رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع انطلاق كأس العالم 2026، لا يبدو المشهد مجرد بطولة أكبر من سابقاتها، بل اختبارًا أوسع لمعنى الجاهزية، ففي حدث يضم عشرات المنتخبات ومئات الآلاف من الزوار، لا يدخل اللاعبون وحدهم إلى الاختبار؛ تدخل معهم المطارات، ووسائل النقل، والفنادق، والمتطوعون، والمؤسسات، والثقافة المجتمعية، ولهذا يصبح السؤال الأهم خارج حدود المستطيل الأخضر: من درَّب المدينة كي تستقبل العالم؟
كلما كبر الحدث... ضاقت مساحة الارتجال
قد توحي ضخامة الملاعب وكثافة الجماهير بأن النجاح تصنعه الإمكانات المادية، لكن اتساع الحدث يقلل مساحة الارتجال ولا يزيدها، فكل مقعد إضافي يعني مسارًا يجب تنظيمه، وكل مشجع جديد يعني احتمالًا آخر للازدحام أو سوء الفهم أو الحاجة إلى تدخل سريع، هنا يظهر التدريب بوصفه جزءًا من الحوكمة، لا نشاطًا تكميليًا يسبق الافتتاح بأيام، فالمنظومات الناضجة لا تنتظر الأزمة كي تختبر موظفيها، بل تصنع السيناريوهات مسبقًا، وتدرّب فرقها على ما قد يحدث، لا على ما تتمنى أن يحدث.
المدينة لاعب لا يظهر في التشكيلة
ينتهي دور المنتخب بانتهاء المباراة، أما المدينة فتظل في الملعب طوال اليوم، تلعب في المطار حين يصل المشجع، وفي محطة النقل حين يبحث عن وجهته، وفي الفندق والشارع ومراكز الجماهير، لذلك لا تقاس جودة الاستضافة بجمال الملعب وحده، بل بجودة التجربة بين الملعب والمدينة، وقد يفوز فريق على أرض الملعب، بينما تخسر المدينة في اختبار التفاصيل الصغيرة: لوحة غير واضحة، موظف غير مهيأ، خدمة لا تراعي الاختلاف، أو موقف بسيط تحول بسبب ضعف التواصل إلى صورة سلبية تنتشر في دقائق.
الجمهور جزء من الجاهزية
نتحدث كثيرًا عن تدريب اللاعبين والحكام والمتطوعين، ونادرًا ما نتحدث عن تدريب الجمهور، والمقصود ليس أن يدخل المشجع قاعة تدريب، بل أن يبنى وعيه قبل دخوله المدرج: كيف يختلف بحماس من دون إساءة؟ كيف يحافظ على المرفق العام؟ وكيف يفصل بين الانتماء الرياضي والعداء الإنساني؟ إن بناء الملاعب أسهل من بناء السلوك الذي يليق بها، فالمنشأة الحديثة تفقد جزءًا من قيمتها حين تتحول المنافسة إلى تعصب أو تصبح الفوضى جزءًا مقبولًا من التشجيع، والبطولة الكبرى لا تكشف مستوى الفرق فقط؛ بل تكشف مستوى الثقافة المجتمعية عندما توضع تحت الضغط.
المتطوع: من قميص مؤقت إلى رأس مال وطني
وراء المشهد العالمي آلاف المتطوعين الذين يستقبلون الجمهور، ويرشدون الضيوف، ويدعمون العمليات، ويتعاملون مع مواقف تتطلب سرعة وحكمة ومرونة، لكن السؤال الذي يجب أن يبدأ قبل البطولة لا بعدها هو: ماذا سيبقى للمتطوع عندما يعيد القميص؟ إذا انتهت التجربة بصورة تذكارية وساعات مسجلة، فقد استخدم المتطوع لإنجاح الحدث، أما إذا خرج بكفايات موثقة وخبرة قابلة للنقل ومسار مهني أو مجتمعي جديد، فقد استخدمت الدولة الحدث لبناء الإنسان، الفرق بين الحالتين هو الفرق بين تشغيل الحشود وصناعة رأس المال البشري.
حين تلتقي الثقافة بالخوارزمية
في بطولة تجمع ثقافات ولهجات وعادات متعددة، لا تكفي ترجمة الكلمات، قد يتقن الموظف لغة الضيف، لكنه لا يفهم طريقته في التعبير أو حساسيته تجاه بعض التصرفات، وهنا يظهر الذكاء الثقافي بوصفه مهارة لا تقل أهمية عن اللغة، وفي الوقت نفسه، دخلت التكنولوجيا إلى كرة القدم من أوسع أبوابها: بيانات لحظية، وكاميرات، وتقنيات مساعدة لاتخاذ القرار، ومع ذلك، لا تلغي التقنية الحاجة إلى التدريب؛ بل تزيدها، فالآلة تقدم المعلومة بسرعة، لكنها لا تضمن فهمها ولا حسن استخدامها، وكلما ازدادت الخوارزمية ذكاءً، ازدادت مسؤولية الإنسان عن الحكم والقرار.
النتيجة التي لا تظهر على الشاشة
تعرض الشاشة الأهداف والبطاقات ونسب الاستحواذ، لكنها لا تعرض كل النتائج، لا تخبرنا بعدد الشباب الذين اكتسبوا مهارة جديدة، أو المؤسسات التي حسنت إجراءاتها، أو الموظفين الذين أصبحوا أقدر على التعامل مع الأزمات، لذلك تحتاج البطولات الكبرى إلى لوحة نتائج ثانية تقيس ما حدث خارج الملعب: مستوى الجاهزية، وجودة التجربة، وتطور ثقافة التطوع، ونقل المعرفة، واستمرار أثر الإنفاق، من دون هذا القياس قد ننجح في تنظيم حدث ضخم، ثم نعجز عن إثبات ما أضافه إلى المجتمع.
بعد صافرة النهاية... من يملك المعرفة؟
حين تنتهي البطولة، تعود المنتخبات، وتطوى اللافتات، ويغادر المتطوعون مواقعهم، لكن آلاف القرارات والتجارب والأخطاء والحلول تكون قد أنتجت معرفة ثمينة، فهل تجمع هذه المعرفة وتتحول إلى معايير وبرامج تدريبية؟ أم تبقى موزعة في ذاكرة أشخاص فنبدأ من الصفر في كل فعالية جديدة؟ هنا يتحدد الإرث الحقيقي؛ فالدولة التي توثق خبرتها لا تستضيف الحدث مرة واحدة، بل تحوله إلى قدرة وطنية مستمرة.
وفي قطر، بعد تجربة كأس العالم 2022، نملك رصيدًا يتجاوز نجاح الاستضافة إلى خبرة بشرية ومؤسسية تستحق أن تتحول إلى معرفة وطنية منظمة في إدارة الفعاليات والحشود، والتطوع، والضيافة، والتواصل الثقافي، وإدارة الأزمات. لقد أثبتنا أن بإمكاننا استقبال العالم، أما الخطوة الأعمق فهي أن نحافظ على الذين تعلموا كيف يستقبل العالم، وأن ننقل خبرتهم إلى الأجيال والقطاعات المقبلة، فالبطولة الناجحة لا تترك خلفها صورًا ونتائج فقط؛ بل تترك مدينة أكثر جاهزية، ومؤسسات أكثر نضجًا، وإنسانًا أكثر قدرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2853
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2613
| 09 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
1308
| 15 يونيو 2026