رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت حائرا في محاولة فهم الحالة البحرينية بعد أحداث الرابع عشر من فبراير الماضي والتي نظر إليها البعض بحسبانها جزءا من مفردات الربيع العربي بينما نظر إليها البعض الآخر ضمن سياق الصراع الطائفي الداخلي والتدخل الإقليمي ولم أكن – بصراحة – قادرا على تحديد رؤية خاصة لي تجاه هذه الأحداث غير أنني التقيت بالقاهرة قبل أيام مع الدكتور حسن موسى الشفيعي رئيس مرصد حقوق الإنسان في البحرين، زودني بمعطيات مكنتني من تكوين قسمات وملامح يمكن اعتبارها موضوعية نزيهة وشفافة حول المشهد البحريني وما زالت تداعياته مستمرة.
وقد سألته في البداية عن تقييمه لأحداث الرابع عشر من فبراير في ضوء قراءته لمجرياتها حتى الآن فسارع إلى القول الأمر بات يستوجب من كل اللاعبين السياسيين بالمملكة اتخاذ خطوات جريئة باتجاه تقييم مواقفهم وخطابهم السياسي وهو يعني بهم كل الأطراف وفي مقدمتهم السلطة وقوى المعارضة والقوى التي تمثل الأغلبية السنية والتي تتمثل في تجمع الوحدة الوطنية ووفق تقديره الشخصي فإن كل هؤلاء أخطأوا على نحو أو آخر.
فالسلطة أخطأت عندما تعاملت مع المسيرات والتظاهرات بدرجة عالية من القسوة وهو ما تسبب في سقوط ضحايا وبهذا الخطأ فإن السلطة خدمت أغراض القوى المتشددة في المعارضة .
وبدورها أخطأت المعارضة المتمثلة أساسا في جمعية الوفاق الوطني من خلال رفضها لمشروع ولي العهد بالحوار الوطني مع بداية الأحداث بعد أن عرض عليهم مجموعة مبادئ تتجاوب مع أغلبية المطالب الشعبية ومطالب قوى المعارضة غير أنها للأسف تلكأت ولم تقبل الدخول في الحوار المباشر مع ولي العهد.
كما أخطأت المعارضة عندما فقدت قيادة الشارع وانساقت معه فعوضا عن أن تقوم بقيادته أصبح هو يقودها إلى درجة أنها لم تقف ضد المطالب التي تبنتها بعض التيارات المتشددة المحسوبة عليها من قبيل إسقاط النظام الملكي وإقامة نظام جمهوري.
ثم أخطأت المعارضة من جديد عندما لم تندد بالعنف وأحداث الشغب والمواجهات التي كانت تجري في بعض مناطقها تحديدا المناطق الشيعية ضد قوى الأمن كما ارتكبت المعارضة خطأ استراتيجيا عندما انساقت مع تظاهرات الأجنحة المنتشرة في المعارضة حيث قادت تظاهرات شيعية نحو القصر الملكي ومنطقة الحكم المعروفة بقصر"الصافرية" وأظن أن هذا المشهد بالذات بعث برسائل إلى القوى السنية بأن ثمة تهديدا حقيقيا وجديا ضد النظام السياسي في البحرين والاستقرار والعائلة المالكة مما دفعها إلى القيام بانتفاضة شعبية ضخمة كبرى لكي تجهض هذا التهديد وتمثلت هذه الانتفاضة في ظهور قوى سياسية جديدة في المشهد البحريني تتمثل في تجمع الوحدة الوطنية.
وأخطأت المعارضة من جديد عندما انسحبت من العملية السياسية برمتها وأخرجت ممثلها من البرلمان ومن هنا انقطعت كل وسائل التواصل بينها وبين السلطة وهى بذلك تبدو وكأنها تريد أن تقول للسلطة نحن مع تغيير النظام وليس إصلاحه
وقد قادت هذه المعطيات كما يقول الدكتور الشفيعي إلى انقسام الشارع البحريني إلى سني وشيعي وهذا خطأ آخر ساهمت فيه كل الأطراف السياسية مما أدى إلى تمزق النسيج الوطني وأدخل البلاد في نفق الطائفية وهو ما تجلى في خطاب كل من المعارضة الشيعية والقوى السنية التي ظهرت في الساحة وحدث هذا عندما لم تبذل المعارضة أي جهد من أجل خلق توافق وطني مع القوى السنية على المطالب السياسية وكانت تعتقد هذه القوى بأنها قادرة على ممارسة الضغط على الشارع لإجبار النظام على تقديم تنازلات بما يؤهلها لفرض مطالبها على السنة وفي الوقت نفسه ساهم التحريض الإعلامي الخارجي وبالتحديد من القنوات الفضائية الشيعية.
ولكن لماذا تبدو بعض ملامح المشهد وكأن ثمة انسدادا في الأفق في العلاقة بين السلطة والمعارضة؟
متحدثي يرى أن هناك عدة أسباب لعدم توافق قوى المعارضة على خلق إجماع وطني على مطالبها السياسية مع القوى الأخرى وهو ما أدى إلى تداعيات العنف والتخريب والشغب فضلا عن تمزق الجسم الوطني البحريني ودخول الطائفية المذهبية في المشهد السياسي في المقابل فإن القوى السنية لم تسع للتقارب مع الشيعة وهو ما أظهره في الوحدة الوطنية المتمثلة في صورة اللامهتم بالتداعيات الناتجة عن أحداث الرابع عشر من فبراير تتصل بانتهاكات حقوق الإنسان مثل وفاة عدد من المحتجزين الشيعة في المعتقلات والذين نشرت صور واضحة تؤكد تعرضهم لسوء معاملة وتعذيب شديد القسوة فضلا عن عدم الدفاع عن الأخطاء التي وقعت كفصل مئات من الشباب الموظفين والعمال بالقطاعين العام والخاص بتهم مشاركتهم في التظاهرات وإلغاء بعثات التعليم لعدد آخر من الشباب وهذه الاخطاء والتي تعد وفقا لدستور البحرين والقانون الدولي الإنساني انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان أشعرت الضحايا بأن تجمع الوحدة الوطنية غير معني بها مما كرس الانقسام الوطني في المشهد السياسي البحريني.
وفى تقديره أنه كان يتعين على التجمع بصفته ممثلا للسنة أن يتبنى موقفا محددا ضد تلك الانتهاكات التي وقعت ويدافع عن الضحايا الذين سقطوا وهي أخطاء باتت معروفة وواضحة خاصة أن الملك حمد بن عيسى عاهل البحرين أعلن عنها في عدة خطابات موجهة للشعب كان آخرها في أغسطس الماضي عندما ذكر بأن هناك أخطاء ارتكبت، ووجه الدولة والحكومة بالقيام بالخطوات القانونية واتخاذ الإجراءات الضرورية بتحمل المسؤولية والاعتراف بالخطأ وتعويض الضحايا بما يلزم وفق القانون، كما اعترف الملك بهذه الأخطاء عندما قرر تشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق في شأن أحداث البحرين برئاسة الخبير القانوني الدولي الدكتور محمد شريف بسيوني ومنحها صلاحيات واسعة وحدد لها مجالات عديدة لكي تقوم بمهامها وفي الوقت نفسه فإن الملك أمر بتشكيل صندوق وطني بتعويض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الذين سقطوا منذ 14 فبراير وحسب قناعتي فإن النظام عبر هذه الخطوات يبدو وكأنه أجرى عملية تقييم للأخطاء التي ارتكبت من قبل بعض الأجهزة الرسمية وتحملت الدولة المسؤولية وهي رسالة في الآن ذاته للمعارضة وغيرها بأن تقوم بدورها بتقييم خطواتها ومراجعة الأخطاء التي ارتكبتها في إدارتها للأزمة سواء أكانت قوى المعارضة الشيعية أو السنية.
ويلفت الدكتور الشفيعي في ختام قراءته إلى أن ثمة إمكانية متوافرة لتجاوز الأزمة البحرينية لكن من الضروري أن يتم تنفيذ عدد من الخطوات الضرورية في صدارتها العمل على تعزيز الثقة المفقودة بين قوى المعارضة والسلطة وذلك بدوره يتطلب القيام بإجراءات وتوجيه رسائل واضحة من قوى المعارضة أولها ألا تسعى لإسقاط النظام وإنما إصلاحه والحفاظ على استقرار البحرين وثانيا الوقوف ضد كل من يسعى أو يحاول أو يخطط أو يحرض على النظام وثالثا أن ترفض كل التدخلات الخارجية السلبية والتحريضية ضد الاستقرار السياسي وعدم الاستقواء بالخارج سواء على الصعيد السياسي أو الإعلامي ورابعا أن تسعى بجدية لخلق توافق وطني على جميع المطالب السياسية لأنه من دون التوافق الوطني لا يمكن تحقيق تقدم جوهري في المشهد السياسي البحريني بحيث لا يسعى أي طرف إلى فرض مطالبه أو مواقفه على الآخر
خامسا أن تسعى قوى المعارضة نحو تعزيز الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية واعتماد خطاب وطني بما يعزز من ترابط كل فئات الشعب البحريني وسادسا ألا تقطع قوى المعارضة تواصلها مع السلطة والقوى الأخرى وتعمل على الدخول في العملية السياسية من خلال عملها ضمن المؤسسات الدستورية القائمة لأن المقاطعة لا تخدم أي طرف.
هذا على مستوى قوى المعارضة أما بالنسبة للحكومة فهي مطالبة أولا
بأن تسعى إلى تعزيز الثقة فيها عبر معالجة الأخطاء التي ارتكبت والمتعلقة بحقوق الإنسان من قبل الأجهزة التنفيذية وذلك من شأنه أن يترك تأثيرا إيجابيا على عوائل الضحايا ويساهم في تطييب الخواطر.
وثانيا: أن تعمل على استيعاب قوى المعارضة في الجسم الرسمي لأن النظام السياسي الواثق من نفسه لا يخشى من التقارب مع الطرف المختلف معه وهذه الخطوة بالذات ستعمق من فهم السلطة لقوى المعارضة وثالثا الحكومة مطالبة بالسعي إلى فتح حوار مع القوى المعارضة المتشددة التي تطالب بإسقاط النظام وأظن أن هذه الخطوة من الضرورة بمكان من أجل استقرار البحرين على المدى البعيد لأنه ليس من صالح البلاد.
elazab1@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3915
| 23 سبتمبر 2026