رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثرثرة على النيل عنوان لواحدة من روايات نجيب محفوظ، ويكاد هذا العنوان أن يكون وصفا لحال الساسة والسياسة في مصر، فالكلام إلى حد الثرثرة هو ما يملأ الفضاء من حولنا.
وأولاد حارتنا هي أيضاً من أشهر قصص نجيب محفوظ وأكثرها إثارة للجدل، وهي محاولة لتجسيد العملية الإيمانية في شكل روائي، قد يقبل بهذا الشكل البعض أو لا يقبل به، ولكن أجمع الجميع أن من حق الكاتب أن يبدع في بحثه الفلسفي عن الإيمان وهو ما تنتهي به الرواية أيضا.
والحارة في مصر لها طبائعها الخاصة، والبيوت في الحارة تطبق على عابري السبيل من ضيق عرض الحارة، وأبواب البيوت في الحارة تكاد ألا تغلق وليس فيها أسرار، وتمتد العلاقات والسلوكيات بين شهامة أولاد البلد وبين سلوكيات الكيد بين النسوة، اللاتي يحلن أرض الحارة صباح أيام الجمعة إلى بركة مياه بالتنافس فيما بينهن على إلقاء مياه الاستحمام إلى عرض الطريق، في محاولة للإعلان عن "استحمام العافية" بين الأحباب داخل هذه البيوت، الأمر الذي لا يحول دون أن ينتهي التحاب هذا إلى اشتباك داخل البيت الواحد في نفس اليوم،
هكذا حال الإعلانات السياسية في مصر كما حالة مياه حمام العافية، تلقي إلى الحارة معلنة أن داخل البيت وفاق في أعلى درجات الانسجام والتحاب والمعاشرة.
وبين حمامات العافية والثرثرة يجري تشكيل المشهد في مصر، وإعادة ترتيب الأوضاع بين الأطراف التي تحددت إلى الآن وبشكل حصري في جماعة الإخوان والمجلس العسكري، بينما خفت حضور الشعب أو حتى النخب التي تملأ الفضاء بثرثرة صاخبة صارت أقرب إلى الكومبارس منهم إلى الشركاء في اللعبة، وانزوت الثورة وتصدر المشهد صراع السلطة، وكررت الألسن في وصف مجموعة القرارات الأخيرة للرئيس المنتخب، تعبير الانقلاب العسكري الناعم لإعادة توفيق الأوضاع، أو الانقلاب المدني ضد المجلس العسكري لإطلاق تمكين الرئيس المنتخب من السلطة.
ومما يزيد الأمر التباسا أن ما يطلق عليه الشرعية الدستورية لرئيس منتخب في حال الصراع على السلطة لا تمثل قوة مادية في الواقع إلا إذا استقطبت من داخل الجيش ذاته بعض الأطراف فيه، أو هي وصلت إلى توافق إرادي بتسوية ما بين الأطراف توصلت إليها لتحول دون صدام محتمل الحدوث.
هكذا معادلة القوة، ليس للنصوص فوق الورق قيمة دون أن يعبر عنها وجود مادي في الواقع. وهذا ما استدعى الاحتمال الثاني بأنه انقلاب عسكري صامت أعيد فيه توفيق الأوضاع بما يكفل للمؤسسة العسكرية البقاء كرقم فاعل في معادلة السلطة.
ولم يتوقف الأمر عند حد إقالة ــ وهذا هو التعبير الرسمي ــ طنطاوي وعنان رغم منحهما أعلى وسام في مصر، ولكن جرى تجاوز الأمر إلى إلغاء الإعلان الدستوري المكمل والذي كان يمنح حصانة كاملة لأعضاء المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة، ويتضمن موقفا من التشريع ومراقبة الميزانية وإعلان الحرب.
تتابع المشهد منذ الهجوم على إحدى النقاط العسكرية في رفح واستشهاد 16 ضابطا وجنديا يبدو في نتائجه معاكسا لمعادلة القوة وأيضا الإعلام الصاخب الذي رافق الحدث.
فقد تم إقالة قائد الشرطة العسكرية، وقائد الحرس الجمهوري، ومدير الأمن المركزي، على خلفية عدم تأمين حضور الرئيس المنتخب لجنازة الشهداء.
وتم إقالة مدير المخابرات العامة على خلفية تصريحات له حول الحادث سواء من ناحية توافر المعلومات وعدم التعامل معها، أو من ناحية حسن النية المفرط بأنه لم يكن يتوقع أن يقتل المسلم أخاه المسلم ساعة الإفطار! ولعل هذا الرجل كانت تطارده لعنة أهل سيناء عندما تحدث عنهم وسبهم واتهمهم بالعمالة وأن إسرائيل تضربهم بالأحذية، أثناء تولية منصب محافظ شمال، ورغم هذا أتى به الرئيس السابق ليخلف عمر سليمان في قمة أهم جهاز سيادي في مصر.
ثم كانت الجولات التي أنهك فيها الرئيس المنتخب المشير ورئيس الأركان.
وأخيرا القرارات التي صدرت بالإقالة وتعيين مدير المخابرات الحربية وزيرا للدفاع.
وفي ذات الوقت كانت هناك القرارات الصادرة عن مجلس الشورى بتعيين رؤساء تحرير الإصدارات القومية، والتي واجهة موجة احتجاج واستقالات من لجنة القرار بالمجلس.
ثم موجة من المصادرة لإعلام اتهم بالتحريض على قتل الرئيس المنتخب، أو سبه والتعريض به، وأغلقت قناة فضائية تنتمي بالأساس إلى بقايا النظام السابق، وتم تقديم مذيع ورئيس تحرير صحيفة إلى النيابة بتلك التهم.
بناء ينهار في تتابع سريع وكأن هناك من قرر أن ينتحر بالسم، أو هي جملة تراكمات ما بدأته لجنة البشري والتي صنعها المجلس العسكري وحالة التخبط التشريعي التي ترتبت على استفتاء مارس 2011، وقد تحولت إلى انفجار مدمر للمجلس العسكري. وإن لم يتحول في مجمله إلى شظايا، ولكن جرى التفكيك والإحلال داخل مؤسسات محورية للدولة ومن داخل المجلس ذاته وزير للدفاع كان يتولي مسؤولية المخابرات الحربية، وهي تشارك كافة الأجهزة مسؤولية القصور في المعلومات عن الهجمات التي جرت في سيناء.
صمتت جماعة الإخوان على عمليات القتل والسحل والمحاكم العسكرية التي تعرض لها شباب المتظاهرين، واليوم ينهي المجلس العسكري مهمته بتسليم كل أوراق السلطة إلى الرئيس المنتخب وبالتبعية إلى جماعة الإخوان دون أن يكون هناك دستور أو حتى جمعية تأسيسية متوافق عليها، فصار الأمر سلطة مطلقة بلا قيد، وهي سلطة بالأساس تفتقد خطابا سياسيا يعبر مضمونه عن احتياج الشعب وفق رؤية واضحة ومعلنة.
يبدو التحول حالة اندماج بين طرفين أدارا الفترة الانتقالية معا، الإخوان والمجلس العسكري، وليس هناك أي شاهد على غير ذلك على الإطلاق.
والغريب أن من بقي من المجلس العسكري هم من تولوا الحوار السياسي لتسكين كل الأطراف وتفريغ الثورة من محتواها، وليتولى اللواء عبدالفتاح السيسي منصب وزير الدفاع وهو من تولى الحوار مع ائتلافات الثورة ونجح في تفكيكها وتحويل أغلبها إلى جماعات مصالح، ولكل ثمن.
وكشفت الوقائع حالة الاهتراء التي وصلت إليها باقي التجمعات السياسية، ويبدو أن التباسا شديدا أصاب رؤيتها لحقيقة ما يجري.
وكأن الأمر يعود إلى نقطة البداية، ولكن مع تعاظم في المخاطر، التي تتجاوز أعمال عنف داخلي إلى عمليات إرهابية تحت ستار ديني، لتتوافق أطراف تحمل سلاح تحت عباءة الدين تعلن سيناء إمارة محررة، مع طموحات وخطط إسرائيلية للتخلص من الكتلة البشرية الفلسطينية الضاغطة على إسرائيل بتنفيس الضغط في اتجاه سيناء، وفق مخطط تبادل الأراضي المقترح والذي نشرناه بالشرق في فبراير 2008 أي منذ أربعة أعوام.
ومن سخريات القدر أن يتواكب خطابان أحدهما للمرشد السابق لجماعة الإخوان، مهدي عاكف والآخر للدكتور محمد البرادعي، والفارق بينهما فارق جذري، فمهدي عاكف يقول إن الإخوان لم يأتوا ببرنامج وطني ولكنهم جاءوا ببرنامج إسلامي، ويتحدث عن ضرورة السيطرة على مفاصل الدولة، ويبدو أن لديه حالة عشق مع الملح، والتي تعني "طز" بالتركي، وكما تهكم على الوطن من قبل عاد يتهكم على كل المحتوى الشعبي والسياسي المصري بكلمة "طز". ولكن البرادعي يدعو إلى حوار وطني ولجنة تأسيسية جديدة لوضع الدستور، واحد يدعو إلى تفكيك الوطن لصالح جماعته، والآخر يدعو إلى لحمة وطنية تسبق الشبق الإخواني إلى إقرار دستور يجري إعداده في الظلام.
هل يمكن للرئيس المنتخب أن يسمع لغير جماعته؟
إلى من سيسمع، إلى البرادعي أم مهدي عاكف؟ خاصة وأنه حتى اللحظة لم يسمع لنداء الإفراج عن المحكومين بالقضاء العسكري.
قد تكون التغييرات في القيادات حان وقتها، ولكن ماذا عن إلغاء رئيس الجمهورية المنتخب للإعلان الدستوري المكمل؟ هل هذا من حقه؟ أم أنه تجاوز من رئيس على دستور؟ سؤال قد يكون هو مضمون القادم من مواجهة؟
ظل البعض يعتمد على توازن ناشئ من اختلاف بين الإخوان والمجلس العسكري، والآن جرى إعلان كامل بالتوافق بينهما، ويبقى سؤال جوهري، هل هذا التوافق لصالح مصر؟ وهل هذا التوافق لحساب أمنها القومي؟ وهل الترتيبات الأخيرة هي النهائية أم أن هناك جديدا قد يرد بشأن مؤسسات أخرى في الدولة، تهدف إلى إسقاط الدولة، لصالح رؤية جماعة الإخوان.
ما مدى نجاح نداءات الحشد والحشد المضاد في الأسبوع الأخير من أغسطس؟ وما مدى التزام كافة الأطراف بسلمية التظاهر خاصة وأن هناك بعض الوقائع التي جرت خلال الأيام الماضية تعلن عن عنف جديد ليس مصدره البلطجية ولكن المصدر الإخوان والألتراس، وهو أمر حتى اللحظة مازال إنذارا بالخطر المحتمل، ويجب الانتباه ألا يتحول إلى خطر حال لأنه سيفتح أبوابا لا نملك ترف الدخول عبرها إلى حرب أهلية في لحظات يتراكم فيها الخطر الخارجي إلى حد الانفجار.
كل ما يجري يستدعي وجوب التئام لعناصر الثورة مع القوى الاجتماعية في المجتمع، وبدون هذا فإن رحلة الثورة من أجل "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" ستطول أكثر مما نتوقع أو يحتمل الشعب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4881
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1410
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
987
| 06 أغسطس 2026