا: أرجُ النسائمِ جيفةٌ.. وبِحُبنا: روثُ البهائمِ برتقال".. قد تكون الكلماتُ حادةً وواخزة وصريحةً بعض الشيء، لكن استمرار تعامل ثقافتنا مع ظواهر الحياة بهذه الطريقة إلى اليوم الراهن، رغم كل المتغيرات، يُظهر أنها لاتزال محتاجةً، فيما يبدو، إلى مزيدٍ من الوخز الحاد والصراحة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2622
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2127
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1200
| 01 مارس 2026