رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصابني في مقتل الحكم الذي صدر يوم الأربعاء الماضي. كنت قد عدت إلى منزلي بعاصمة المحروسة منهكا من نهار عمل طويل ومضن. سارعت بفتح جهاز الحاسوب المحمول الضخم نسبيا وقرأت خبر الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات المصرية ببراءة عدد من كبار رموز نظام حسني مبارك في قضية موقعة الجمل الشهيرة التي وقعت في الثاني من فبراير 2011 أصابني بذهول وهو ما لاحظته على ابنتي الطالبة بالجامعة وسألتني: ما الذي أصابك وغير ملامح وقسمات وجهك؟
طلعت مني صيحة فزع: براءة القتلة. من القاتل إذن؟ سمعت زوجتي الصيحة سارعت بتفسير الأمر لها. فوافقتني على ذهولي.هل يكفي الذهول؟ هل قضاؤنا فقد البوصلة؟
لا أظن لكنه حكم من قبل بالبراءة على ستة من مساعدي وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي في قضية قتل الثوار الشهيرة بينما حكم فيها على مبارك والعادلي بالسجن المؤبد ليس بسبب توافر الأدلة على إصدارهما أوامر بالقتل ولكن نظرا لعدم قيامهما بالحيلولة دون وقوع القتل كما برئ العشرات من ضباط الشرطة في قضايا قتل ثوار!؟
واللافت أن الحيثيات التي تستند إليها أحكام القضاء تقوم على ضعف الأدلة وتهافت شهادات الشهود وغياب اليقين لدى القضاة أنفسهم حول مسؤولية المتهمين في أعمال القتل ولكن اللافت أيضا أن ثمة قتلى وشهداء قضوا نحبهم في ثورة يناير منذ بدء انبثاقها وحتى وقت قصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية التي استمرت زهاء العام والسبعة أشهر.
وفي قضية موقعة الجمل تحديدا تبدو الوقائع شديدة الوضوح. فقد كانت أغلب القنوات الفضائية تبثها على الهواء مباشرة منذ ظهيرة الأربعاء الموافق الثاني من فبراير وحتى ما بعد طلوع شمس اليوم التالي. وشخصيا كنت أتابعها وفي ضوئها حددت موقفي النهائي من نظام مبارك وانحزت إلى خيار سقوطه بعد قدر من التعاطف تشكل وانتابني عقب استماعي لخطاب مبارك في الليلة السابقة للواقعة.
من قتل الثوار في موقعة الجمل والذين تزيد أعدادهم عن المائة غير المئات من الجرحى؟
في ضوء الحكم الأخير فإن رموز نظام مبارك لا صلة لهم بالواقعة. إذن من الذي مارس القتل سواء بالرصاص الحي أو باستخدام الجمال والخيول والحمير أيضا فضلا عن إلقاء زجاجات المولوتوف من البنايات المجاورة للميدان؟
هل ينحاز المرء إلى خانة المطالبين بتطهير القضاء وهو الشعار الذي رفعه أهالي شهداء الثورة بعد صدور الحكم بتبرئة ستة من أكبر مساعدي الحبيب العادلي في قضية مبارك خلال شهر يونيو المنصرم والذين كانوا يتلقون التعليمات وينفذونها أم يطالب بتغيير قواعد اللعبة التي مازالت قائمة على ما أسسه نظام مبارك نفسه والتي استفاد هو ورجاله منها؟
الناس خرجت إلى الشارع مساء الخميس ويوم الجمعة الفائتين مطالبة بضرورة المحاسبة والنيابة العامة أعلنت براءتها من القضية. فهي لم تكن شريكا في التحقيق في وقائعها وإنما ترك الأمر لقضاة تحقيق بوزارة العدل. ورغم ذلك دفع النائب العام الدكتور عبد المجيد محمود الثمن بعد إقصائه من منصبه وتعيينه سفيرا لمصر لدى الفاتيكان وهو ما قوبل بالارتياح من قبل أوساط واسعة في الشارع المصري. وإن كان قد رفض تنفيذ القرار متمسكا بمنصبه وفق ما يتيحه له القانون. لكن هل المعضلة في النيابة العامة وأجهزة التحقيق أم أنها تكمن في بعض مؤسسات الدولة العميقة التي مازالت تخفي الأدلة والمستندات الحقيقية التي من شأنها أن تظهر الحقائق الدامغة فيما يتعلق بالإجابة على السؤال اللغز: من قتل الثوار؟
الرئيس محمد مرسي شكل منذ فترة لجنة قضائية جديدة للتحقيق وفي وقائع قتل الثوار تمهيدا لإعادة محاكمة مبارك ورموزه ولكنها حتى الآن لم تفرغ من أعمالها وطلبت فترة زمنية جديدة ريثما تعثر على المزيد من الأدلة والوقائع الجديدة وهو ما يستوجب تطبيقه على قضية واقعة الجمل حتى لا يهدر دم شهدائها الأبرار والذي كان يراق على مرأى من الأبصار. أبصار الجميع.
بعد ثورة يناير ثمة قدر غير مسبوق من الحرية. الكل يتحدث وينتقد ويوجه سهامه إلى أعلى سلطة في الدولة ولكن المعضلة أن العدالة مازالت غائبة أو مغيبة بفعل فاعل فمن المسؤول عن هذا الغياب؟
في تقديري أن السلطات التي تولت أمور البلاد عقب الثورة لم تتعامل مع أحوال البلاد بروح ثورية بل تعاملت مع الوقائع بروح تقليدية مستندة إلى القوانين السائدة وهي في معظمهما كانت مصنوعة ومخصصة لحماية النظام وأركانه ورموزه "كبارهم فقط" حيث يمكن التضحية بصغارهم وتلك مسؤولية الثوار أنفسهم الذين تركوا المشهد مكتفين بسقوط رأس النظام وبعض من معاونيه وابتهجوا بما شكلوه من ائتلافات سرعان ما اشتدت انقساماتها وخلافاتها فذهبت ريحها.
كان من الضروري المسارعة بإصدار قوانين ثورية تنسجم مع روح الخامس والعشرين من يناير لتكشف عن القتلة فورا وتعاقب الفاسدين وتقصي العابثين بمقدرات الوطن على مدى ثلاثة عقود هي من أشد سنوات مصر عتمة وقهرا واستبدادا.
كان من الضروري تشكيل المحاكم الثورية بديلا عن المحاكم التي أصابها الترهل بكل تجلياته بما يحول دون براءة القتلة والفاسدين بل وتقضي وفق محددات العدالة الثورية على حالة الشك التي باتت تسكن نفوس العباد تجاه رجال مؤسسة القضاء.
إن الثورات حالة استثنائية في تاريخ المجتمعات وهي تندلع لتحدث تغييرا جذريا شاملا فيها وهو أمر لا يقتصر على تغيير البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإنما القضائية والقانونية أيضا. حدث ذلك في الثورة الفرنسية والثورة الروسية والثورة الأمريكية وفي ثورة الثالث والعشرين من يوليو المصرية المجيدة التي قادها الزعيم الثوري الحقيقي جمال عبد الناصر والتي لم تخذل شعبها في إحداث التغيير الفوري الذي يشعر بثماره خلال فترة وجيزة فقد أنجز قانون الإصلاح الزراعي في الشهر الثالث بعد قيامها ووزع قائدها عبد الناصر عقود التمليك على الفلاحين فتفاعلت على الفور رسائلها كخطوة أولى على طريق العدل الاجتماعي ثم انطلقت المحاكمات وفق قانون ثوري أطلق عليه قانون الغدر لتطهير مؤسسات وهياكل الدولة من رموز حقب الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وجاءت برموز من الطبقة المتوسطة الحاصلين على أعلى الدرجات العلمية وصعدت بهم إلى المناصب المهمة لتطبيق مشروعها في النهضة الحقيقية التي رسمت ملامح المحروسة من جديد وصاغت انطلاقتها. صحيح وقعت بعض التجاوزات لكنها طبيعية وفق محددات المرحلة الثورية وكانت أقل التجاوزات في تاريخ الثورات بل وصفت ثورة يوليو بالبيضاء.
ما أود قوله هو أن ثورة الخامس والعشرين من يناير- رغم مضي عامين عليها - لم تحدث مقاربة حقيقية مع أشواق البشر خاصة فيما يتعلق بمطالب العدالة الاجتماعية والعيش. مازال الناس يئنون تحت وطأة المعاناة اليومية فضلا عن غياب العدل الذي من شأنه أن يعيد حقوق الشهداء وحقوق الوطن فمليارات الجنيهات عصية على الاسترداد وكثير من الرؤوس خارج السجون أو هي في طريقها للخروج بسبب فساد القوانين وتغييب وليس غياب الأدلة وأشياء كثيرة تشعرني أن فعل الثورة مازال بعيدا عن أحلام الناس.
هل الرئيس مرسي مسؤول؟ كنت أجيب عن نفس السؤال في برنامج بالتلفزيون الحكومي في اليوم الأخير للمائة اليوم الأولى من بداية حكمه وقلت بالحرف بالطبع هو مسؤول فهو أعلى سلطة في البلاد فضلا عن كونه وعد الناس بتقديم حلول لأخطر خمس مشكلات تتعلق بالخبز والأمن والنظافة والمرور والوقود وللأسف ما تحقق منها ضئيل للغاية بل إن بعضها تفاقم وهو ما صار موضع شكوى جماهيرية ولكن للإنصاف قلت أيضا هي معضلات لا يكفيها مائة يوم بل هي في حاجة إلى عشرة أعوام على أقل تقدير لكن ما يهم هو الإشارات الأولى للحكم الجديد والتي لم تنبئ بعد عن قدرة على النفاذ إلى قلوب وأشواق البشر مكتفية ببعض المشاهد التي تقف عند حد البكاء على اللبن المسكوب غير أنها لا تحاول أن تعيد اللبن إلى الكوب أو تقوم بإنتاج لبنها الخاص.
السطر الأخير:
أحبو إليك
أنت غاية عشقي أم سر وجودي ؟
نهران بعينيك يصبان الشعر بفنجاني
تأسرني الشمس الجالسة بكفيك
يكفيني أيا رفيقة روحي
أن أنثر حبك بأركاني
يعالج وجعا
يضفي البهجة بأزماني
عودي عفية القلب
متوهجة الوجدان
عودي لحقول كتابتي
أزهري ثمرا بأفناني
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
383
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
446
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
316
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3225
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1245
| 01 أكتوبر 2026