رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يزعجنا تتابع الزوابع على مصر خلال الأسبوع الأخير، لكن المزعج حقا أنها جميعا لا علاقة لها بالآمال المعلقة على الثورة وإنها بمثابة استدراج لنا لخوض معارك عدة على الجبهة الغلط.
➊
خذ مثلا تداعيات جريمة قتل 16 ضابطا وجنديا مصريا في رفح، التي أصابتنا من حيث لا نحتسب. فسمَّمت العلاقة بين مصر وقطاع غزة. وأفسدت المناخ الإيجابي الذي لاح في الأفق بعد الثورة، الأمر الذي هيأ فرصة تصويب آثار التوتر الذي فرضه النظام السابق. إذ ما إن وقعت الواقعة حتى أشاعت بعض الأبواق في مصر أن غزة لها صلة بالجريمة، رغم أن من الإسرائيليين ــ روني دانئيل معلق الشؤون العسكرية في القناة الإسرائيلية الثانية وألون بن دافيد معلق الشؤون العسكرية في القناة العاشرة مثلا ـ من أكد أنه لا يوجد لدى إسرائيل أي دليل يربط بين غزة وبين ما جرى في رفح.
شغلت الجريمة الرأي العام في مصر، وأسهم الشحن الإعلامي المضاد في تأليب الشعب المصري على الفلسطينيين، وكانت هيئات التقدير الاستراتيجي في إسرائيل والأجهزة الأمنية المعنية قد اعتبرت أن بروز تعاطف المصريين مع الفلسطينيين بعد الثورة من شأنه يقيد حرية إسرائيل في القيام بأي عمليات عسكرية ضد قطاع غزة. وهو هاجس تراجع نسبيا بعد وقوع الجريمة وحملات التعبئة المضادة للفلسطينيين التي ترتبت عليها. ولا يقل أهمية عن ذلك أن وقوع الجريمة أربك السياسة الخارجية المصرية ووضعها في موقف حرج. ذلك أنه وفر ظرفا قلص من قدرة القيادة الجديدة في مصر على إعادة تقييم السياسة الخارجية وإعادة بلورتها على شكل مغاير لما كانت عليه في ظل النظام السابق. وهو ما عبر عنه بشكل فج ودون مواربة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان حين قال إن مصر مطالبة بتعلم الدرس مما جرى في رفح لمواجهة أعدائها الحقيقيين. وكان يقصد بإشارته المقاومة الفلسطينية في غزة.
لقد سارعت إسرائيل إلى توظيف الجريمة من خلال ابتزاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما. إذ شرع ديوان نتنياهو في الاتصال بالقيادات الجمهورية والديمقراطية في الكونجرس، لمطالبة الرئيس الأمريكي بالضغط على القيادة المصرية ومطالبتها بعدم إحداث أي تغيير على السياسة التي كانت متبعة في ظل النظام السابق. خصوصا فيما تعلق بظروف الحصار والعلاقة مع حركة حماس أو حتى مع إيران. وكانت الرسالة واضحة في أن المطلوب أن تظل السياسة الخارجية لنظام مبارك مستمرة بعد الثورة، بحيث تبقى أسيرة مربع «الاعتدال» المطلوب أمريكيا وإسرائيليا، ولا تتقدم بأي خطوة إلى الأمام.
➋
خذ مثلا الضجة المثارة حول ما سُمى «بأخونة» الإعلام وتقييد حرية التعبير. والمشكلة الأولى أثيرت بمناسبة قرار مجلس الشورى تعيين 50 رئيس تحرير جديدا للصحف القومية، والثانية برزت بعد وقف بث إحدى القنوات الفضائية. وهما القضيتان اللتان احتلتا حيزا واسعا من التغطية والتعليق والضجيج في مختلف وسائل الإعلام، في حين أن الأولى فرقعة أخطأت الهدف، والثانية مجرد زوبعة في فنجان.
بطبيعة الحال فإن المنطق المهني لا يقبل أن يتولى مجلس الشورى تعيين رؤساء تحرير الصحف القومية أو غير القومية، كما أن أي عقل سياسي أو وطني لا يقبل فكرة أخونة الإعلام، ولكن المشكلة الحقيقية لم تكن في القرار الذي اتخذته اللجنة المختصة بمجلس الشورى بخصوص التعيينات، لكنها تكمن في مبدأ اختصاص المجلس بهذه المهمة. وهو اختصاص نص عليه القانون، الذي اعتبر الصحف القومية مملوكة لذلك المجلس. الأمر الذي كان غطاء لسيطرة الحكومة والأجهزة الأمنية على الصحف القومية. لذلك فإنه حين طعن في ممارسة مجلس الشورى لذلك الاختصاص، فإن المحكمة الإدارية العليا وتقرير هيئة المفوضين رفضا الطعن، لأن ممارسته تمت في حدود التفويض القانوني. لذلك فإن الإعلاميين حين وجهوا سهامهم إلى مجلس الشورى فإنهم أخطأوا الهدف، لأن المشكلة في القانون الذي خوله ذلك الاختصاص، وليست في المجلس الذي باشره. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن الضجيج الذي أثير شغل الناس بمعركة نخبوية مغلوطة.
مسألة الأخونة أيضا تبين أنها جزء من الكيد السياسي ولا أصل لها في الواقع. فرؤساء التحرير الذين تم تغييرهم ينتمي أغلبهم إلى النظام السابق، بمعنى أنهم كانوا جزءا منه، وأن اختيارهم تم بتزكية من جهاز أمن الدولة، وقد ظل وجودهم محل قبول ورضا من جانب الذين أثاروا الضجيج وأطلقوا عاصفة النقد. صحيح أنني أستغرب الأسلوب الذي اتبع في محاولة تغييرهم، حين وضعت معايير لاختيار بدائلهم وفتح الباب لترشح من توسم في نفسه جدارة بشغل المنصب، وهو أمر غير مسبوق في المهنة، إلا إن ذلك كان اجتهادا في ممارسة الاختصاص بدا أقل سوءا من أن يتولى جهاز أمن الدولة ترشيح رؤساء التحرير. إلا أن ما يهمني في الشق المتعلق بالأخونة أن المرشحين جميعا ــ 241 صحفيا ــ لم يكن بينهم عضو في جماعة الإخوان. وكانت النتيجة أن الخمسين الذين وقع عليهم الاختيار لم يكن أحد منهم عضوا في الجماعة، بل إن منهم من نعرف أن لهم خصومة معها، ومنهم من كان زبونا في القناة التي تم إغلاقها.
كما أن الثورة على مجلس الشورى كانت نموذجا للمعركة الغلط، فإن إلغاء تصريح القناة بدا نموذجا للإجراء الغلط، الذي لا علاقة له بحرية التعبير التي هي الآن أوسع منها في أي عهد عرفته مصر في تاريخها الحديث. ذلك أنني تمنيت أن تحاسب القناة أو غيرها من منابر الانفلات والتحريض الإعلاميين أمام القضاء وليس من خلال الأساليب البيروقراطية الملتوية (هيئة الاستثمار مثلا).
في هذا الصدد ينبغي أن نعترف بتداخل الخطوط بين حرية التعبير وبين سب رموز الحكم الراهن والحط من هيبة الدولة، الأمر الذي وضعنا بإزاء حالة من الانفلات الإعلامي الفج، الذي سمح مثلا بوصف رئيس الجمهورية بأنه جبان وعميل للأمريكان، كما سمح لمحرر القناة المذكورة بالإعلان عن إهدار دم رئيس الجمهورية، إلى غير ذلك من المواقف والعناوين التي يستحي المرء من ذكرها وحفلت بها صحف الإثارة التي أدارت ظهرها للثورة وتفرغت للكيد السياسي وإشغال الناس بالمعارك الوهمية والمغشوشة.
➌
خذ أيضا مشكلة انقطاع التيار الكهربائي التي عانى منها ملايين المصريين في الأسبوع الماضي حتى أثارت غضبهم ونقمتهم، خصوصا حين تزامن ذلك مع موجة الحر وشهر الصيام. ليس لدينا ما يدل على أن ذلك كان متعمدا، وأغلب الظن أنه تم لأسباب أخرى اجتمعت مع بعضها البعض في الآونة الأخيرة. منها ما تعلق بالتحميل الزائد وارتفاع معدلات الاستهلاك. ومنها ما تعلق بحوادث سرقة الكابلات التي قرأت أنها هددت بإشاعة الإظلام في صعيد مصر كله. وربما منها أيضا ما تعلق بالنقص في المازوت المستورد المطلوب لتشغيل بعض المحطات، أو بالحاجة إلى الصيانة والإحلال والتجديد... الخ. أيا كان السبب فالشاهد أننا فوجئنا أخيرا بمشكلة فُرضت علينا ولم تكن في الحسبان. وقد قيل إن المشكلة كانت قائمة في بعض المحافظات الأخرى التي لم يكن صوتها مسموعا، لكنها حين ضربت القاهرة الكبرى علا صوت الاحتجاج مدويا في الفضاء المصري، حيث تجاوز أثرها نكد البيوت والتسبب في انقطاع المياه عن الطوابق العليا، وشمل تعطيل مترو الأنفاق وإيقاف تعاملات البورصة والبنوك.
ما يلفت النظر في هذا الصدد أن السلطات المعنية التزمت الصمت إزاء ما يجرى، وباستثناء تصريحات مبتسرة صدرت عن بعض المسؤولين ردا على أسئلة الإعلاميين، فإننا لم نجد مسؤولا كبيرا يخرج على الناس ويشرح لهم الحقيقة بصراحة وشفافية، ويعطيهم أملا في حل المشكلة في أجل يحدده. أو على الأقل يحدد لهم ما يستطيع أن يفعله وما يتجاوز قدراته (النقص في موارد العملة الصعبة مثلا الذي يعطل الاستيراد من الخارج).
قل مثل ذلك في حوادث قطع الطرق، التي تفشت في الآونة الأخيرة. بحيث أصبح بمقدور أي جماعة من الغاضبين لأي سبب أن يجتمعوا فيما بينهم ويقرروا قطع الطريق العام لإيصال صوتهم إلى الذين لا يسمعونه. ذلك غير الخارجين على القانون الذين باتوا يستسهلون قطع الطرق للاستيلاء على السيارات الفارهة أو على ما بحوزة العابرين. وهو ما أصبح يقلق كثيرين، خصوصا حيث يلاحظون أن الأمر لا يعالج بالجدية والحزم اللازمين. ومن الجدية أن يشعر الناس بأن لديهم وسائل أخرى لإيصال أصواتهم والاستماع إلى مشاكلهم. ومن الحزم أن تشدد عقوبة قطع الطرق إذا ما لزم الأمر، وأن تشترك القوات المسلحة في تأمينها.
➍
لا أريد أن أقلل من شأن هذه المشكلات، لكنني أرجو ألا نختلف على اعتبارها مشكلات صغرى وفرعية إذا قورنت بالتحديات الكبرى التي انطلقت الثورة لمواجهتها والنهوض بها. سواء تعلقت بالتنمية أو الحرية أو العدالة الاجتماعية. لذلك فأخشى ما أخشاه أن تستهلك المعارك الصغرى طاقتنا وتصرفنا عن خوض المعارك الكبرى. لا يقل عن ذلك سوءا أن يغرق الوطن في الاستقطاب بين القوى السياسية، الأمر الذي يقوض الإجماع الوطني ويشل القدرة على أي تقدم باتجاه تحقيق شيء من أهداف الثورة.
وإذ يتوجب علينا أن نتحلى بشجاعة ممارسة النقد الذاتي لتحديد مسؤولية كل طرف عن الارتباك والخلل الماثلين، فإننا أيضا لا نستطيع أن نعفي النظام السابق من المسؤولية عن تخريب وتدمير مؤسسات المجتمع وقواه الحية عبر ممارساته التي استمرت ثلاثين عاما. وهو ما أصابها بدرجات مختلفة من التشوّه والإعاقة. ولست أشك في أن تلك الإعاقة تعد مصدرا أساسيا للحروب الأهلية الباردة المستعرة في مصر منذ قامت الثورة، الأمر الذي غذى شهوة الاقتتال وكاد يبدد الأمل في التوافق حول تحقيق حلم البناء والتقدم.
لقد بات الإنذار والتحذير واجبين، من أن الاقتتال الراهن لن يكون فيه منتصر ومهزوم، ولكن المحصلة التي قد تفاجئ الجميع أن الكل سيهزم في نهاية المطاف، والوطن أولهم. وفي هذه الحالة لن نكون بحاجة إلى مؤامرة لإجهاض الثورة، لأن حروبنا الأهلية ستوفر للمتآمرين جهدهم وتحقق لهم مرادهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026