رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

225

الدكتورة حصة حامد المرواني

الأندية الرياضية وبناء الإنسان (2).. من الملعب إلى المواطنة

31 مايو 2026 , 11:42م

لا تُبنى المواطنة بالكلمات وحدها، ولا تُقاس بما يُقال في المناسبات، بل تظهر في التفاصيل اليومية الصغيرة: احترام الوقت، الالتزام بالنظام، المحافظة على المكان، تقبّل القرار، وضبط السلوك عند الفوز والخسارة، ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون الملعب إحدى أكثر البيئات قدرة على تدريب الشباب على المواطنة، لا من خلال المحاضرات، بل من خلال الممارسة.

في النادي الرياضي يتعلم الشاب أن الانتماء ليس شعارًا يُرفع، بل سلوك يُمارس، حين يلتزم بموعد التدريب، فهو يتعلم قيمة الوقت، وحين يحافظ على مرافق النادي، فهو يتعلم احترام الممتلكات العامة، وحين يتقبل قرار الحكم، فهو يتعلم احترام النظام، وحين يساند زميله بعد الخطأ، فهو يتعلم روح الجماعة، وحين يضبط انفعاله عند الخسارة، فهو يتعلم أن الأخلاق لا تقل أهمية عن الفوز.

هذه التفاصيل الصغيرة تصنع وعيًا كبيرًا، فالمواطنة لا تبدأ دائمًا من الخطابات الكبرى، بل من بيئات يومية تعلّم الفرد كيف يحترم القاعدة، ويتحمل المسؤولية، ويدرك أن صورته الشخصية تنعكس على الفريق والمؤسسة والمجتمع، وهنا تظهر قيمة النادي كمساحة تربوية غير مباشرة، قادرة على تحويل الانضباط الرياضي إلى انضباط اجتماعي.

ومن منظور رؤية قطر الوطنية 2030، فإن بناء مجتمع متماسك ومسؤول لا يتحقق عبر التعليم النظامي وحده، بل عبر كل بيئة تؤثر في سلوك الشباب، والأندية الرياضية، بما تملكه من تأثير يومي على الناشئة، تستطيع أن تكون شريكًا مهمًا في ترسيخ الهوية والانتماء والسلوك المدني، إذا تم توجيه دورها بما يتجاوز المنافسة الرياضية وحدها.

وقد أثبتت تجارب دولية عديدة أن الرياضة، حين ترتبط بمنظومة قيم واضحة، تصبح أداة لتعزيز الاندماج الاجتماعي والانضباط وتقليل السلوكيات السلبية، فالأندية في كثير من المجتمعات لم تعد تُقاس فقط بنتائج فرقها، بل بقدرتها على تهذيب السلوك، واحتواء الشباب، وبناء علاقة صحية بينهم وبين المجتمع.

ولذلك، فإن المطلوب ليس إضافة أنشطة كثيرة داخل الأندية، بل إعادة توجيه ما يحدث يوميًا فيها ليصبح أكثر وعيًا بالقيم، يمكن أن تبدأ الخطوة من مدونة سلوك شبابية مبسطة توضّح معنى احترام الشعار، والمرافق، والزملاء، والجمهور، ووسائل التواصل، بحيث يدرك الشاب أن تمثيل النادي مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مشاركة رياضية.

كما يستطيع القطاع الخاص أن يدعم هذا الاتجاه من خلال مبادرات تعزز السلوك المدني والانتماء لدى الشباب، بدل أن تبقى الرعاية محصورة في الظهور الإعلاني، فدعم القيم داخل الأندية هو استثمار في جيل أكثر انضباطًا ومسؤولية، وليس مجرد دعم لنشاط رياضي عابر.

إن السؤال الأهم اليوم ليس: كم شابًا يمارس الرياضة؟ بل: ماذا يتعلم الشباب من الرياضة؟ هل يتعلمون النظام؟ هل يتعلمون احترام الآخر؟ هل يتعلمون أن الانتماء مسؤولية؟ إذا نجح النادي في غرس هذه المعاني، فإنه لا يصنع لاعبًا فقط، بل يشارك في صناعة مواطن.

وحين يصبح الملعب مساحة لتربية السلوك، تتحول الرياضة من منافسة تنتهي بصافرة الحكم، إلى تجربة تبقى في شخصية الشاب وسلوكه وانتمائه.

يتبع في المقال القادم.

مساحة إعلانية