رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما يحلّ العيد يكون مختلفا في نظر السوريين ونظر الشعوب التي تعاني من ظروف غير مستقرة، مقارنة بحلوله في ديار شعوب عربية وإسلامية أخرى، فالأوضاع الإنسانية الصعبة والمؤلمة تفرض نفسها على مزاجهم العام، سواء كان سقوط الضحايا وفقد الأحبة، بسبب القصف المتواصل للمدنيين، حتى قبيل حلول العيد، وموعد هدنة مرتقبة، أوترك الديار والبعد مرابع الأهل والأصحاب نزوحا ولجوءا، أو انعدام الأمن والأمان، وصعوبة الظروف المعيشية، وما يرتبط بذلك من مستجدات راهنة.
العيد لدى أهل الشام في ظل أزمتهم المتجددة، جراح تُنكأ وآلام تستيقظ، وآهات تطلق، حتى وإن حاولوا أن يتساموا على جراحهم ويتجلدوا ـ على الأقلّ ـ أمام الصغار من أبنائهم وذويهم، حتى لا يفسدوا عليهم فرحتهم بالمناسبة.
قمتُ في جولة سريعة على صفحات مجموعة من السوريين على شبكات التواصل الاجتماعي في يوم وقفة عرفة وصبيحة يوم العيد لمعرفةٍ أكثر دقة للحالة التي تعتري نظرتهم للعيد، وهأنذا أقدمها لكم، بكل ما يعتملها من غصص وآلام وآمال، فالمؤمنون في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم ـ خصوصا في مثل هذه الأوقات ـ "كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، كما جاء في الهدي النبوي.
ثمة من يعتبر أن العيد لم يحن ميعاده بعد لأنّ "عيدنا يوم ينتقم الله من المجرمين قتلة الأطفال"، وثمة من يعتذر من العيد، ويرى أنه "طالما هناك دموع بأعين السوريين، فالمعذرة من العيد لأنه ليس لنا".
وتمتلئ المنشورات والتغريدات بدعوات للمولى عزّ وجل بأن يغيّر الحال لأحسن حال حتى يكون للعيد طعم مختلف عن الحزن والمعاناة، فأحدهم يكتب "نسأل الله عيدا يحلّ دون أن تكون هناك شعوب بأكملها تحت الخيام أو الحصار، أو تنتظر دورها بالموت، ولا تكون زيارة المقابر فيه أول أعمالها"، ويدوّن آخر دعاء جميل جاء فيه: "أسأل الله أن يكون هذا العيد بشارة فرج لكم من كل همّ وحزن؛ وأن يجعله عيدًا مباركًا على كل الناس" وآخر يدعو للشعب المصابر في سوريا وكل بلد يرزح تحت الظلم بـ"بالحرية والكرامة والأمن والأمان"، وأن تكون "الأيام القادمة أفضل من التي ولّت".
وتعكس الغربة نفسها على الذين اضطروا لمغادرة بلادهم قسرا، وتلقي المناسبة بظلالها القاسية على قلوبهم الحزينة، فهذا يكتب في تغريدة له: "كلّ الأيام متشابهة بعيدا عن سوريتنا، لا فرح كالفرح فيها، ولا عيد كعيدها"، فيما يعيّد أحدهم على والدته التي تعد أغلى من يفقده المرء، ويحن إليه بقوله: "عيد أضحى مبارك للثوار، ولأمي الحبيبة وأهلي في عيد سادس بعيدا عنهم".
ويستحضر السوريون المجازر بحق المدنيين والتي لم تجف دماء العديد منها بعد، ومنها مجزرة السوق الشعبي بسراقب/ريف إدلب فيكتب أحد المتأثرين بالحادثة قائلا: "تصور أنك أنت، أو أحد أبنائك، أو أهلك يجهز ما تيسر للعيد، وبظنك أن سوقا شعبيا قد تتوافر به بعض الحاجات، بسعر أقل في ظل جنون الأسعار... فإذا بك وقد وجدت نفسك فجأة أمام انهمار الموت عبر صواريخ لا ترحم.. ليتحول الكثير منهم إلى أشلاء متناثرة في كل الاتجاهات؟ ترى أي عيد هذا؟ وأي هدنة هذه؟".
ويعلّق أحدهم على حضور رأس النظام لصلاة عيد الأضحى في مسجد سعد بن معاذ بداريا بعد أن أجلي ثوارها وسكانها المدنيون عنها مؤخرا، عقب حصار ومكابدة وصبر وجوع لأكثر من ثلاث سنوات، موجِّها الحديث له مباشرة: "بعد أن هجّر النظام (بتشديد الجيم) أهلها الذين كل ذنبهم أنهم خرجوا يطالبون بحريتهم وكرامتهم لن يفيدك هذا الفيلم بشيء..سترحل يعني سترحل". فيما قال آخر بنبرة متهكمة: "كل عام وكل من ينتظر رئيسًا يصلي العيد في الجولان لا قزمًا يصلي بداريا بألف خير".
هذه بعض المشاهد التراجيدية والثائرة لواقع السوريين بالعيد الراهن، ولكنهم رغم كل ذلك يواجهون الأعياد في ظل أزمتهم التي مضى عليها أكثر من خمس سنوات بصبر واحتساب، وحالة فرائحية إنسانية وإيمانية راقية، وأمل بغد أفضل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1674
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1242
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
963
| 07 يناير 2026