رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تكن جزيرة غرينلاند، لعقود طويلة، أكثر من هامش جغرافي في خرائط القوة العالمية؛ وأرض متجمدة، قليلة السكان، تتبع التاج الدنماركي، ولا تحضر في النقاشات الدولية إلا بوصفها امتداداً صامتاً للقطب الشمالي. غير أن التاريخ، كما علّمنا، لا يعترف بالهامش طويلاً. فحين تتغير موازين القوة، تتحول الأطراف المنسية إلى مراكز جذب، وتصبح الجغرافيا نفسها أداة صراع. اليوم، تقف غرينلاند في قلب جدل أمريكي ـ أوروبي غير مسبوق، لا بسبب سكانها ولا نظامها السياسي، بل لأنها تختصر تحولات أعمق في مفهوم السيادة، والتحالف، والدور الأوروبي في عالم يعاد تشكيله بقوة الأمر الواقع.
ذوبان الجليد في القطب الشمالي لم يكن مجرد ظاهرة بيئية، بل حدث جيواستراتيجي بامتياز. فالممرات البحرية الجديدة، والمعادن النادرة، ومواقع الإنذار المبكر، جعلت من غرينلاند قطعة شطرنج ثمينة في صراع القوى الكبرى. هنا، لم تعد الجزيرة مجرد إقليم تابع، بل تحولت إلى أصل استراتيجي يسيل له لعاب الولايات المتحدة وروسيا والصين على حد سواء.
غير أن المفارقة أن الصراع لم يبدأ بين خصوم تقليديين، بل داخل المعسكر الغربي نفسه.
حين عاد الحديث الأمريكي ـ لا سيما في عهد دونالد ترامب ـ عن إمكانية «ضم» غرينلاند، بدا الأمر للوهلة الأولى استفزازاً أو مزحة سياسية. لكن القراءة المتأنية تكشف أنه تعبير صريح عن تحوّل أعمق في الذهنية الأمريكية: الحلفاء لم يعودوا شركاء متساوين، بل أطراف في معادلة قوة، يمكن الضغط عليهم، أو تجاوزهم، أو حتى التعامل معهم بمنطق الصفقة. في هذا السياق، لم تعد السيادة قيمة مقدسة داخل التحالفات، بل متغير خاضع لموازين القوة. وهنا تحديداً يظهر التناقض: كيف يمكن لحلفٍ قام، نظرياً، على الدفاع الجماعي واحترام حدود الدول الأعضاء، أن يجد نفسه أمام تهديد صادر من القوة التي تقوده؟ التحذير الدنماركي من أن أي اعتداء أمريكي على غرينلاند قد يعني نهاية حلف الناتو لم يكن انفعالاً سياسياً، بل إشارة خطيرة إلى فراغ بنيوي داخل الحلف. فالناتو صُمم لردع الخصوم الخارجيين، لا لضبط سلوك الدولة الأقوى داخله.
المادة الخامسة، التي تشكل جوهر الحلف، تفترض تهديداً من الخارج. لكنها تصمت تماماً عندما يأتي الضغط من الداخل. وهنا، تنكشف هشاشة مفهوم «التحالف» حين يغيب التوازن، وتتحول القيادة إلى هيمنة.
أوروبا من لاعب إلى شاهد
الموقف الأوروبي الموحّد الذي أكد أن غرينلاند ملك لشعبها، وأن القرار يخص كوبنهاغن ونوك وحدهما، بدا أخلاقياً وقانونياً، لكنه في جوهره دفاعي. أوروبا لم تتحدث من موقع القوة، بل من موقع القلق: القلق من سابقة خطيرة، ومن تآكل ما تبقى من استقلال القرار الأوروبي. وهذا القلق لا ينفصل عن مشهد أوسع لتراجع الدور الأوروبي عالمياً. فالقارة التي كانت يوماً مركز النظام الدولي، باتت اليوم رقماً على الهامش، تُستدعى عند الحاجة، وتُهمَّش عند اتخاذ القرار.
ليس صدفة أن يتقاطع الجدل حول غرينلاند مع مؤتمر «تحالف الراغبين» الذي استضافته باريس لدعم أوكرانيا. فالمشهد كان كاشفاً: أوروبا تحاول إظهار وحدة سياسية، بينما الولايات المتحدة ترسل مبعوثيها من الصف الثاني ـ ويتكوف وكوشنر ـ بدل وزير الخارجية.
الرسالة كانت واضحة: القرار ليس في باريس، ولا في برلين، بل في واشنطن. وأوروبا، مهما عقدت من قمم، تبقى في موقع المتلقي لا المبادر.
ما الذي تكشفه غرينلاند حقاً؟
غرينلاند ليست سوى مرآة. مرآة تعكس: تراجع الدور الأوروبي من شريك إلى تابع، تحوّل مفهوم التحالف من التزام متبادل إلى علاقة قوة، عجز الناتو عن حماية أعضائه من ضغوط قائده، عالم يُعاد ترتيبه لا بالقانون، بل بالقدرة على فرض الأمر الواقع.في هذا العالم، لم تعد الجغرافيا صامتة، ولم تعد التحالفات ضمانة، ولم يعد التاريخ يكتب في العواصم الأوروبية كما كان.
غرينلاند، بجليدها الذائب، كشفت ما هو أعمق من صراع على جزيرة. كشفت أن زمن التحالفات المتكافئة يذوب هو الآخر، وأن من لا يملك القوة، سيُطلب منه دائماً أن يكتفي بالبيانات بينما تُكتب الخرائط في مكان آخر.
غير أن الصورة الأكثر عمقاً لا تكمن في جزيرة تتنازعها المصالح، بل في المعايير التي تُدار بها هذه المصالح. فغرينلاند، في جوهرها، ليست سوى اختبار جديد لانتقائية النظام الغربي في الدفاع عن السيادة والقانون. هذه الانتقائية نفسها ظهرت بوضوح حين انتقلت القوة الأمريكية من موقع الحليف إلى موقع المقرِّر، دون أن تجد اعتراضاً أوروبياً يُذكر في ساحات أشد دموية وأوضح انتهاكاً للقانون الدولي. فعندما كانت الولايات المتحدة تزوّد الاحتلال الإسرائيلي بأعتى الأسلحة وأكثرها فتكاً، وتُستخدم تلك الترسانات في قتل الفلسطينيين في غزة، لم نسمع موقفاً أوروبياً بحجم الفاجعة، ولم نرَ قلقاً على القانون الدولي ولا على سيادة القيم التي طالما بشّرت بها أوروبا. وحدها المؤسسات القضائية الدولية تجرأت على تسمية الجريمة باسمها، فيما فضّلت العواصم الأوروبية الصمت، أو الاختباء خلف لغة «القلق» و»الدعوات إلى ضبط النفس». وهنا، يصبح الصراع على غرينلاند مفهوماً في سياقه الأوسع: أوروبا التي قبلت أن تكون شاهدة على جريمة موثّقة، لا يمكنها أن تتوقع أن تُعامَل شريكاً متكافئاً حين تمسّ الهيمنة الأمريكية مصالحها المباشرة. فالتاريخ علّمنا أن الظلم، حين يُعلَن ويُبرَّر، لا يبقى بلا ثمن، وأن من يُطلق يد القوة خارج أي قيد قانوني أو أخلاقي، سرعان ما يجد تلك القوة نفسها وقد ارتدّت عليه، أو على أقرب حلفائه. بهذا المعنى، ليست غرينلاند سوى حلقة في سلسلة واحدة: عالم يُدار بمنطق القوة العارية، حيث يُغضّ الطرف عن الجرائم حين تخدم الحليف الأقوى، ثم يُستغرب لاحقاً أن تمتد اليد نفسها لتعيد رسم الخرائط، وتعيد تعريف التحالفات، بلا اعتبار لقانون أو شراكة أو تاريخ.
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهي حرب لا تقتصر آثارها... اقرأ المزيد
87
| 02 مارس 2026
المشهد الإيراني المحتمل بعد خامنئي
انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي لها إسقاط النظام، ورسميًا أعلنت إيران مقتل المرشد الأعلى خامنئي،... اقرأ المزيد
99
| 02 مارس 2026
إياكم وركوب الترند
في البداية أريد أن أعرف لم لا يزال الكثيرون يرون المتعة في إخافة الناس وترويعهم وهم يعلمون أنهم... اقرأ المزيد
42
| 02 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
15570
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2595
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2115
| 25 فبراير 2026