رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نايف النابت

مساحة إعلانية

مقالات

174

نايف النابت

حين يكون الصمود ثمرة التخطيط لا وليد الأزمة

14 أكتوبر 2026 , 12:00ص

الأزمات لا تكشف فقط قدرة الدول على الصمود، بل تكشف أيضاً جودة القرارات التي اتخذتها قبل وقوعها.

هذه إحدى أهم الدلالات التي يمكن استخلاصها من خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، أمام مجلس الشورى، حين أكد سموه أن «الصمود لا يولد في لحظة الأزمة، بل هو حصيلة ما يسبقه من تخطيط». فحين تقع الأزمات، تتجه الأنظار عادة إلى كيفية تعامل الحكومات معها، لكن السؤال الذي يستحق اهتماماً أكبر هو: ماذا فعلت هذه الدول في سنوات الاستقرار حتى تتمكن من مواجهة الظروف الاستثنائية؟

لقد كشفت التطورات التي شهدتها المنطقة أن الاستعداد للأزمات لا يقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية، بل يمتد إلى الاقتصاد والمؤسسات والخدمات الأساسية وسلاسل الإمداد. فالأزمة لا تختبر قدرة الدولة على حماية حدودها فحسب، وإنما تختبر قدرتها على مواصلة أداء وظائفها، وحماية مجتمعها، والحفاظ على استقرارها الاقتصادي.

ومن هذه الزاوية، تبرز التجربة القطرية في أهمية الاستثمار المسبق في بناء القدرات الوطنية. فتنويع الاقتصاد، وتعزيز الاحتياطيات المالية، وتطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة المؤسسات، ليست مجرد سياسات تنموية تؤتي ثمارها في أوقات الاستقرار، بل تمثل أيضاً أدوات لحماية الدولة واقتصادها عندما تتغير الظروف.

وهنا يظهر فارق مهم بين إدارة الأزمة والاستعداد لها. فقد تتمكن دولة من تجاوز أزمة معينة بإجراءات استثنائية ومؤقتة، لكن القدرة على مواصلة التنمية والخدمات الأساسية رغم الضغوط الخارجية تتطلب مؤسسات مرنة واقتصاداً قادراً على امتصاص الصدمات. وهذه القدرة لا تصنعها القرارات العاجلة وحدها، بل تتراكم عبر سنوات من السياسات والاستثمارات المدروسة.

وعلى مستوى السياسة الخارجية، يحمل هذا المفهوم بعداً استراتيجياً آخر. فحماية السيادة الوطنية والتمسك بالحلول الدبلوماسية ليسا خيارين متعارضين. بل إن امتلاك الدولة لقدرات دفاعية ومؤسسات قوية يمنحها مساحة أوسع لاتخاذ قراراتها السياسية، دون الانجرار إلى صراعات قد تتجاوز مصالحها الوطنية.

والأهم أن التخطيط المسبق لا يعني القدرة على توقع كل أزمة، فهذا أمر غير ممكن، وإنما يعني بناء دولة قادرة على التعامل مع ما لا يمكن توقعه. وهنا تكمن أهمية الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، دون أن يتحول القلق من المستقبل إلى عائق أمام التنمية والاستثمار.

ولعل الرسالة الأعمق التي يحملها الخطاب السامي هي أن الصمود لا ينبغي أن يكون هدفاً مؤقتاً تفرضه الأزمات، بل قدرة وطنية مستدامة تتطور مع تغير التحديات.

فالأزمات قد تأتي دون إنذار، لكن قدرة الدول على الصمود أمامها لا تأتي من فراغ.

مساحة إعلانية