رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• حين يرحل الآباء، لا تبكيهم أسرهم وحدها، بل تبكيهم البيوت التي اعتادت حضورهم، والزوايا التي شهدت مجالسهم، والأوطان التي صنعت معهم حكايتها.
• قبل أن يعلن الخبر، كان في القلب شيء لا يشبه سواه. ضيق لا أعرف له سببا، وحزن يتسلل بصمت، وكأن الأرواح تستشعر الفقد قبل أن تدركه العيون. امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وتعالت الدعوات من كل بيت ومن كل قلب، وفي كل صورة ومنشور. يسأل الناس الله أن يمن عليه بالشفاء والعافية. لم تكن تلك الدعوات مجرد كلمات، بل كانت تعبيرا صادقا عن محبة قائد لم يكن بالنسبة لشعبه أميرا فحسب، بل كان أبا حقيقيا لوطن بأكمله.
• ولم يكن القلب مخطئا فقد جاء الخبر الذي أثقل قطر كلها وأبكاها. ورحل الأمير الوالد. ورحل معه وجه وفي من وجوه قطر، وذاكرة من ذاكرة الوطن، وقلب ظل حاضرا في وجدان شعبه حتى آخر لحظة. رحل سموه لكنه ترك وراءه وطنا مختلفا، وطنا أصبح اسمه حاضرا في العالم كله، لا بحجم مساحته، بل بحجم رؤيته، ولا بعدد سكانه، بل بما صنعه من أثر وإنجاز.
• هناك من يقود دولة، وهناك من يصنع تاريخها. وكان الأمير الوالد واحدا من أولئك الرجال الذين لم يكتفوا بإدارة الحاضر، بل صنعوا المستقبل. لم يكن يؤمن بأن تكون قطر نسخة من غيرها، بل أراد لها أن تكون مختلفة، مستقلة في قرارها، واثقة في نفسها، وصاحبة رسالة، وصاحبة حضور لا يمكن تجاوزه.
• آمن بأن الأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما بالرؤية والعمل، وأن الثروة الحقيقية ليست فيما تحت الأرض، وإنما فيما تحمله العقول فوقها. لذلك لم تكن نهضته نهضة عمران فقط، بل نهضة إنسان.
• علمنا أن الجرأة في اتخاذ القرار ليست مخاطرة عندما يكون الهدف رفعة الوطن، وأن الدول لا تكبر باتساع أرضها، وإنما باتساع رؤيتها، وبقدرتها على الاستثمار في الإنسان.
• ولذلك لم يكن غريبا أن تتحول قطر، خلال سنوات قليلة، إلى اسم حاضر في السياسة، والدبلوماسية، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والإعلام، والرياضة، والعمل الإنساني.
• ومن بين أعظم ما تركه الأمير الوالد للأجيال إيمانه بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار. لذلك لم تكن مؤسسة قطر، المدينة التعليمية، وجامعة حمد بن خليفة التي حملت اسم قائد آمن بأن العلم هو الطريق إلى المستقبل، وكانت تجسيدا لرؤية آمنت بأن مستقبل الأوطان يبدأ من التعليم، ومن البحث العلمي، ومن العقول القادرة على صناعة المعرفة.
• وأشعر اليوم بامتنان كبير لأنني كنت واحدة من أبناء هذا المشروع الوطني. فقد كانت رحلتي العلمية، حتى الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة حمد بن خليفة، شاهدا على رؤية فتحت لأبناء قطر أبواب العلم، وأثبتت أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي يبقى أثره جيلا بعد جيل.
• وفي الإعلام، لم يكن الأمير الوالد يؤسس قناة فضائية فحسب، بل كان يؤسس مشروعا حضاريا سبق عصره. فجاءت فكرة قناة الجزيرة لتقدم للعالم صوتا عربيا مستقلا، ورواية مختلفة، ومساحة أوسع للحوار والاختلاف، حتى أصبحت واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيرا في العالم. ولم تكتف الجزيرة بتغيير المشهد الإعلامي العربي، بل جعلت اسم قطر حاضرا كل يوم في بيوت العالم، وفي غرف الأخبار، وفي الجامعات، وفي مراكز الدراسات، ورسخت مكانة الدولة. ولأول مرة، لم يعد العالم يروي أخبار منطقتنا نيابة عنا، بل أصبح يستمع إلى رواية تخرج من قلب المنطقة نفسها. بوصفها قوة ناعمة تؤمن بأن الكلمة الواعية لا تقل أثرا عن القرار الحكيم.
• وفي السياسة، اختار الأمير الوالد أن تكون قطر جسرا للحوار، وأن يكون السلام رسالة، وأن تمد يدها لكل من يبحث عن حل أو يقرب وجهات النظر، حتى أصبحت الدوحة عنوانا للدبلوماسية والوساطة، ومقصدا لكل من يؤمن بأن الحوار أقصر الطرق إلى الاستقرار. لم يكن يصنع لقطر مكانا على خريطة العالم، بل كان يصنع لها مكانة في ضمير العالم.
• وكانت مواقفه الكبرى تنطلق من إيمانه بأن قوة الدول لا تقاس بما تملكه، بل بما تحمله من مبادئ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي بقيت حاضرة في وجدانه وفي مواقف دولة قطر. ولذلك لم يكن دعم فلسطين وغزة موقفا موسميا، بل امتدادا لقناعة راسخة بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن نصرة المظلوم مسؤولية لا تسقط بتغير الظروف.
• وفي الرياضة، لم تكن استضافة كأس العالم قطر 2022 مجرد بطولة عالمية، بل كانت رسالة حضارية قدمت للعالم صورة مشرقة عن قطر والعرب والمسلمين، وأثبتت أن الحلم عندما يقترن بالإرادة يتحول إلى إنجاز يبقى في ذاكرة التاريخ.
• ورغم كل هذه الإنجازات، بقي الأمير الوالد إنسانا قريبا من الناس. تشرفت بلقائه أكثر من مرة، في معرض الدوحة الدولي للكتاب، وفي معرض الدوحة للمجوهرات والساعات. وما زلت أتذكر ذلك اليوم في معرض الكتاب حين كنت أحدث نفسي: هل يجد الأمير الوالد وسمو الشيخة موزا بنت ناصر وقتا لزيارة معرض الكتاب؟ ولم تمض ساعات حتى رأيتهما أمامي في إحدى دور النشر. وفي كل لقاء كان يبدأ بالسلام، ويسأل باهتمام، ويستمع بإنصات، ويتحدث بعفوية الأب قبل هيبة القائد. لم تكن تلك اللقاءات بروتوكولا، بل كانت مواقف إنسانية بقيت راسخة في الذاكرة، لأن الهيبة يمنحها المنصب، أما المحبة فلا يصنعها إلا التواضع والصدق.
• لقد منح المواطن القطري شعورا بالفخر، وجعل اسم قطر يحمل مكانة واحتراما أينما ذكر. لم يعلمنا أن نفتخر بوطننا لأنه غني، بل لأن له رسالة، وله رؤية، وله قائد آمن بأن المستحيل ليس إلا فكرة لم تجد من يؤمن بها بعد.
• واليوم، ونحن نودع سموه، ندرك أن الرجال العظماء لا يرحلون عندما تغيب أجسادهم، بل يبقون في الأثر الذي تركوه، وفي المؤسسات التي أسسوها، وفي الأجيال التي آمنوا بها، وفي كل طالب فتحت له أبواب العلم بفضل رؤية آمنت بأن المعرفة هي الثروة التي لا تنضب. وفي كل باحث يكتب دراسة وبحثا ويخدم الإنسانية، وفي كل إعلامي يحمل رسالة، وفي كل دبلوماسي يسعى إلى السلام، وفي كل إنجاز يرفع اسم قطر بين الأمم.
وفي هذا المصاب الجلل، نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الكريمة، وإلى الشعب القطري الكريم، سائلين الله عز وجل أن يتغمد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وأن يحفظ وطننا ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار والعزة.
• آخر جرة قلم:
ليس كل القادة يتركون وراءهم مناصب، فبعضهم يتركون رؤية، وإنسانا، وأثرا يمتد عبر الأجيال. رحم الله الأمير الوالد، وسيبقى وفاء القطريين له جزءا من وفائهم لوطن أحبوه كما أحبه، ووطن سيظل شاهدا على أن الرجال العظماء لا يرحلون ما دامت أعمالهم تنبض في حياة الناس، وما دام التاريخ يروي للأجيال قصة قائد آمن بقطر فآمنت قطر بحلمه، وإنا لله وانا إليه راجعون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
alsalwa2007@gmail.com
@salwaalmulla
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5787
| 07 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1533
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1482
| 12 يوليو 2026