رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من فضائل شعبنا المصري المعروفة، أنه شعب عاطفي، ما أن تحدث كارثة أو تحل مصيبة حتى تتكاتف جماهيره، وتتألف قلوبها، وتتناسى آلامها، وترتفع فوق أزماتها، وتتغلب عليها بالصبر والتسلية والتسرية، وهذا ما يجعل الناس قادرة على الحياة برغم المحاولات المستميتة "الذكية " التي تستهدف هذه الروح المعنوية، وبرغم انهيار المئات ولجوئهم إلى الانتحار عجزا عن الاستمرار، ولو أن أولئك المنتحرين تحلوا بالصبر والمصابرة، وجددوا تفكيرهم، واستدروا ذكاءهم لألهمتهم فطرتهم آلافا من الحلول لمشكلات الغلاء التي أخرجتهم من صوابهم ودفعتهم إلى الانسحاب قبل اكتمال المباراة.
فمثلا : غلاء أسعار الحديد، يئن منه ملايين لا صلة لهم بالبناء والتعمير، ويستكثرون على مواطن شريف مكافح أن يحتكر الحديد ويوالي رفع أسعاره – كأنها لعبة – أسبوعا بعد أسبوع، وقل مثل هذا عن اللحم والدجاج والسمك والأسمنت .
فما الذي يضر المواطن من رفع أسعار تلكم السلع؟ في الحقيقة أنا مندهش ومستغرب ومستنكر جدا لهذه المناحة التي ترفعها فوق رؤوسنا يوميا منى الشاذلي ومحمود سعد وأمثالهما من مقدمي برامج (التنكيد) على هذا الشعب السعيد..!!!
ما لأهلنا نحن وما للأسعار؟!! فليرفعوا ما شاءوا ومن لا يعجبه سعر سلعة فليقاطعها أو فليستبدل بها غيرها !!
فمثلا : من لا يعجبه الخبز فليأكل بسكويتا، ومن لا يعجبه سعر الدجاج فليأكل لحم غزال، ففي بلادنا – لمن لا يعلم – مئات المزارع المتخصصة في تربية الغزلان لأن لحومها (فيما يقال) أشهى وألذ، فمن لم يجد، فعليه بلحوم الحمام، فمن لم يجد فليخرج للصيد والقنص؟ هل منعه أحد من الصيد في الغابات؟ هل احتكر أحد الغابات؟
ثم هؤلاء الذين ينوحون من ارتفاع أسعار اللحوم، ماذا يريدون غير تعطيل (المسيرة) وتهديد (الإنجازات) وتشويه معدل النمو الذي وصل إلى 7% ومازالوا لا يحسون به!! عليهم – لو كانوا مصريين وطنيين ديموقراطيين حقا – التوقف عن التشكيك وعلى من لا يعجبه سعر اللحوم أن يتوقف عن أكلها، دون لت وعجن وصراخ وعويل .. !!
قاطعها في صمت، والجأ – أخي المواطن – إلى الأسماك، فإن لم تجد فعليك بالجمبري، فإن لم تجد فعليك بالاستاكوزا، فإن لم تجدها فعليك بالصوم فإنه صحة لك وعلاج أكيد لمشكلات السمنة والكبد والكلى. فإن لم تطق عن اللحوم ابتعادا، فعليك بالمطاعم التي تقدم لحوم الحمير، فمن ذا الذي أكل لحم حمار ثم تضرر منه؟ من عشرات السنين وتلك المطاعم سادرة في غيّها، تقدم لحوم الحمير صنوفا مختلفة ألوانها، والناس يأكلون ويتجشأون ويحمدون ويشكرون ويخرجون ويدخلون وهم كالعفاريت صحة وقوة وذكاء وانطلاقا وتفاؤلا . فمالهم إذا حدث خلاف بين شريكين ولفقت لتلك المطاعم والفنادق قضية غش تجاري، وذاع وشاع أنها تطعم الناس حميرا، هاج الإعلام وماج وطبل وزمّر وأوسع تلك المؤسسات الوطنية تشهيرا وتوبيخا، وكأن هذا يحدث لأول مرة .
ثم هؤلاء الذين ينوحون من ارتفاع أسعار الحديد، هل كان بقية أهلهم مقاولين؟ تعاقدوا عقودا عجزوا عن تنفيذها؟ أبدا، أبدا، إنما هي (شرذمة) من الكتّاب والصحفيين والإعلاميين أدمنت العويل، وتتحسن صحتها بالنواح والصراخ ولطم الخدود وشق الجيوب، هل يريدون من الحكومة أن تحتسب الحديد سلعة استراتيجية فتقدمه بالرقم القومي: سيخا لكل مواطن، وما عسى أن يفعل هذا المواطن بالسيخ؟ !! كيف سيتخذ منه (إن كان بلطجيا) مطواة قرن غزال؟ وكيف سيبني به شقة إن كان مقدما على الزواج؟ فالسيخ لن يبني شقة ولا يصنع بابا، لكن المصريين سيؤلفون جمعيات أهلية فيما بينهم، فالأسرة المكونة من خمسة أفراد سيكون لها خمسة أسياخ مدعومة شهريا، فتتجمع عشر أسر من ذوات الأسياخ الخمسة فيتألف من ذلك نصف طن، ونصف مع نصف يتكون سقف فسلم فعامود فتأتلف شقة فيتزوج عريس بمعدل عريس كل ثلاثة أشهر، وكما قال شاعر الحلمنتيشي رحمه الله :
وقرشُ على قرش ٍ يصيران حتةَ
بخمساءَ، في يومين تمسي عشرشرا
هل يريد أولئك الشكّاؤون البكّاؤون من حكومتنا أن تعلن هذا الشعار : [ سيخ لكل مواطن- سمكة لكل مواطن – ورك أو صدر لكل مواطن – حتة كبدة لكل مواطن – حمامة لكل مواطن – كوب عصير لكل مواطن – علبة دخان لكل مواطن]
إن الذاهبين هذا المذهب من التفكير يغالون في الأحلام، ويسيئون الظن بطاقة الحكومة الذكية، التي منعت – بقرار مصيلحي عظيم صدر العام الماضي – نفسها من شراء القمح من الفلاحين فباعوه للمستثمرين، ثم ذهبت هي – بذكائها الخارق – لتشتريه ممن اشتروه من الفلاحين فوجدتهم قد احتكروه ورفعوا سعره وطحنوه وباعوه للمخابز التي تصنع الخبز الفخم والحلويات، فاشترته منهم بالسعر الذي فرضوه، وتكبدت ملايين الجنيهات زيادة ذهبت لجيوب المحتكرين، فلما قامت القيامة ولم تجد المطاحن ما يكفي، لم تثب الحكومة لرشدها وتلغي قرارها الذي يضاعف دخول المحتكرين. ولم تقبل تلويث يدها النظيفة بالشراء من (الرعاع) الفلاحين مباشرة، بل افتعلت معركة وهمية مع بضعة أجولة تسرق هنا وهناك في بعض المخابز واخترعت مقولة (فصل البتاع عن البتاع) اتوهم الناس أن الأزمة لا علاقة لها بعدم شراء القمح من الفلاح وتقديمه بسعر مدعوم للمطاحن، وإنما الأزمة كلها تكمن في تلك الأجولة المسروقة !! ( شفت النباهة ؟)
ثم ما هذا الذي يريده هؤلاء المتشائمون؟ أتوزع الناس الأسياخ للناس حتى يرضوا عنها؟ أتتدخل الحكومة بين المنتج والمستهلك؟ حاشا للاقتصاد الحر!! وكبر مقتا عند أذناب الرأسماليين الجدد أن تحول الحكومة بين منتج ومستهلك، فالعلاقة بينهما قائمة على التفاهم والتراضي !! فإن أمن بعضهم بعضا، أو سرق بعضهم بعضا فما شأن الحكومة بذلك؟ أليست هذه هي آليات – لا مؤاخذة – السوء؟ [ بعضهم يخطئ فيكتبها "آليات السوق" ]
بصراحة، هذا إسراف من الناس في أحلام اليقظة، وسوء فهم لدور الحكومة، وتحميل للبرلمانات فوق ما تحتمل، فعلى هذا الشعب – كما قال السادة رؤساء تحرير الأخبار والأهرام والجمهورية السابقون – أن يتحمل "مسؤولياته التاريخية " ممثلة في :
1- الحمد والشكر، والصبر- كما قال أحد الشيوخ إجابة عن سؤال حول الغلاء -
2- الرضا بالقليل لأن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى
3- الخروج للصيد والقنص والتمتع بالطبيعة الساحرة .
4- التمتع بفن عادل إمام (الهادف) – بالدال - !!
5- التمتع بالنظر إلى أزياء عجائز مذيعات القناتين الأولى والثانية – والعياذ بالله –
6- التمتع بتأمل كليبات المطربين الجدد الذين يغنّون بكل أجسادهم ماعدا أصواتهم.
7- العودة إلى الطبيعة (اتخاذ خيام بدلا من زحام بناء الشقق)
ما سبق كان تقريرا تفتق عنه ذهن أحد رواد مقهى (السعادة) واستحلفني برحمة أموات أهلي أن أطرحه على قراء (الأحرار) وهأنذا قد فعلت، وأعد بأن أنقل للمقهى كل تعقيبات القراء بكل أمانة، تمهيدا لعقد جلسة مشتركة تجمع المعقبين ورواد المقهى للوصول إلى حلول مرضية لمشكلة هروب الحضري..!! لأن هذه المشكلة هي الأولى بالاهتمام وإن جهل الجاهلون..!!
mostafaragab@maktoob.com
كيف تمنح أطفالك خبرة شخص خمسيني؟
حينما ينقل شخص خبرته لشخص اقل خبرة منه، فإنه بذلك يقيه من عراقيل واخطاء كثيرة قد تواجهه بسبب... اقرأ المزيد
159
| 07 أغسطس 2026
أسباب ارتكاب الجرائم والسرقات
أغلب الدول في العالم لا تخلو من بعض حالات الجرائم والسرقات رغم أنها تُصنف من بين الدول الأقل... اقرأ المزيد
261
| 07 أغسطس 2026
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
111
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8028
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4764
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2376
| 01 أغسطس 2026