رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثرثرة على النيل عنوان لواحدة من روايات نجيب محفوظ، ويكاد هذا العنوان أن يكون وصفا لحال الساسة والسياسة في مصر، فالكلام إلى حد الثرثرة هو ما يملأ الفضاء من حولنا.
وأولاد حارتنا هي أيضاً من أشهر قصص نجيب محفوظ وأكثرها إثارة للجدل، وهي محاولة لتجسيد العملية الإيمانية في شكل روائي، قد يقبل بهذا الشكل البعض أو لا يقبل به، ولكن أجمع الجميع أن من حق الكاتب أن يبدع في بحثه الفلسفي عن الإيمان وهو ما تنتهي به الرواية أيضا.
والحارة في مصر لها طبائعها الخاصة، والبيوت في الحارة تطبق على عابري السبيل من ضيق عرض الحارة، وأبواب البيوت في الحارة تكاد ألا تغلق وليس فيها أسرار، وتمتد العلاقات والسلوكيات بين شهامة أولاد البلد وبين سلوكيات الكيد بين النسوة، اللاتي يحلن أرض الحارة صباح أيام الجمعة إلى بركة مياه بالتنافس فيما بينهن على إلقاء مياه الاستحمام إلى عرض الطريق، في محاولة للإعلان عن "استحمام العافية" بين الأحباب داخل هذه البيوت، الأمر الذي لا يحول دون أن ينتهي التحاب هذا إلى اشتباك داخل البيت الواحد في نفس اليوم،
هكذا حال الإعلانات السياسية في مصر كما حالة مياه حمام العافية، تلقي إلى الحارة معلنة أن داخل البيت وفاق في أعلى درجات الانسجام والتحاب والمعاشرة.
وبين حمامات العافية والثرثرة يجري تشكيل المشهد في مصر، وإعادة ترتيب الأوضاع بين الأطراف التي تحددت إلى الآن وبشكل حصري في جماعة الإخوان والمجلس العسكري، بينما خفت حضور الشعب أو حتى النخب التي تملأ الفضاء بثرثرة صاخبة صارت أقرب إلى الكومبارس منهم إلى الشركاء في اللعبة، وانزوت الثورة وتصدر المشهد صراع السلطة، وكررت الألسن في وصف مجموعة القرارات الأخيرة للرئيس المنتخب، تعبير الانقلاب العسكري الناعم لإعادة توفيق الأوضاع، أو الانقلاب المدني ضد المجلس العسكري لإطلاق تمكين الرئيس المنتخب من السلطة.
ومما يزيد الأمر التباسا أن ما يطلق عليه الشرعية الدستورية لرئيس منتخب في حال الصراع على السلطة لا تمثل قوة مادية في الواقع إلا إذا استقطبت من داخل الجيش ذاته بعض الأطراف فيه، أو هي وصلت إلى توافق إرادي بتسوية ما بين الأطراف توصلت إليها لتحول دون صدام محتمل الحدوث.
هكذا معادلة القوة، ليس للنصوص فوق الورق قيمة دون أن يعبر عنها وجود مادي في الواقع. وهذا ما استدعى الاحتمال الثاني بأنه انقلاب عسكري صامت أعيد فيه توفيق الأوضاع بما يكفل للمؤسسة العسكرية البقاء كرقم فاعل في معادلة السلطة.
ولم يتوقف الأمر عند حد إقالة ــ وهذا هو التعبير الرسمي ــ طنطاوي وعنان رغم منحهما أعلى وسام في مصر، ولكن جرى تجاوز الأمر إلى إلغاء الإعلان الدستوري المكمل والذي كان يمنح حصانة كاملة لأعضاء المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة، ويتضمن موقفا من التشريع ومراقبة الميزانية وإعلان الحرب.
تتابع المشهد منذ الهجوم على إحدى النقاط العسكرية في رفح واستشهاد 16 ضابطا وجنديا يبدو في نتائجه معاكسا لمعادلة القوة وأيضا الإعلام الصاخب الذي رافق الحدث.
فقد تم إقالة قائد الشرطة العسكرية، وقائد الحرس الجمهوري، ومدير الأمن المركزي، على خلفية عدم تأمين حضور الرئيس المنتخب لجنازة الشهداء.
وتم إقالة مدير المخابرات العامة على خلفية تصريحات له حول الحادث سواء من ناحية توافر المعلومات وعدم التعامل معها، أو من ناحية حسن النية المفرط بأنه لم يكن يتوقع أن يقتل المسلم أخاه المسلم ساعة الإفطار! ولعل هذا الرجل كانت تطارده لعنة أهل سيناء عندما تحدث عنهم وسبهم واتهمهم بالعمالة وأن إسرائيل تضربهم بالأحذية، أثناء تولية منصب محافظ شمال، ورغم هذا أتى به الرئيس السابق ليخلف عمر سليمان في قمة أهم جهاز سيادي في مصر.
ثم كانت الجولات التي أنهك فيها الرئيس المنتخب المشير ورئيس الأركان.
وأخيرا القرارات التي صدرت بالإقالة وتعيين مدير المخابرات الحربية وزيرا للدفاع.
وفي ذات الوقت كانت هناك القرارات الصادرة عن مجلس الشورى بتعيين رؤساء تحرير الإصدارات القومية، والتي واجهة موجة احتجاج واستقالات من لجنة القرار بالمجلس.
ثم موجة من المصادرة لإعلام اتهم بالتحريض على قتل الرئيس المنتخب، أو سبه والتعريض به، وأغلقت قناة فضائية تنتمي بالأساس إلى بقايا النظام السابق، وتم تقديم مذيع ورئيس تحرير صحيفة إلى النيابة بتلك التهم.
بناء ينهار في تتابع سريع وكأن هناك من قرر أن ينتحر بالسم، أو هي جملة تراكمات ما بدأته لجنة البشري والتي صنعها المجلس العسكري وحالة التخبط التشريعي التي ترتبت على استفتاء مارس 2011، وقد تحولت إلى انفجار مدمر للمجلس العسكري. وإن لم يتحول في مجمله إلى شظايا، ولكن جرى التفكيك والإحلال داخل مؤسسات محورية للدولة ومن داخل المجلس ذاته وزير للدفاع كان يتولي مسؤولية المخابرات الحربية، وهي تشارك كافة الأجهزة مسؤولية القصور في المعلومات عن الهجمات التي جرت في سيناء.
صمتت جماعة الإخوان على عمليات القتل والسحل والمحاكم العسكرية التي تعرض لها شباب المتظاهرين، واليوم ينهي المجلس العسكري مهمته بتسليم كل أوراق السلطة إلى الرئيس المنتخب وبالتبعية إلى جماعة الإخوان دون أن يكون هناك دستور أو حتى جمعية تأسيسية متوافق عليها، فصار الأمر سلطة مطلقة بلا قيد، وهي سلطة بالأساس تفتقد خطابا سياسيا يعبر مضمونه عن احتياج الشعب وفق رؤية واضحة ومعلنة.
يبدو التحول حالة اندماج بين طرفين أدارا الفترة الانتقالية معا، الإخوان والمجلس العسكري، وليس هناك أي شاهد على غير ذلك على الإطلاق.
والغريب أن من بقي من المجلس العسكري هم من تولوا الحوار السياسي لتسكين كل الأطراف وتفريغ الثورة من محتواها، وليتولى اللواء عبدالفتاح السيسي منصب وزير الدفاع وهو من تولى الحوار مع ائتلافات الثورة ونجح في تفكيكها وتحويل أغلبها إلى جماعات مصالح، ولكل ثمن.
وكشفت الوقائع حالة الاهتراء التي وصلت إليها باقي التجمعات السياسية، ويبدو أن التباسا شديدا أصاب رؤيتها لحقيقة ما يجري.
وكأن الأمر يعود إلى نقطة البداية، ولكن مع تعاظم في المخاطر، التي تتجاوز أعمال عنف داخلي إلى عمليات إرهابية تحت ستار ديني، لتتوافق أطراف تحمل سلاح تحت عباءة الدين تعلن سيناء إمارة محررة، مع طموحات وخطط إسرائيلية للتخلص من الكتلة البشرية الفلسطينية الضاغطة على إسرائيل بتنفيس الضغط في اتجاه سيناء، وفق مخطط تبادل الأراضي المقترح والذي نشرناه بالشرق في فبراير 2008 أي منذ أربعة أعوام.
ومن سخريات القدر أن يتواكب خطابان أحدهما للمرشد السابق لجماعة الإخوان، مهدي عاكف والآخر للدكتور محمد البرادعي، والفارق بينهما فارق جذري، فمهدي عاكف يقول إن الإخوان لم يأتوا ببرنامج وطني ولكنهم جاءوا ببرنامج إسلامي، ويتحدث عن ضرورة السيطرة على مفاصل الدولة، ويبدو أن لديه حالة عشق مع الملح، والتي تعني "طز" بالتركي، وكما تهكم على الوطن من قبل عاد يتهكم على كل المحتوى الشعبي والسياسي المصري بكلمة "طز". ولكن البرادعي يدعو إلى حوار وطني ولجنة تأسيسية جديدة لوضع الدستور، واحد يدعو إلى تفكيك الوطن لصالح جماعته، والآخر يدعو إلى لحمة وطنية تسبق الشبق الإخواني إلى إقرار دستور يجري إعداده في الظلام.
هل يمكن للرئيس المنتخب أن يسمع لغير جماعته؟
إلى من سيسمع، إلى البرادعي أم مهدي عاكف؟ خاصة وأنه حتى اللحظة لم يسمع لنداء الإفراج عن المحكومين بالقضاء العسكري.
قد تكون التغييرات في القيادات حان وقتها، ولكن ماذا عن إلغاء رئيس الجمهورية المنتخب للإعلان الدستوري المكمل؟ هل هذا من حقه؟ أم أنه تجاوز من رئيس على دستور؟ سؤال قد يكون هو مضمون القادم من مواجهة؟
ظل البعض يعتمد على توازن ناشئ من اختلاف بين الإخوان والمجلس العسكري، والآن جرى إعلان كامل بالتوافق بينهما، ويبقى سؤال جوهري، هل هذا التوافق لصالح مصر؟ وهل هذا التوافق لحساب أمنها القومي؟ وهل الترتيبات الأخيرة هي النهائية أم أن هناك جديدا قد يرد بشأن مؤسسات أخرى في الدولة، تهدف إلى إسقاط الدولة، لصالح رؤية جماعة الإخوان.
ما مدى نجاح نداءات الحشد والحشد المضاد في الأسبوع الأخير من أغسطس؟ وما مدى التزام كافة الأطراف بسلمية التظاهر خاصة وأن هناك بعض الوقائع التي جرت خلال الأيام الماضية تعلن عن عنف جديد ليس مصدره البلطجية ولكن المصدر الإخوان والألتراس، وهو أمر حتى اللحظة مازال إنذارا بالخطر المحتمل، ويجب الانتباه ألا يتحول إلى خطر حال لأنه سيفتح أبوابا لا نملك ترف الدخول عبرها إلى حرب أهلية في لحظات يتراكم فيها الخطر الخارجي إلى حد الانفجار.
كل ما يجري يستدعي وجوب التئام لعناصر الثورة مع القوى الاجتماعية في المجتمع، وبدون هذا فإن رحلة الثورة من أجل "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" ستطول أكثر مما نتوقع أو يحتمل الشعب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4290
| 23 سبتمبر 2026