رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما بدأ التعليم النظامي في قطر في العام 1952 وافتتحت أول مدرسة لاستقبال الطلبة، أستطيع أن أجزم بأنه لم يكن في البلاد حينها أي من حملة الدكتوراة، وأنا أعني هنا الوافدين طبعاً، فنحن القطريين كنا في خطواتنا الأولى نحو نهل التعليم النظامي المتعدد المناهج من أدب وعلوم بالإضافة للغة والدين اللذين كانا محور التعليم الى ما قبل النظامي، كان الحلم أن نتعلم، أما الشهادات والتخصصات لم تكن بعد يشملها الطموح أو التصور.
الآن وبعد حوالي سبعين عاما فقط من بدء التعليم وهي فترة زمنية قصيرة في عمر الأوطان والشعوب، ومع تنوع الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بكل جوانبها، تزدهر قطر بالجامعات والمعاهد العامة منها والخاصة المنتشرة في أرجاء البلاد التي تقدم جميع أنواع التخصصات العلمية والإنسانية بدرجاتها العلمية المختلفة من الدبلوم للدكتوراه، بالإضافة لابتعاث الطلبة من الجنسين للدراسة في الجامعات العربية والأجنبية. لذلك، لم يعد البكالوريوس أو حتى الماجستير حلما أو هدفا يقف عنده البعض، بل تعداه ليصل إلى تحصيل و "اقتناء" الدكتوراة.
فما هي شهادة الدكتوراة التي تلعب بخيال الكثير منا، وما هي مجالات الاستفادة منها، أهي لتحسين الوضع الوظيفي والترقية في العمل ام "للرزة" الاجتماعية والتباهي بها وليسبق حرف "د" الاسم كلما كتب أو ذكر!!؟؟
يتفق أغلبية الأكاديميين والباحثين على أن للدكتوراة مجالات معينة وإن خرجت عنها فهي علم إضافي في مجال معين لمكتسبها إن اكتسبها بالدراسة والبحث والطرق الشرعية.
وفي الجامعات العالمية تطلق تسمية PHD وتعني "دكتوراة أو دكتورا في الفلسفة" على الشهادة أو حاملها، فكل العلوم في الماضي كان يطلق عليها "فلسفة"، وهي تمنح لمن أنجز وأنهى بحثا متقدما في مادة علمية معينة. علما بأنه في الغرب التعريف بلقب الدكتور يأتي بعد الاسم وليس قبله وليس عندهم ما يقابل حرف الدال (د) كما عندنا، فالفخر ليس بالشهادة في حد ذاتها إنما بما يستطيع أن يحققه من إنجاز علمي، أو بالمساهمة في تعليم جيل يحمل الرسالة التعليمية ويساهم في تقدم المجتمع.
وفي اتصال بالدكتور خالد العلي القائم بمهام وكيل الوزارة المساعد لشؤون التعليم والتعليم العالي يقول:" الدكتوراة شهادة بحثية تخصصية تؤهل حاملها للعمل في ميدانين اثنين في الغالب، الميدان الأكاديمي والميدان البحثي التخصصي، بالإضافة لبرنامج الدكتوراة المهنية في القانون (JD)، لذلك تحرص الوزارة فيما يتعلق بدراسة الدكتوراة أن تكون في المجالات السابقة الذكر، وأن تكون الدراسة في جامعات معترف بها، ومن هذا المنطلق فقد رفعنا أسماء بعض الجامعات من اللائحة ولم نعد نقبل شهاداتها حتى لو كانت الدراسة على نفقة الدارس شخصيا".
إن عدد الأكاديميين القطريين (حملة الدكتوراة) والعاملين في مجال التعليم العالي بمختلف جامعات الدولة أصبح يضاهي غيرهم من الجنسيات الأخرى.
وفي مداخلة مع الدكتور أحمد العمادي عميد كلية التربية السابق عن ذلك فيقول:" تعتبر جامعة قطر الحاضن الأول للأكاديميين والباحثين القطريين في التخصصات المختلفة ومع تعدد مراكز البحث في الجامعة استقطبت الجامعة مجموعة بارزة من المواطنين حاملي شهادة الدكتوراة، ومع فتح الجامعة المجال فيها للباحثين في المجالات العلمية والأدبية زاد استقطاب الجامعة لهم للعمل في المجال البحثي والأكاديمي".
هذه معطيات تؤكد بأن هذه الشهادة العليا فتحت باب العمل والوظيفة لكثير من الأشخاص الذين رأوا بأن الدكتوراة تمنحهم الفرصة للعمل في المجال الذي يرغبون به وخصوصا في التعليم والتدريس العالي.
ويبقى أن نتساءل هل أخذ المجال البحثي حقه الذي يترقبه المجتمع من حاملي الشهادات العليا وخصوصا في مجتمع كالمجتمع القطري الذي يتطور سريعا وفي كل المجالات وهو يخطط لتبني الاقتصاد المعرفي؟؟
اتجهت بهذا السؤال للفاضلة الدكتورة عائشة العبيدلي، مدير تنمية القدرات البحثية في الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي التابع لمجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار فتذكر:"إن من مهام الصندوق هو تمويل البحوث العلمية والذي بدأ مهامه في العام 2006 وكذلك ابتعاث الطلبة للدراسات العليا، وهم نخبة، للدراسة في أرقى الجامعات المحلية منها والعالمية هذا البرنامج الذي أسس في 2009، وحتى اللحظة تم تخريج 125 باحثا قطريا من خلاله وفي مجالات علمية مختلفة كباحثين وإداريين للبحوث، وهذه النخبة، تم اختيارها بعناية فائقة، ومن ثم تم ابتعاثهم لأفضل الجامعات، مثل ستانفورد وهارفرد و MIT، وهي تعمل حاليا في الجامعات المحلية وجامعات المدينة التعليمية ومراكز البحوث في الدولة. وإلى ذلك هناك أعداد من الباحثين تقريبا يصل ل 400 باحث وأكاديمي يمولهم الصندوق والأغلبية منهم في جامعة قطر ومن ثم في جامعة حمد بن خليفة ومراكز البحوث التابعة لمؤسسة حمد الطبية وكذلك مستشفى ومركز بحوث سدرة. وهناك باحثون آخرون في مراكز بحوث خاصة".
ليست كل مركزية ناجحة أو تخدم المجتمع، ولكن الواضح فيما يتعلق بموضوعنا، فإن المركزية فيما يتعلق بالدراسات العليا ومن يبتعث لها وأين يبتعث ضرورية في الوقت الحاضر وعلى مدى عشر سنوات قادمة في الحد الأدنى. فالواضح هنا أن الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي التابع لمجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار قد حقق ولازال يحقق نتائج عظيمة من ناحية نوعية الباحث والجامعات والمراكز العالمية المبتعث لها.
إذن هناك أكثر من جهة تعمل على أن ترقى بالمجتمع لمصاف المجتمعات المتقدمة في مجال العلم والعلوم والبحوث العلمية والاجتماعية التي تخدم المواطن والوطن لترقى به لمصاف الدول المتقدمة بالعلوم والبحوث، وتأتي وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ترعى التعليم في جميع مراحله ومنها الدراسات الجامعية بكل مراحلها.
وفي إحصائية بخصوص دراسة الدكتوراة ودارسيها، أفادنا بها الأستاذ جابر الجابر مدير إدارة معادلة الشهادات الدراسية الجامعية بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، للفترة من 2018 حتى ديسمبر 2022 وتخص القطريين تضمنت:
1-عدد حاملي درجة الدكتوراة والدكتوراة التنفيذية 167 شهادة
2-عدد الذين تم رفض معادلة شهاداتهم 9 طلبات.
3-تختلف الشهادات التي تمت معادلتها بين البحثي والأكاديمي والتنفيذي المهني.
4-تختلف أسباب الرفض حسب الحالة ومنها:
-عدم الحصول على الموافقة المسبقة من وزارة التربية والتعليم قبل الدراسة.
-الدراسة بمؤسسات غير مدرجة في قوائم الوزارة.
-عدم اعتماد مقررات الدراسة من قبل جهات الاعتماد الأكاديمي بالدولة مقر الدراسة.
-عدم كفاية المدة للحصول على الدرجة الأكاديمية.
-ضعف وتدني المستوى الأكاديمي للمؤسسة التعليمية التي حصل منها الدارس على الدرجة الأكاديمية.
من هذه الإحصائية يتبين أن عدد الراغبين في استكمال الدراسات العليا كبير، طبعا مقارنة بعدد المواطنين وفرص العمل المتوافرة في الجامعات ومراكز البحوث، ولا يخفى بأن عدد الذين تم رفض معادلة شهاداتهم، لن يتمكنوا من استخدامها رسميا في العمل أو الترقي، لكن تبقى بالنسبة لهم على المستوى الشخصي حرف (د) مما قد يستخدم بالتعريف بذاتهم.
وهؤلاء لا يهمون المجتمع كثيرا، كأولئك الذين اعتمدت شهاداتهم، وقد عملوا أو لازالوا يعملون في مجالات مختلفة وجهات مختلفة واختزلوا علمهم الذي اكتسبوه فقط في شهادة علقت على الجدران أو زينت حروفها بطاقات التعريف أو صفحات السوشيال ميديا.
لهم نقول، إنه علمكم وهو نتيجة جهدكم لا جدال في ذلك فمن حقكم أن تتعاملوا بعلمكم كما شئتم. ولكن الذكرى أيضا تنفع المؤمنين، فنحن نتعلم لننفع أنفسنا وكذلك مجتمعنا الذي نهدف لترقيته وأن يتطور ليصل لمصاف الدول الراقية بتكاتف مواطنيها لتأكيد روح التعاون والتكافل بين جميع مكوناته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو (علم يُنتفع به)، أو ولد صالح يدعوا له".
ولنتذكر جميعا بأن "قطر تستحق (وأضيف تستاهل) الأفضل". فلا نبخل بأن يكون علمنا محصورا في ذواتنا، لنتشارك به وننفع به وطننا وأمتنا فننال أجر الدنيا والآخرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2811
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1251
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
918
| 17 مارس 2026