رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما بدأ التعليم النظامي في قطر في العام 1952 وافتتحت أول مدرسة لاستقبال الطلبة، أستطيع أن أجزم بأنه لم يكن في البلاد حينها أي من حملة الدكتوراة، وأنا أعني هنا الوافدين طبعاً، فنحن القطريين كنا في خطواتنا الأولى نحو نهل التعليم النظامي المتعدد المناهج من أدب وعلوم بالإضافة للغة والدين اللذين كانا محور التعليم الى ما قبل النظامي، كان الحلم أن نتعلم، أما الشهادات والتخصصات لم تكن بعد يشملها الطموح أو التصور.
الآن وبعد حوالي سبعين عاما فقط من بدء التعليم وهي فترة زمنية قصيرة في عمر الأوطان والشعوب، ومع تنوع الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بكل جوانبها، تزدهر قطر بالجامعات والمعاهد العامة منها والخاصة المنتشرة في أرجاء البلاد التي تقدم جميع أنواع التخصصات العلمية والإنسانية بدرجاتها العلمية المختلفة من الدبلوم للدكتوراه، بالإضافة لابتعاث الطلبة من الجنسين للدراسة في الجامعات العربية والأجنبية. لذلك، لم يعد البكالوريوس أو حتى الماجستير حلما أو هدفا يقف عنده البعض، بل تعداه ليصل إلى تحصيل و "اقتناء" الدكتوراة.
فما هي شهادة الدكتوراة التي تلعب بخيال الكثير منا، وما هي مجالات الاستفادة منها، أهي لتحسين الوضع الوظيفي والترقية في العمل ام "للرزة" الاجتماعية والتباهي بها وليسبق حرف "د" الاسم كلما كتب أو ذكر!!؟؟
يتفق أغلبية الأكاديميين والباحثين على أن للدكتوراة مجالات معينة وإن خرجت عنها فهي علم إضافي في مجال معين لمكتسبها إن اكتسبها بالدراسة والبحث والطرق الشرعية.
وفي الجامعات العالمية تطلق تسمية PHD وتعني "دكتوراة أو دكتورا في الفلسفة" على الشهادة أو حاملها، فكل العلوم في الماضي كان يطلق عليها "فلسفة"، وهي تمنح لمن أنجز وأنهى بحثا متقدما في مادة علمية معينة. علما بأنه في الغرب التعريف بلقب الدكتور يأتي بعد الاسم وليس قبله وليس عندهم ما يقابل حرف الدال (د) كما عندنا، فالفخر ليس بالشهادة في حد ذاتها إنما بما يستطيع أن يحققه من إنجاز علمي، أو بالمساهمة في تعليم جيل يحمل الرسالة التعليمية ويساهم في تقدم المجتمع.
وفي اتصال بالدكتور خالد العلي القائم بمهام وكيل الوزارة المساعد لشؤون التعليم والتعليم العالي يقول:" الدكتوراة شهادة بحثية تخصصية تؤهل حاملها للعمل في ميدانين اثنين في الغالب، الميدان الأكاديمي والميدان البحثي التخصصي، بالإضافة لبرنامج الدكتوراة المهنية في القانون (JD)، لذلك تحرص الوزارة فيما يتعلق بدراسة الدكتوراة أن تكون في المجالات السابقة الذكر، وأن تكون الدراسة في جامعات معترف بها، ومن هذا المنطلق فقد رفعنا أسماء بعض الجامعات من اللائحة ولم نعد نقبل شهاداتها حتى لو كانت الدراسة على نفقة الدارس شخصيا".
إن عدد الأكاديميين القطريين (حملة الدكتوراة) والعاملين في مجال التعليم العالي بمختلف جامعات الدولة أصبح يضاهي غيرهم من الجنسيات الأخرى.
وفي مداخلة مع الدكتور أحمد العمادي عميد كلية التربية السابق عن ذلك فيقول:" تعتبر جامعة قطر الحاضن الأول للأكاديميين والباحثين القطريين في التخصصات المختلفة ومع تعدد مراكز البحث في الجامعة استقطبت الجامعة مجموعة بارزة من المواطنين حاملي شهادة الدكتوراة، ومع فتح الجامعة المجال فيها للباحثين في المجالات العلمية والأدبية زاد استقطاب الجامعة لهم للعمل في المجال البحثي والأكاديمي".
هذه معطيات تؤكد بأن هذه الشهادة العليا فتحت باب العمل والوظيفة لكثير من الأشخاص الذين رأوا بأن الدكتوراة تمنحهم الفرصة للعمل في المجال الذي يرغبون به وخصوصا في التعليم والتدريس العالي.
ويبقى أن نتساءل هل أخذ المجال البحثي حقه الذي يترقبه المجتمع من حاملي الشهادات العليا وخصوصا في مجتمع كالمجتمع القطري الذي يتطور سريعا وفي كل المجالات وهو يخطط لتبني الاقتصاد المعرفي؟؟
اتجهت بهذا السؤال للفاضلة الدكتورة عائشة العبيدلي، مدير تنمية القدرات البحثية في الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي التابع لمجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار فتذكر:"إن من مهام الصندوق هو تمويل البحوث العلمية والذي بدأ مهامه في العام 2006 وكذلك ابتعاث الطلبة للدراسات العليا، وهم نخبة، للدراسة في أرقى الجامعات المحلية منها والعالمية هذا البرنامج الذي أسس في 2009، وحتى اللحظة تم تخريج 125 باحثا قطريا من خلاله وفي مجالات علمية مختلفة كباحثين وإداريين للبحوث، وهذه النخبة، تم اختيارها بعناية فائقة، ومن ثم تم ابتعاثهم لأفضل الجامعات، مثل ستانفورد وهارفرد و MIT، وهي تعمل حاليا في الجامعات المحلية وجامعات المدينة التعليمية ومراكز البحوث في الدولة. وإلى ذلك هناك أعداد من الباحثين تقريبا يصل ل 400 باحث وأكاديمي يمولهم الصندوق والأغلبية منهم في جامعة قطر ومن ثم في جامعة حمد بن خليفة ومراكز البحوث التابعة لمؤسسة حمد الطبية وكذلك مستشفى ومركز بحوث سدرة. وهناك باحثون آخرون في مراكز بحوث خاصة".
ليست كل مركزية ناجحة أو تخدم المجتمع، ولكن الواضح فيما يتعلق بموضوعنا، فإن المركزية فيما يتعلق بالدراسات العليا ومن يبتعث لها وأين يبتعث ضرورية في الوقت الحاضر وعلى مدى عشر سنوات قادمة في الحد الأدنى. فالواضح هنا أن الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي التابع لمجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار قد حقق ولازال يحقق نتائج عظيمة من ناحية نوعية الباحث والجامعات والمراكز العالمية المبتعث لها.
إذن هناك أكثر من جهة تعمل على أن ترقى بالمجتمع لمصاف المجتمعات المتقدمة في مجال العلم والعلوم والبحوث العلمية والاجتماعية التي تخدم المواطن والوطن لترقى به لمصاف الدول المتقدمة بالعلوم والبحوث، وتأتي وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ترعى التعليم في جميع مراحله ومنها الدراسات الجامعية بكل مراحلها.
وفي إحصائية بخصوص دراسة الدكتوراة ودارسيها، أفادنا بها الأستاذ جابر الجابر مدير إدارة معادلة الشهادات الدراسية الجامعية بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، للفترة من 2018 حتى ديسمبر 2022 وتخص القطريين تضمنت:
1-عدد حاملي درجة الدكتوراة والدكتوراة التنفيذية 167 شهادة
2-عدد الذين تم رفض معادلة شهاداتهم 9 طلبات.
3-تختلف الشهادات التي تمت معادلتها بين البحثي والأكاديمي والتنفيذي المهني.
4-تختلف أسباب الرفض حسب الحالة ومنها:
-عدم الحصول على الموافقة المسبقة من وزارة التربية والتعليم قبل الدراسة.
-الدراسة بمؤسسات غير مدرجة في قوائم الوزارة.
-عدم اعتماد مقررات الدراسة من قبل جهات الاعتماد الأكاديمي بالدولة مقر الدراسة.
-عدم كفاية المدة للحصول على الدرجة الأكاديمية.
-ضعف وتدني المستوى الأكاديمي للمؤسسة التعليمية التي حصل منها الدارس على الدرجة الأكاديمية.
من هذه الإحصائية يتبين أن عدد الراغبين في استكمال الدراسات العليا كبير، طبعا مقارنة بعدد المواطنين وفرص العمل المتوافرة في الجامعات ومراكز البحوث، ولا يخفى بأن عدد الذين تم رفض معادلة شهاداتهم، لن يتمكنوا من استخدامها رسميا في العمل أو الترقي، لكن تبقى بالنسبة لهم على المستوى الشخصي حرف (د) مما قد يستخدم بالتعريف بذاتهم.
وهؤلاء لا يهمون المجتمع كثيرا، كأولئك الذين اعتمدت شهاداتهم، وقد عملوا أو لازالوا يعملون في مجالات مختلفة وجهات مختلفة واختزلوا علمهم الذي اكتسبوه فقط في شهادة علقت على الجدران أو زينت حروفها بطاقات التعريف أو صفحات السوشيال ميديا.
لهم نقول، إنه علمكم وهو نتيجة جهدكم لا جدال في ذلك فمن حقكم أن تتعاملوا بعلمكم كما شئتم. ولكن الذكرى أيضا تنفع المؤمنين، فنحن نتعلم لننفع أنفسنا وكذلك مجتمعنا الذي نهدف لترقيته وأن يتطور ليصل لمصاف الدول الراقية بتكاتف مواطنيها لتأكيد روح التعاون والتكافل بين جميع مكوناته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو (علم يُنتفع به)، أو ولد صالح يدعوا له".
ولنتذكر جميعا بأن "قطر تستحق (وأضيف تستاهل) الأفضل". فلا نبخل بأن يكون علمنا محصورا في ذواتنا، لنتشارك به وننفع به وطننا وأمتنا فننال أجر الدنيا والآخرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5802
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4908
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2256
| 23 أغسطس 2026