رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما بدأ التعليم النظامي في قطر في العام 1952 وافتتحت أول مدرسة لاستقبال الطلبة، أستطيع أن أجزم بأنه لم يكن في البلاد حينها أي من حملة الدكتوراة، وأنا أعني هنا الوافدين طبعاً، فنحن القطريين كنا في خطواتنا الأولى نحو نهل التعليم النظامي المتعدد المناهج من أدب وعلوم بالإضافة للغة والدين اللذين كانا محور التعليم الى ما قبل النظامي، كان الحلم أن نتعلم، أما الشهادات والتخصصات لم تكن بعد يشملها الطموح أو التصور. الآن وبعد حوالي سبعين عاما فقط من بدء التعليم وهي فترة زمنية قصيرة في عمر الأوطان والشعوب، ومع تنوع الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بكل جوانبها، تزدهر قطر بالجامعات والمعاهد العامة منها والخاصة المنتشرة في أرجاء البلاد التي تقدم جميع أنواع التخصصات العلمية والإنسانية بدرجاتها العلمية المختلفة من الدبلوم للدكتوراه، بالإضافة لابتعاث الطلبة من الجنسين للدراسة في الجامعات العربية والأجنبية. لذلك، لم يعد البكالوريوس أو حتى الماجستير حلما أو هدفا يقف عنده البعض، بل تعداه ليصل إلى تحصيل و "اقتناء" الدكتوراة. فما هي شهادة الدكتوراة التي تلعب بخيال الكثير منا، وما هي مجالات الاستفادة منها، أهي لتحسين الوضع الوظيفي والترقية في العمل ام "للرزة" الاجتماعية والتباهي بها وليسبق حرف "د" الاسم كلما كتب أو ذكر!!؟؟ يتفق أغلبية الأكاديميين والباحثين على أن للدكتوراة مجالات معينة وإن خرجت عنها فهي علم إضافي في مجال معين لمكتسبها إن اكتسبها بالدراسة والبحث والطرق الشرعية. وفي الجامعات العالمية تطلق تسمية PHD وتعني "دكتوراة أو دكتورا في الفلسفة" على الشهادة أو حاملها، فكل العلوم في الماضي كان يطلق عليها "فلسفة"، وهي تمنح لمن أنجز وأنهى بحثا متقدما في مادة علمية معينة. علما بأنه في الغرب التعريف بلقب الدكتور يأتي بعد الاسم وليس قبله وليس عندهم ما يقابل حرف الدال (د) كما عندنا، فالفخر ليس بالشهادة في حد ذاتها إنما بما يستطيع أن يحققه من إنجاز علمي، أو بالمساهمة في تعليم جيل يحمل الرسالة التعليمية ويساهم في تقدم المجتمع. وفي اتصال بالدكتور خالد العلي القائم بمهام وكيل الوزارة المساعد لشؤون التعليم والتعليم العالي يقول:" الدكتوراة شهادة بحثية تخصصية تؤهل حاملها للعمل في ميدانين اثنين في الغالب، الميدان الأكاديمي والميدان البحثي التخصصي، بالإضافة لبرنامج الدكتوراة المهنية في القانون (JD)، لذلك تحرص الوزارة فيما يتعلق بدراسة الدكتوراة أن تكون في المجالات السابقة الذكر، وأن تكون الدراسة في جامعات معترف بها، ومن هذا المنطلق فقد رفعنا أسماء بعض الجامعات من اللائحة ولم نعد نقبل شهاداتها حتى لو كانت الدراسة على نفقة الدارس شخصيا". إن عدد الأكاديميين القطريين (حملة الدكتوراة) والعاملين في مجال التعليم العالي بمختلف جامعات الدولة أصبح يضاهي غيرهم من الجنسيات الأخرى. وفي مداخلة مع الدكتور أحمد العمادي عميد كلية التربية السابق عن ذلك فيقول:" تعتبر جامعة قطر الحاضن الأول للأكاديميين والباحثين القطريين في التخصصات المختلفة ومع تعدد مراكز البحث في الجامعة استقطبت الجامعة مجموعة بارزة من المواطنين حاملي شهادة الدكتوراة، ومع فتح الجامعة المجال فيها للباحثين في المجالات العلمية والأدبية زاد استقطاب الجامعة لهم للعمل في المجال البحثي والأكاديمي". هذه معطيات تؤكد بأن هذه الشهادة العليا فتحت باب العمل والوظيفة لكثير من الأشخاص الذين رأوا بأن الدكتوراة تمنحهم الفرصة للعمل في المجال الذي يرغبون به وخصوصا في التعليم والتدريس العالي. ويبقى أن نتساءل هل أخذ المجال البحثي حقه الذي يترقبه المجتمع من حاملي الشهادات العليا وخصوصا في مجتمع كالمجتمع القطري الذي يتطور سريعا وفي كل المجالات وهو يخطط لتبني الاقتصاد المعرفي؟؟ اتجهت بهذا السؤال للفاضلة الدكتورة عائشة العبيدلي، مدير تنمية القدرات البحثية في الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي التابع لمجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار فتذكر:"إن من مهام الصندوق هو تمويل البحوث العلمية والذي بدأ مهامه في العام 2006 وكذلك ابتعاث الطلبة للدراسات العليا، وهم نخبة، للدراسة في أرقى الجامعات المحلية منها والعالمية هذا البرنامج الذي أسس في 2009، وحتى اللحظة تم تخريج 125 باحثا قطريا من خلاله وفي مجالات علمية مختلفة كباحثين وإداريين للبحوث، وهذه النخبة، تم اختيارها بعناية فائقة، ومن ثم تم ابتعاثهم لأفضل الجامعات، مثل ستانفورد وهارفرد و MIT، وهي تعمل حاليا في الجامعات المحلية وجامعات المدينة التعليمية ومراكز البحوث في الدولة. وإلى ذلك هناك أعداد من الباحثين تقريبا يصل ل 400 باحث وأكاديمي يمولهم الصندوق والأغلبية منهم في جامعة قطر ومن ثم في جامعة حمد بن خليفة ومراكز البحوث التابعة لمؤسسة حمد الطبية وكذلك مستشفى ومركز بحوث سدرة. وهناك باحثون آخرون في مراكز بحوث خاصة". ليست كل مركزية ناجحة أو تخدم المجتمع، ولكن الواضح فيما يتعلق بموضوعنا، فإن المركزية فيما يتعلق بالدراسات العليا ومن يبتعث لها وأين يبتعث ضرورية في الوقت الحاضر وعلى مدى عشر سنوات قادمة في الحد الأدنى. فالواضح هنا أن الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي التابع لمجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار قد حقق ولازال يحقق نتائج عظيمة من ناحية نوعية الباحث والجامعات والمراكز العالمية المبتعث لها. إذن هناك أكثر من جهة تعمل على أن ترقى بالمجتمع لمصاف المجتمعات المتقدمة في مجال العلم والعلوم والبحوث العلمية والاجتماعية التي تخدم المواطن والوطن لترقى به لمصاف الدول المتقدمة بالعلوم والبحوث، وتأتي وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ترعى التعليم في جميع مراحله ومنها الدراسات الجامعية بكل مراحلها. وفي إحصائية بخصوص دراسة الدكتوراة ودارسيها، أفادنا بها الأستاذ جابر الجابر مدير إدارة معادلة الشهادات الدراسية الجامعية بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، للفترة من 2018 حتى ديسمبر 2022 وتخص القطريين تضمنت: 1-عدد حاملي درجة الدكتوراة والدكتوراة التنفيذية 167 شهادة 2-عدد الذين تم رفض معادلة شهاداتهم 9 طلبات. 3-تختلف الشهادات التي تمت معادلتها بين البحثي والأكاديمي والتنفيذي المهني. 4-تختلف أسباب الرفض حسب الحالة ومنها: -عدم الحصول على الموافقة المسبقة من وزارة التربية والتعليم قبل الدراسة. -الدراسة بمؤسسات غير مدرجة في قوائم الوزارة. -عدم اعتماد مقررات الدراسة من قبل جهات الاعتماد الأكاديمي بالدولة مقر الدراسة. -عدم كفاية المدة للحصول على الدرجة الأكاديمية. -ضعف وتدني المستوى الأكاديمي للمؤسسة التعليمية التي حصل منها الدارس على الدرجة الأكاديمية. من هذه الإحصائية يتبين أن عدد الراغبين في استكمال الدراسات العليا كبير، طبعا مقارنة بعدد المواطنين وفرص العمل المتوافرة في الجامعات ومراكز البحوث، ولا يخفى بأن عدد الذين تم رفض معادلة شهاداتهم، لن يتمكنوا من استخدامها رسميا في العمل أو الترقي، لكن تبقى بالنسبة لهم على المستوى الشخصي حرف (د) مما قد يستخدم بالتعريف بذاتهم. وهؤلاء لا يهمون المجتمع كثيرا، كأولئك الذين اعتمدت شهاداتهم، وقد عملوا أو لازالوا يعملون في مجالات مختلفة وجهات مختلفة واختزلوا علمهم الذي اكتسبوه فقط في شهادة علقت على الجدران أو زينت حروفها بطاقات التعريف أو صفحات السوشيال ميديا. لهم نقول، إنه علمكم وهو نتيجة جهدكم لا جدال في ذلك فمن حقكم أن تتعاملوا بعلمكم كما شئتم. ولكن الذكرى أيضا تنفع المؤمنين، فنحن نتعلم لننفع أنفسنا وكذلك مجتمعنا الذي نهدف لترقيته وأن يتطور ليصل لمصاف الدول الراقية بتكاتف مواطنيها لتأكيد روح التعاون والتكافل بين جميع مكوناته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو (علم يُنتفع به)، أو ولد صالح يدعوا له". ولنتذكر جميعا بأن "قطر تستحق (وأضيف تستاهل) الأفضل". فلا نبخل بأن يكون علمنا محصورا في ذواتنا، لنتشارك به وننفع به وطننا وأمتنا فننال أجر الدنيا والآخرة.
2862
| 15 يناير 2023
الجدل الذي يدور في هذا الوقت من كل عام بخصوص معايدة "النصارى"، هل يجوز أولا يجوز، عاد بي لسنوات الدراسة حين تعرفت على مارك وزوجته سوزان وولتر، شخصيتان أمريكيتان يعتنقان الديانة المسيحية وعلى المذهب الكاثوليكي، عشت معهم وبينهم لمدة تقترب من الخمسة أعوام أثناء دراستي في مدينة أوستن بولاية تكساس الأمريكية حيث سكنا في منزل استأجرناه منهم، شاركوني في أفراحي وأتراحي وشاركتهم، وفي المشرب والمأكل، وزاروني وزرتهم، وأولادي لعبوا ومرحوا مع أولادهم، عايدوني في أعيادي، وقدموا الهدايا لأطفالي، وكذلك فعلنا. وعلى مدى 32 عاما لم ينقطع تواصلنا بهم ومعنا، وبكل أخبارهم مدونا، وعن أحوالنا سألونا، أبهجتهم أفراحنا، وساءتهم أحزاننا. ومتى ما احتجنا لهم في أي وقت أو أمر، لبوا النداء، كمتابعة دراسة الأبناء في الجامعات الأمريكية والمساعدة في حل مشاكلهم، كانوا لهم كالآباء لدرجة الترحال والسفر لمدنهم المختلفة للاطمئنان عليهم وموافاتنا بأحوالهم الدراسية والاجتماعية. وحينما حان زواج الابن عبدالرحمن العام الماضي، وفي عز كورونا، لم يفت مارك أن يكون من أوائل المهنئين، حيث حضر للدوحة للمشاركة في الفرح، ولولا مرضها، شفاها الله، لكانت زوجته سوزان معه. أروي هذه القصة وأسردها، متسائلاً، لماذا ما زلنا كمسلمين نجد مثل هذه المسألة عالقة ولم يتم حسمها، فالمسلم ما زال حائرا بين تهنئة غير المسلمين بأعيادهم وأفراحهم، هل تجوز أو لا تجوز؟ أحرام هي أم حلال؟ ما هي الضوابط الشرعية التي تحرم وتحلل؟ ومن هو المفتي أو الشيخ المجاز للتحليل أو التحريم؟ يراودني تساؤل ملامس لوعي الديني الذي نشأت عليه ومن خلال قراءتي وحيث تسعفني ذاكرتي، ما هو موقف الإسلام، أحقا الإسلام يمنع ويحرم المشاركة، لفظيا، مع أهل الكتاب والنصارى منهم تحديداً، وأولئك الذين جمعتنا بهم ظروف غربة أو عمل ولم نجد فيهم ولا منهم أي عداء لنا أو لمن يعتنق ديانتنا كانوا عربا أو مسلمين، بل أصبحوا بحكم علاقتنا بهم على بينة عالية عن ماهية الإسلام وعقيدته واهتموا باقتناء نسخ من القرآن الكريم المترجم وتسجيل للتلاوات المتعددة بأصوات مقرئين من أمثال الحصري وعبدالباسط، عليهما رحمة الله، يستمعون لها ويستفسرون عنها وأصحابها، فهل مشاركة أفراحهم حرام أم حلال، أو بلغة أخرى، يجوز أو لا يجوز؟ وأتساءل، أليس من حق الذين يختلفون معنا في العقيدة ولكن يبرونا، وهم لنا مسالمون، وهناك من يعيش بيننا في مجتمعنا، يعمل ويخدم في مجالات تخصصية نادرة، كعلماء وأطباء واستشاريين، وهم يشاركوننا احتفالاتنا وأفراحنا، أن نهنئهم بأعيادهم؟ مجاملة لهم، ليس بالضرورة مشاركة فعلية، فقط تهنئة لفظية تعبر عن المشاركة الوجدانية لمن شاركنا أعيادنا وهنأنا بها ويعيش بين ظهرانينا. وماذا عن أولئك الذين اعتنقوا الإسلام حديثا، أيتواصلون مع أسرهم ويتبادلون الهدايا معهم أم حرام هو ولا يجوز، أليس هذا من تأليف للقلوب، أتهنئة للوالدين وهم يحتفلون بما يسمى عندهم بالعيد، يخرجني من ملتي وعقيدتي؟ لقد وجدت من تهنئتي لغير المسلمين باحتفالاتهم مدخلا للتحدث عن الإسلام، فأول سؤال يراودهم هو، ما هي أعيادكم يا مسلمين، وكيف تحتفلون بها، ولماذا؟ ماذا يعني رمضان ولماذا تصومون عن الأكل لثلاثين يوما؟ ثم لماذا عيد الأضحى، ولماذا تذبحون الأضحية، ولماذا ربطتم ذلك بالنبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، والحج إلى مكة؟ بحثت خلال الأيام الماضية، بالإضافة لما في الذاكرة من قراءات سابقة عن رأي العلماء والفقهاء، ماضيا وحاضراً في تحليل أو تحريم معايدة أهل الذمة بأعيادهم، وإذا كان جائزا فما هو التعبير اللائق والمحمود من لفظ. فوجدت أن فقهاء وأئمة كابن تيمية وابن القيم والتابعين مثل الشيخ الباز والشيخ ابن عثيمين، عليهم جميعا رحمة الله، كرهوا لدرجة التحريم معايدة غير المسلمين بأعيادهم استناداً على الآية الكريمة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ". في حين أن مجموعة من العلماء المحدثين والهيئات العلمية، كالمجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء، وكذلك الأستاذ الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد- أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر- وكذلك الأستاذ إسماعيل الكيلاني، رئيس توجيه العلوم الشرعية بوزارة التربية والتعليم سابقاً، أباحوا معايدة غير المسلمين بأعيادهم مع التأكيد على أنه لا تجوز مشاركتهم احتفالاتهم بأعيادهم مستندين في ذلك على الآيتين 8- 9 من سورة الممتحنة: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ". وتقول الدكتورة بسمة عبدالغفار، الأستاذة سابقا في كلية الدراسات الإسلامية بالدوحة وعضو معهد المقاصد الدولي، "أنا أعيش وكبرت في كندا، ثقافيا نحن نتشارك بالتهانئ مع مجموعة مختلفة من الأديان والمعتقدات. عقيدتنا الإسلامية مبجلة ويسمح لها بالبقاء والانتشار، لأننا كمسلمين نهتم ونحترم الآخرين. وتستطرد الدكتورة بسمة قائلة، أنا أومن بأن "الإسلام دين جميل وواثق" لأنه يشمل الجميع في رحمته وأيضا تعاليمه التي تسمح للآخرين باختيار عقيدتهم وأيمانهم التي يعيشون بها. أنا عندما أقول ماري كريسمس، لا يعني موافقتي على أركان دينهم، كما أنهم عند قولهم رمضان كريم، لا يعلنون إيمانهم بأركان ديني. ما نفعله هو التعبير بالتأكيد على رحمة الله وسنته في التعدد والتنوع. وفي الختام، إذا كان البعض يحبذون ذلك، فإن الأعمال بالنيات، أنا سوف أحاسب على نياتي وأنت بنياتك. إننا ونحن نبحث عن إجابة عامة، تبقى التهنئة وتمني السعادة لشخص ما، تبقى بين الله والمؤمن". إن تطبيق الأحكام الشرعية أو تعليق مقتضياتها منوط بمقاصدها. ولنا في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المثل الأعلى عندما نهى أهل المدينة عن تلقيح النخل، ثم أدرك "المصلحة" فقال لهم "أنتم أعلم بأمور دنياكم". والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن كانت تهنئة المخالفين في العقيدة، تهنئة تأخذ في الاعتبار المخالفة الشرعية من حيث الاشتراك والانغماس في المشتبهات، وكما أفتى البعض فإنها تجوز. إن كثيرا من قضايا المسلمين الشرعية لا تزال بعد قرون من البحث والاستقراء ما زال يتنازعها مفتون وشيوخ ينهلون من مناهل مختلفة ودور إفتاء موزعة على طول وعرض الوطن العربي والإسلامي. إلى متى يبقى أمر الإفتاء منوطا بالأفراد لا بالمؤسسات والمجمعات الفقهية المشتركة تمثل الإسلام لا الدول والحكومات؟
1644
| 01 يناير 2023
كنت من ضمن كثير من المواطنين وبعض المقيمين الذين فكروا في احتمالات السفر لخارج البلاد أثناء مباريات كأس العالم 2022 التي أقيمت مباراتها النهائية في 18/12/22 مصاحبة لليوم الوطني للدولة والتي فازت بها الأرجنتين بتغلبها على فرنسا بالضربات الترجيحية. هذا التوجه، نتج عن التوقعات، وما انتشر في المجتمع من حكايات، بأن البطولة ستشهد مدا جماهيريا منقطع النظير - من أغلب دول العالم - سيزحف على الدوحة مما يخلق زحاما لا قبيل له، ولم تر قطر مثله من قبل، سيمتد على مساحة الوطن كله وخصوصا في الدوحة والمدن الرئيسية الأخرى كالخور والوكرة، ولن يقتصر على الملاعب والمواقع المحيطة بها، بل سيتعداه لكل شبر وزاوية، وفي الفرجان والأحياء وقد يتسبب ذلك في فوضى أمنية قد ينتج عنها اعتداءات شخصية واقتحام للمساكن والمنازل. لكن البطولة تميزت بأمن لم تشهده تقريبا البطولات التي سبقتها، وقد نظمت في دول عظمى متقدمة وحضارية، هذا التميز لم يقتصر فقط على الجانب الأمني فقط، بل تعداه ليشمل كل الجوانب الرياضية منها والمجتمعية وحتى السياسية. ولقد أشاد الجمهور، الذي حضر من جميع أنحاء العالم، بالتنظيم الرائع وسلاسة التنقل وحضور أكثر من مباراة في اليوم الواحد، وقد امتلأت الملاعب بهم ليحضروا مباريات منتخباتهم أو تلك التي يشجعونها، ولقد لمس الجميع سلاسة الدخول والخروج من الملعب من غير أي مشاكل أو تصادم بين الجماهير. لقد كان لمنع شرب الكحول في الملاعب أثره الحميد باحترام الجماهير له مما انعكس إيجابا على الأمن في الملاعب فانتشر السلام والوئام بين الجماهير داخل الملعب وخارجه، فلم تحدث أي مشاكل أو مشاكسات ومعارك كالتي حدثت في بطولات سابقة بين الجماهير بعضهم البعض أو مع مواطني البلد المضيف. هنا في قطر امتزج الجميع في مجاميع بشرية بكل المناطق التي خصصت لهم أو في الأسواق، كسوق واقف، أو حديقة البدع وممشى لوسيل. ويحضرني هنا تصريح مارك روبرتس من شرطة تشيشاير الذي صرح قائلا: "سلوك جماهير إنجلترا وويلز في قطر كان مثاليا. لم تكن هناك أي اعتقالات أو حوادث للإبلاغ عنها خلال وجود الجماهير في فترة وجود المنتخبين". إن هذا الذي أنجز تم الإعداد له على مدى سنين وأخذت جهدا داخليا وتعاونا خارجيا مع مجموعة دول شقيقة وصديقة ومنظمات دولية، على رأسها الفيفا طبعا، ولوضع هذا الإعداد والتنسيق في هيكلية عمل مناسبة أنشئت "لجنة أمن البطولة" التي ترأسها بداية سعادة اللواء عبدالعزيز عبدالله الأنصاري الذي وضع الأسس الأولى لعملها، والذي ندعو له بالشفاء العاجل مما ألم به من مرض. وقد تولى سعادة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رئاسة اللجنة وأشرف على عملها ووضع نظام عملها بالتعاون مع الفيفا وجميع الجهات الأمنية بالدولة والقوات المسلحة وكذلك بعض الدول الشقيقة والصديقة. من الدلائل الأولى على أن البطولة رقم 22 من كأس العالم متجهة لتسجيل أفضل الأهداف وأجملها كان في استتباب الأمن العام في جميع أنحاء البلاد وبين الجماهير التي وفدت على البلاد، وتم كل ذلك في هدوء وبدون انتشار كثيف أو غير اعتيادي لرجال الأمن، لم تخرج الأوضاع عن المألوف الذي تعود عليه المجتمع. وحتى التنظيم المروري شهد انسيابية في التنقل على كل الطرق الداخلية والخارجية ولم يتعد التأخير، إن حصل، دقائق حتى مرور المواكب الرسمية، والالتزام بالقواعد المرورية والانضباط كان عاليا من الجميع. ومع ما يمثله هذا كله من أهمية، إلا أنه تبقى قضايا أخرى استشعرها الجمهور وانعكست إيجابا في ذاكرته وسينقلها معه لوطنه، فقد تجلت له درجة الأمن والأمان التي عاشها وعايشها في قطر، هذه التجربة التي تحدث عنها ذلك المراسل البرازيلي وقال: "في قطر لم نتعرض لأي سرقة أو ضرب كما يحدث لنا في البلدان الأخرى. حيث تجد هناك من يحاول ضربك او سرقة أموالك. لقد وجدنا هنا الأمن والأمان". وقد أكد سعادة العميد عبدالله بن خليفة المفتاح مدير إدارة العلاقات العامة بوزارة الداخلية، بأنه لم يكن هناك شيء يذكر خلال البطولة من جرائم أو سطو أو جرائم مقلقة للأمن. وأكد أن قطر مصنفة عالميا من أكثر الدول أمناً وفق مؤشر السلام العالمي وتعتبر الأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكذلك مؤشر نامبيو لأكثر المدن أمناً. وقد شاهدنا جميعا على وسائل التواصل الاجتماعي وبلغات مختلفة لبلاغات فقدان الأشياء وعودتها لأصحابها وثقها الجمهور والصحفيون. ولا ننسى شهادات بعض الصحفيات ونساء غربيات لشعورهن بالأمان في قطر وعدم التعرض للتحرش. وفي تقرير لموقع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بعنوان (قطر: لماذا تشعر النساء بالأمان في مونديال 2022؟) تقول مشجعة أمريكية وأخرى بريطانية حضرن لمشاهدة مباريات كأس العالم، أكدن فيها أنهن يفضلن الملاعب الخالية من الكحول ويشعرن بأمان أكثر فيها. وأوضح التقرير أنه منذ البداية، تم وصف هذه البطولة "بأنها صديقة للأسرة، وهذا واضح في المباريات حيث يمكن رؤية الآباء والأمهات الذين لديهم أطفال من جميع الأعمار بأعلام في أيديهم، وقال كثيرون إن قلة المشروبات الكحولية في الملاعب ساهمت في خلق أجواء صديقة للأطفال". نعم، ولا شك بأن منع شرب الكحوليات في الملاعب أدت لأن يستمتع الجمهور بفن لعب كرة القدم من غير تأثير سلبي خارجي على العقل والشعور الطبيعي للتشجيع والاستمتاع بفن كروي من غير تعصب وبالتالي انتفت تماما المشاحنات بين الجمهور. وقد يكون في هذا مدخل لمنع الكحول في كل البطولات وفي كل بقاع العالم ومنها بالطبع بطولات كأس العالم لكرة القدم. وليس أبلغ من الأمن والأمان في قطر من توثيق إحدى الصحفيات ذلك بتصويرها لنفسها وهي تمشي في الدوحة حوالي الساعة الثانية فجراً دون إحساسها بالخوف أو توجس من أحد. إن ما أنجز لدليل على العمل الاحترافي والمتقن والمنسق بين كل الجهات التي اشتركت في تنظيم وإدارة بطولة كأس العالم فيفا قطر 2022، وتبقى جهود اللجنة الأمنية إنجاز يرفع له القبعة على الاحترافية التي عاشها ولمسها المواطن وشعر بها هو وجمهور كأس العالم.
1218
| 28 ديسمبر 2022
لم يشهد تاريخ بطولة كأس العالم لكرة القدم أبدا، أن أقيمت المباراة النهائية في اليوم الوطني للدولة المستضيفة، ولكن قطر ستحتفي بنهائي واحدة من أفضل بطولات كأس العالم في يومها الوطني الذي يصادف الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، ويحمل هذا العام شعار "وحدتنا مصدر قوتنا" الذي أطلقه أمير البلاد المفدى سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في افتتاح الدورة الأولى لمجلس الشورى المنتخب في 2021. لا شك بأن وحدة الشعب القطري تجلت في كثير من المناسبات والظروف والمواقف خلال العقد الماضي منذ أن فازت الدولة بتنظيم بطولة كأس العالم 2022 والتي مرت بها الدولة، شعبا وسلطة، وتمكنت من خلال قوة تماسكها ووحدتها أن تتغلب عليها وأن تنتصر. ومنذ 2017 الذي شهد أول احتفال بهذا اليوم، اعتاد الجميع في الدولة من المواطنين والمقيمين أن يكون الاحتفال بعرض عسكري يقام على كورنيش الدوحة يجتمع فيه الحاكم وشعبه احتفاء بـتأسيس الدولة على يد الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني الذي وحد البلاد من خلال "تعميق الانتماء الوطني والتأكيد على أهمية التلاحم والتآلف بين مكونات الشعب". إن معالم الاحتفال هذا العام تختلف تماما عن السنوات الماضية، من حيث العرض والجمهور، فالعالم كله، من أقصاه إلى أقصاه، شرقه وغربه، جنوبه إلى شماله، سيحتفي مع الشعب القطري بيومه الوطني، فالمباراة النهائية لكأس العالم-قطر 2022 ستقام اليوم الأحد 18-12-2022 بين كل من "الأرجنتين وفرنسا"، حيث ستكون هذه المباراة هي الأولى من بين هذين الدولتين للتنافس على الظفر بكأس العالم، علما بأن كلا منهما فاز بالكأس مرتين سابقا. البطولة التي بدأت في العشرين من نوفمبر الماضي، لتكون الأولى في تاريخها لتقام في هذا الوقت من السنة، شكك الكثيرون من احتمال إقامتها وذلك تقليلا منهم في قطر ومقدرتها في تنظيم مثل هذا الحدث العظيم الذي يتنافس فيه 32 دولة، وهذا يعني جماهير بالملايين تحتاج لبنية تحتية تستوعبهم من طرق ومواصلات وسكن وغيره. نعم، تنظيم بطولة مثل كأس العالم ليس بالأمر السهل أو الهين، ولكن عندما انبرت قطر للتنظيم كانت تدرك التحدي وأيضا الجائزة بأن تكون أول دولة عربية مسلمة تنظم بطولة كأس العالم لكرة القدم. وفي هذا يحضرني بيت شعر للمؤسس الشيخ جاسم بن محمد يقول فيه: يلوموني العذال في مطلب العلا يقولون يسلك بك دروب صعايب ترى فيه تلف المال والجند والسلع وجرايم سلاطين تدور السبايب نعم التحدي ليس في سهل الدروب، فالسهل كل يسلكه، الصعب والمستحيل سلكته قطر ونجحت في كل تفاصيله أيما نجاح، بل أصبح تحديا لمن يأتي بعدها (بطولة 2026 ستنظم في كل من الولايات المتحدة، كندا والمكسيك) وهذه الدول تشعر بالتحدي من الآن، حيث ان بطولة قطر أصبحت معيارا قد لا يستطيعون تجاوزه أو حتى مجاراته. ولو ذكرنا في هذا المقام تحديا واحدا فقط متمثلا في تقارب ملاعب البطولة وقدرة الجمهور لحضور أكثر من مباراة واحدة في اليوم الواحد لتبين لنا، كم استمتع الجمهور في قطر وهو ينتقل بكل أريحية من ملعب لآخر ويستمتع بمتابعة مباريات مختلفة في ذات اليوم. وكم سيعاني جمهور البطولة القادمة من عدم توفر هذه المتعة وكذلك التكلفة التي سيتحملها متنقلا من مدينة لأخرى أو حتى من دولة لأخرى في سبيل مشاهدة مباريات منتخب بلاده. قطر نجحت وأسقطت كل الحجج والمعوقات التي وضعت في طريقها، السياسية منها أو الاقتصادية لتنظم أفضل بطولة كأس عالم حتى الآن بشهادة البعيد والقريب. وفي النهاية استذكر هذا البيت للشيخ جاسم بن محمد: صبرنا لها ما زعزع الدهر عزمنا ونلنا بها العليا على كل طايل كل عام وقطر في العليا بحكامها وشعبها والجميع بخير.
1569
| 18 ديسمبر 2022
كثير من الدول، ومن كل القارات والملل، والتي تصدت على مر العقود والسنين لأن تستضيف بطولة رياضية فردية كانت أو جماعية، ما تعرضت لما تعرضت له بلادنا قطر من عداء وهجوم، فوق وتحت الحزام، وتقليل شأن وقدرة لا مثيل له، وقد تناول هذا العداء، القضايا المرتبطة بالتنظيم وكرة القدم، ولم يقتصر على ذلك، بل تعداه، للتدخل بما يمس الشؤون الداخلية وسياسة الدولة وقوانينها وممارساتها الداخلية والخارجية، بما فيها الاتهام بمساندة الإرهاب الدولي، وكل ذلك لانها نجحت، وهي الدولة العربية المسلمة الصغيرة بالمساحة والسكان، بالفوز باستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2022. واجهت الدولة بالإضافة لذلك، الظروف والمعطيات السياسية التي كان تستهدف خلق ازمة امدادات تعطل مشاريع البنية التحتية ومنها بالطبع المشاريع المرتبطة بكأس العالم. ومع افتتاح ميناء حمد واعتماد خطوط ملاحية جديدة، استطاعت الدولة أن تخلق مصادر توريد جديدة تغلبت من خلالها على أي احتمال في نقص الموارد واحتياجات المشاريع. وكلما كانت البطولة تقترب من نقطة الصفر تزداد الحملات شراسة، مباشرة وغير مباشرة من خلال التصريحات الرسمية أو المقالات الصحفية، وأكثرها جرأة ووقاحة ما صدر عن منظمات تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان كمنظمة "هيومن رايتس واتش" التي تركت قضايا حقوق الإنسان في زوايا العالم لتتفرغ لاتهام قطر إذ قالت:" إن كأس العالم فيفا 2022 تأتي بعد سنوات من الانتهاكات الجسيمة لحقوق العمال الوافدين وحقوق الإنسان في قطر". لم تكتف المنظمة بذلك بل نشرت دليلا للصحفيين صدر في 14 نوفمبر الماضي بالعاصمة اللبنانية بيروت، من 42 صفحة عنونته "قطر: كأس العالم "فيفا"2022-دليل حقوق الإنسان للمراسلين". قالت مينكي ووردن، مديرة المبادرات العالمية في هيومن رايتس ووتش:"تستقطب كأس العالم اهتماما هائلا من الإعلام الدولي والمشجعين، لكن الجانب المظلم من البطولة يلقي بظلاله على كرة القدم. يتوقف إرث كأس العالم 2022 على إذا ماكانت قطر والفيفا ستتصديان لوفاة العمال الوافدين الذين بنوا البطولة، وتنفذ الإصلاحات العمالية الأخيرة، وتحمي حقوق الجميع في قطر، ليس فقط الزوار من المشجعين واللاعبين". ومع كل "الإصلاحات" التي أدخلتها الدولة على القوانين المنظمة للعمل والعمال ومنها مثلا، إلغاء نظام الكفالة وفتح مجال الانتقال من عمل لآخر وإلغاء إذونية الخروج من الكفيل، إلا أن هذه المنظمة لم تكتفي بذلك وصرحت قائلة:"جاءت الإصلاحات العمالية الرئيسية التي أدخلتها السلطات القطرية متأخرة أو نفذت بشكل ضعيف لم يفد الكثير من العمال". وأضافت ووردن"ما زال لدى قطر، والفيفا والجهات الراعية فرصة لإنقاذ إرث البطولة عبر معالجة انتهاكات حقوق الوافدين المرتبطة بكأس العالم وتبني إصلاحات لتحسين حماية النساء، ومجتمع الميم والوافدين-ليس فقط خلال كأس العالم-بل وبعده، يمكن للصحفيين المساعدة في تسليط الضوء على هذه القضايا الهامة". إن ما هدفت له هذه المنظمة من تأليب للصحافة الدولية ضد الدولة وبطولة كأس العالم هو التأثير على الجمهور العالمي لمقاطعة البطولة مما يؤثر على فرص نجاح البطولة جماهيريا، حيث لا بطولة لكرة القدم بلا جمهور. وللأسف استغلت بعض الدول الأوروبية ذات الأجندات الخاصة لهذه التجنيات للضغط على الدولة في الخضوع لما يتنافى مع قيمها الإسلامية والقومية وثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده، وصل لحد التهديد بالانسحاب. وارتأت الجهات المختصة بالدولة، في ظل هذه الاتهامات ومحاولة تمرير الأجندات، التعامل معها بتأن، وليس بالفعل ورد الفعل، فاحتمالات أن تخرج الأمور خارج السيطرة كانت قوية جدا. فكان "الصمت" هو الرد الإستراتيجي الذي اعتمد، وبالتنسيق مع الفيفا، لاحتواء الهجمات والمطالب التي انهالت على الجهات المحلية المنظمة للبطولة وخصوصا من بعض الدول الأوروبية. وقبل البطولة بأيام، وبعد وصول تقريبا فرق كل الدول المشاركة في البطولة للبلاد، قالت قطر كلمتها في ما يخص ما يمكن ومالا يمكن. نعم ومرحبا لكل جماهير العالم للقدوم والاستماع بالبطولة وتشجيع فرقهم المفضلة من غير وضع أي شعارات غير مقبولة وتتعارض مع قيم المجتمع، حتى المنتخبات لا يسمح لها برفع شعارات تحمل اي إيحاء سياسي أو تدعم أجندات معينة. أسبوع من الزمن وتنتهي البطولة التي شهدت نجاحا جماهيريا منقطع النظير ومفاجآت مذهلة منها وصول المغرب ولأول مرة لدور الاربعة وخروج البرازيل من البطولة بركلات الترجيح وصعود كرواتيا التي هزمتها بركلات الترجيح لدور الأربعة. نجحت الدولة بوضع عالم كرة القدم من خلال التأني في ردة الفعل أمام الأمر الواقع وأجبرت الدول ذات الأجندات الخاصة جمعيها أن تشارك في هذه البطولة التي تقام في دولة قطر الصغيرة بحجمها والكبيرة بإرادة شعبها وحكامها.
1476
| 11 ديسمبر 2022
أثناء دراستي في أوستن بولاية تكساس الأمريكية، كنا نتسوق أنا وزوجتي في أحد الأيام فولجنا لأحد المحلات الشهيرة بالمدينة يقال له "ديلارد". فإذا بأحد العاملين في المتجر يلتفت علينا ويصرخ فجأة تجاهنا ويسأل:"هل أنتما من السعودية"؟ فأجبته قائلا لا، نحن من "قطر"، فإذا به يقول، لا بأس، لكنكما من المسلمين!!؟ نعم مسلمان!! اتجهنا نحوه حامدين شاكرين لله ونحن نتساءل ما به هذا الرجل؟! أمره غريب.. ماذا يريد؟ اقتربنا منه وابتسامة عريضة ارتسمت على وجهه، فقال: أريد أن أحدثكما عن واقعة حدثت لي أمس وأنا أدرس للامتحان بمكتبة الجامعة! (جامعة ولاية تكساس) استغربنا الأمر..وتساءلنا فيما بيننا وما دخلنا نحن، كمسلمين، بدراستك بالجامعة؟ سأقص عليكما.. تفضل.. فقال: "كنت ادرس بالمكتبة استعدادا للامتحان فأدركني الملل مع التعب، فأنحيت الكتاب الذي بحوزتي جانباً، واتجهت يداي لأقرب كتاب على الرف أمامي، فإذا به القرآن مترجماً"! واسترسل قائلاً: "ويا للعجب.. فإذا بالقرآن يذكر سير كل الأنبياء والرسل الذين ذكروا في التوراة والإنجيل، كالنبي داوود وسليمان وموسى وعيسى (عليهم السلام)، يذكرهم جميعا بالخير ولا يسيء لأي منهم بما قد يجرح شعور التابعين لهم". وبعد أن أكدنا له أن من شروط إيمان المسلم أن يؤمن بأن لا اله إلا الله وبالملائكة والكتب جميعها وكل المبعوثين من الرسل والأنبياء الذين ذكروا في الكتب السماوية سالفة الذكر، وإن إيمان المسلم لا يكمل الا بذلك، ثم طلبت منه أن يتواصل معي لأمده ببعض الكتب عن الإسلام إن أراد. أسرد هذه الواقعة، والبلاد تستقبل مئات الآلاف من البشر من جميع انحاء العالم على اختلاف مشاربهم لحضور بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 التي بدأت منافساتها في العشرين من نوفمبر الماضي، ونود أن نغتنم هذا المحفل لتعريف القادمين لنا من أقاصي الأرض ودانيها، بحضارتنا الاسلامية وتقاليدنا العربية وتراثنا القطري، وغايتنا القصوى أن نتمكن من هدايتهم للإسلام، أسردها للتذكير بأن الأسلوب الدعوي الغير مباشر واعتماد أسلوب المقارنة والتحليل الذي يوافق العقلية الغربية، أجدى وأكثر ملاءمة معهم وأهل الكتاب خاصة. فالإنسان القادم من الغرب وأيضا ذلك الآتي من شرق آسيا لا يحبذان التوجيه المباشر، فلا دور للعاطفة في قراراتهم وخصوصا تلك التي قد تؤثر على مجرى حياتهم لفترة زمنية طويلة كعقيدتهم التي يؤمنون بها. فهو يسعى للمعلومات فيجمعها ويحللها ويقارنها قبل أن يصدر الأحكام. فالأفضل أن نترك لهم المجال لدراسة الإسلام وعلومه ومقارنته بالأديان الأخرى بعيدا عن الأسلوب الدعوي المباشر. والخطأ الأكبر الذي يقع فيه بعض الدعاة عندما يدعون أهل الكتاب للإسلام، أن يعتمد في ذلك المقارنة المباشرة والتقليل من ديانة الآخر وأنها قد تؤدي به لجهنم، فإن أراد الجنة فعليه أن يسلم. إن المقاربة بين الأديان، والتأكيد أن جميعها مصدرها رباني، تتابعت على مر الدهور والأزمان لتكمل شرع الله وحكمه على الأرض، وجاء الإسلام خاتمة لها لتستكمل كل الشرائع به، وإن الاسلام دين ينظم العلاقة بين العبد وربه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وأن لا أفضلية بينهم إلا بالتقوى. وكل هذه الأدلة ورد ذكرها في التوراة والإنجيل وقد بشر النبي عيسى عليه السلام بقدوم الإسلام وهو يبشر بنبي آت بعده اسمه "أحمد". هذه بعض مفاتيح للدعوة ونحن نخاطب العقلية الأجنبية الغربية فهم أهل كتاب، مع التأكيد على عدم التفضيل بين الأديان وترك ذلك للشخص ليميز ويحكم بذاته لذاته. إن أحسن الوصايا ما وصانا بها الله سبحانه وتعالى. يقول جل جلاله في محكم كتابه:" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بالمهتدين". وفي آية أخرى يذكر القرآن في دعوة أهل الكتاب فيقول: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وإليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون". إن ذلك الطالب الذي أدرك قيمة القرآن في ذكره وإنصافه لجميع الأنبياء بالصدفة واستهواه، قد لا يشعر بذات اللذة لو أن أحدا ما ناوله المصحف الشريف وطلب منه قراءته. وفي الختام، أذكر قصة إسلام الجراح الفرنسي موريس بوكاي الذي أجرى بعض الدراسات على مومياء "فرعون" وكيفية وفاته. وفي زيارة له للملكة العربية السعودية اكتشف أن القرآن قد ذكر قصة غرق فرعون كما جاء ذلك في انجيل متى ولوقا والتوراة، لكن من غير ذكر تفاصيل كما في الآية: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون".
3963
| 04 ديسمبر 2022
الرؤية بأن تكون "قطر" محور العالم تحققت يوم الأحد العشرين من نوفمبر عام 2022 بالافتتاح الرائع لبطولة كأس العالم الثاني والعشرين في قطر. هذا الافتتاح.. الذي أنتجه وأخرجه وشارك فيه شباب قطري من الجنسين ومجموعة من الإخوة العرب وغيرهم، كان إبداعا في عرضه البصري والموسيقي والثقافي الذي نقل رسائل من قطر للعالم. وأولى الرسائل كانت الدعوة للعالم للالتقاء معا على أرض قطر في البيت، في "الخيمة" حيث الضيافة العربية من خلال الترحيب القطري وشرب القهوة، وكانت ضربة الهاون هي أداة الترحيب ومناداة العالم للاجتماع في قطر. وقد كان الحفل مليئا بالرمزيات من الحوت (النهم) الدال في مظهره وحجمه على الرعب ولكنه في الحقيقة صديق للإنسان، ويعتبر بوصلة ملاحية حيث كان أمام السفينة والبحارة ومتواجدا في قطر بكثرة. ومن رمزيات الحفل، الدعوة للارتحال بتنوع البشر وكذلك الجسور المضيئة الدالة على المسافات البعيدة وتنوع الأفكار والآراء بين الناس، هذه الجسور التي ارتحلت مع المرتحلين لتصل للخيمة. ومن الرموز الجمل العربي المعبر عن الصحراء والأصالة العربية وثقافتهم. وحين نذكر الجمل فلابد أن نأتي على سيرة الهودج الذي تنقل فيه النساء تكريماً لهن وتقديرا. ومن الصور والرؤى التي نقلها الحفل، صورة المرأة القطرية / الخليجية في ملابسها التقليدية ومن ضمنها برقع الوجه (البطولة)، وحيث ذكرنا المرأة، فلابد أن نذكر أن الحفل بدأ بأغنية "ليتني خيمة" وهي أغنية فلكلورية تناشد البحر بأن يتوب من حبس البحارة في البحر فهم قد تأخروا عن الموعد السنوي التقريبي لعودتهم لديارهم، وهذه صورة عن حياة أهل قطر والخليج قبل اضمحلال تجارة اللؤلؤ واكتشاف البترول. إن عودتهم للديار وأهاليهم فرحة بسلامة عودتهم من رحلة دامت أشهراً. ولعل أكثر الفقرات التي تركت أثرا عند الجمهور الحاضر وفي أنحاء العالم كانت الفقرة التي جمعت بين الشاب "غانم المفتاح" الذي يتعرف على الممثل العالمي، الأمريكي "مورغان فريمان" الذي يمثل الغرب في ضخامته وبالتالي سطوته العالمية، وهما يعبران جسرين متقابلين معبرين عن الاختلاف، حتى يلتقيا على الأرض ويتبادلا الحديث ويذكره غانم، بأننا جميعا خلقنا من "ذكر وأنثى" لنتكاثر وإننا شعوب وقبائل، لنعمر الأرض ونعيش في هذه الدنيا لنتعارف، فمهما أبعدتنا المسافات وابتعدت، فإن العيش المشترك، مع ما يميز كل مجتمع عن الآخر والبشر بخصوصيتها وثقافتها، ممكن في "بيت واحد"، وكل ما نحتاجه اتساع المدارك واستيعاب وفهم وإدراك خصوصية الآخر.. وتأتي المبدعة دانة المير، بصوتها الشجي وهي تتقدم لدعوة كل القادمين بملابسها القطرية التقليدية، ليلتقوا جميعا في مكان واحد مع اختلاف أجناسهم وثقافتهم. لقد جسد الحفل تحقيق حلم "الحالمون" الذين آمنوا بقدرة قطر على استضافة "بطولة كأس العالم" وها هم يستضيفونها مع ما صادفها من عوائق حقيقية ووهمية آمن بها الحاقدون الذين لم يستطيعوا أن يدركوا بأن هناك غيرهم في هذا العالم يستطيع. يقول سعادة الشيخ محمد بن حمد آل ثاني في تغريدة له على موقع تويتر: "لطالما حُرمنا من حقنا أن نحلم وأن تتشعب رؤيتنا خارج إطارنا الجيوغراف. ولكن ذلك لم يثننا عن أن نحلم ونعمل بهمة وإخلاص حتى تفوق واقعنا كل أحلامنا.. هنا الدوحة، نمهد الطريق للأجيال القادمة ونلهمهم كي يكسروا الأسقف التي فرضت عليهم وعلى خيالهم وآمالهم. هنا الدوحة، صانعة الأحلام". وتقول الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني: فخورة جداً بالقائد، صاحب الرؤية، أخي، الذي تغلب على كل التحديات وجعل قطر بلد الأحلام.
1488
| 27 نوفمبر 2022
عند الحديث عن القضاء والعدالة الناجزة لابد من الاستئناس بالرسالة الشهيرة التي بعث بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي موسى الأشعري القاضي. جاء في رسالة القضاء، في المقطع المتعلق بالعدالة الناجزة قوله رضي الله عنه موجهاً حديثه لأبي موسى الأشعري ويخاطبه بصفته قاضياً «فافهم إذا أدلى إليك الخصمُ بحجته، فاقضِ إذا فهمت، وأنفذ إذا قضيت، فإنه لا ينفعُ تكلم بحق لا نفاذ له. وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف عن عدلك. بهذه الكلمات الموجزة، عبر أمير المؤمنين عن فكرة العدالة الناجزة، وأوجز التعريف بها، وحدد المقصود منها، ولم يترك بعد سبيلاً لمن يقرأها إلا أن يوعبها شرحاً وتبياناً. فلقد ربطت رسالة القضاء سرعة الفصل في الدعوى بمعيار فاصل وحاسم وهو المعيار الأهم، «الفهم». فمفهوم العدالة الناجزة من هذا المنطلق الذي حدده أمير المؤمنين يتلخص في أمرين هما: 1) إصدار الحكم القضائي 2) فهم الحجج التي يدلي بها كل خصم إن تناولي لهذا الموضوع، وإن لم أكن دارساً للقانون، يأتي من الواقع الاجتماعي الذي يتأثر سلباً وإيجاباً بالقضاء وتعامله مع قضايا الناس والفصل فيها والحكم بها وتنفيذها، بحيث نصل للعدالة الناجزة. كثير من قضايا الأفراد والمجتمع عالقة في المحاكم، وقد مرت الأيام والسنون وما زالت تراوح مكانها. ولقد أثر ذلك على علاقات الأفراد والأسر والعائلات في المجتمع، بحيث تجد الأخ في نزاع مع الأخ والأب مع الابن، وحقوق تنتظر الحسم فيها حتى يأخذ كل ذي حق حقه. فما معوقات العدالة الناجزة في مجتمعنا القطري؟ في ملتقى لمجموعة من القضاة والمحامين عقد في عام 2020 أكدوا أن معوقات العدالة الناجزة بطء إجراءات التقاضي وعدم تفعيل الإجراءات الإلكترونية والتحول إلى التقنية الرقمية لتحقيق العدالة الناجزة وعدم إجراء مراجعة شاملة للتشريعات الإجرائية. ولقد قدم الأستاذ المحامي يوسف الزمان ورقة عمل صنف فيها المشاكل التي تواجهها العدالة في المجتمعات العربية، وقدم وجهة نظره في حل هذه المشكلات قائلا: «لا خيار للعدالة في دولنا ومجتمعاتنا إلا أن ترتدي ثوباً جديداً عصرياً من التكنولوجيا والتحول الرقمي لجميع إجراءات التقاضي وتسخير التكنولوجيا الحديثة والعالم الرقمي لتسهيل وصول المتقاضين لحقوقهم، مع ضمان حماية حقوق الأفراد في الدفاع واتخاذ الإجراءات في مواجهة الخصوم وحق الادعاء العام أمام القضاء وحريته وشفوية المرافعات وعلانية الجلسات والتقاضي على درجتين». لا شك أن ما ذكره الأستاذ يوسف الزمان واقع يعيشه الناس صباحا ومساء، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً مهماً من حياتهم اليومية ومدونات لكل تفاصيل حياتهم ويسجل فيها كل صغيرة وكبيرة، لذلك هي أدوات مهمة في تحقيق العدالة الناجزة. إن كلمة صاحب السمو الأمير المفدى لدى افتتاح دور الانعقاد الثاني لمجلس الشورى، حينما قال: «ويأتي تطوير أنظمة العدالة الناجزة التي لا غنى عنها لاستقرار المعاملات، وكفالة الحقوق، فالعدالة البطيئة، كما ذكرت سابقاً في هذا المجلس الموقر، هي نوع من الظلم». هي استجابة وتفاعل مع قضايا المجتمع وتجاوب لاحتياجاته التي تأتي في مقدمتها العدالة الناجزة، وقد بعثت كلمته لقطاع كبير من المجتمع وخصوصاً أصحاب القضايا والعاملين في المجال القانوني والقضائي اطمئناناً بأن الحل قادم وإن الدولة ستعالج كل أسباب «العدالة البطيئة». وعلى مجلس الشورى أن يرقى لمسؤوليته الدستورية في معالجة قضايا الناس وصولاً للعدالة الاجتماعية التي تحتاج لتعديل ومراجعة التشريعات والقوانين النافذة حالياً. إن حزمة من التشريعات المهمة، من بينها قانون التنفيذ القضائي، وقانون المرافعات المدنية والتجارية وقانون الإجراءات الجنائية، وقانون السلطة القضائية، وقانون النيابة العامة هي الآن أمام مجلس الوزراء الموقر الذي عليه العمل منذ اللحظة في الإعداد لهذه القوانين والتشريعات وعرضها على مجلس الشورى تباعاً، فالمجلس عليه مسؤولية عظيمة أمام الأمير والشعب. وفي هذا السياق ولتكتمل الهيكلية القانونية والقضائية والتشريعية الدستورية للبلاد أصبح ضرورياً لاستقرار المجتمع وإزالة المعوقات التي تقف أمام إحقاق الحقوق المنصوص عليها دستوريا أن يتم تفعيل «المحكمة الدستورية العليا» التي تم إصدار قانون إنشائها في عام 2008. العدالة الناجزة بين الواقع والمأمول
4452
| 20 نوفمبر 2022
نشرت جريدة القبس الكويتية في عددها الصادر يوم الأحد 6 نوفمبر 2022 مقالة لسعادة الأستاذ عبدالله بشارة الأمين العام الأول (1981-1993) لمجلس التعاون لدول الخليج العربية تحت عنوان: الظاهرة القطرية.. في تلاقي الحزم والكرم. في مقالته، سرد السيد عبدالله بشارة لبعض خفايا عمل مجلس التعاون والعلاقات بين أعضائه والمسارات التي يعتمدها المجلس في اتخاذ قرارته التي تصدر عادة بالإجماع. وفي ذلك يقول السيد بشارة إن القاعدة الأساسية للمجلس لمسيرة التعاون بين الدول الأعضاء هو «احترام السيادة وحرية الحركة الدبلوماسية». احترام السيادة هذه وحرية الحركة الدبلوماسية هما ما عبر عنهما صاحب السمو الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني بعدم رضاه للسيد بشارة في مؤتمر القمة الذي عقد في مدينة أبوظبي عام 1992 عنهما. «كان المرحوم الشيخ خليفة نادرا ما يعترض على قرارات المجلس، لكنه يقف معترضا في حالتين، ضد أي قرار يرى فيه تجاوزا على سيادة الدولة، ويرفض أي قرار يتدخل في حرية الدولة في اختيار مساراتها، داخليا وفي دبلوماسيتها». ويستطرد بشارة ويقول «لم يكن ذلك الموقف محصورا في الشيخ خليفة، وإنما يشكل قاعدة ثابتة في مواقف قطر، في إطار مجلس التعاون، فلا تهاون بالأساسيات التي تشكل مقام الدولة». «لا تهاون بالأساسيات التي تشكل مقام الدولة»، إن الدلائل التي يشير إليها السيد بشارة في هذه الجملة، إن قطر ما كانت لتتنازل عن سيادتها أو قيمها ولا نهجها السياسي او الدبلوماسي من خلال مجلس التعاون، بل ان ضوابط العمل بالمجلس تنص على ذلك صراحة. هذا النهج الذي سنه الشيخ خليفة بن حمد لازال ساري المفعول، فقد ورثه صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وتوسع فيه من حيث التأكيد على سيادة الدولة ووحدة أراضيها وكذلك في خياراتها السياسية والدبلوماسية من حيث علاقاتها العربية والدولية ومسار دبلوماسيتها التي اتصفت بالانفتاح على دول العالم عامة وخصوصا دول الجوار التي تربطنا بها أواصر الدين والتاريخ المشترك. ولا يفوتني هنا أن أسجل موقف دولة قطر من ثورات الربيع العربي التي اندلعت في العام 2011 والتي وقفت فيها مساندة لحق الشعوب في تقرير مصيرها، هذا الموقف الذي انفردت به قطر من بين مجموع دول مجلس التعاون. وعلى الصعيد الداخلي ارتأت الدولة ضرورة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وانطلاقا من ذلك عقدت أول انتخابات بلدية في العام 1999، ومن ثم تم تشكيل لجنة إعداد الدستور الدائم في ذات العام، وجاء في ديباجة القرار الأميري: « وإيمانا منا بأهمية ترسيخ أسس الممارسة الديمقراطية في حياتنا السياسية والاجتماعية، وتدعيم مؤسسات الدولة وتعظيم دور المشاركة الشعبية...» وإن قطر اليوم في عهد أمير البلاد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني تسير على نهج من سبقوه من ثقة في الذات والشعب والتلاحم الذي شهده العالم في العام 2017 وما بعدها من سنوات تجلت فيها استقلالية القرار القطري في أبهى صورها والمكانة الدولية التي ارتقت ووصلت لها لتكون محل ثقة العالم شرقا وغربا للتوسط في حل كثير من مشاكله. وداخليا، استمرت عملية البناء والعمران والاستثمار في الإنسان من خلال مشاريع التعليم الأساسي والعالي والصحة من حيث التوسع في فتح كليات الطب وبناء المستشفيات والمراكز الصحية، وفوق هذا وذاك استكمال مشاريع المشاركة الشعبية حيث عقدت الانتخابات لاختيار أعضاء أول مجلس شورى منتخب في اكتوبر من عام 2021. ولا يفوتني الذكر هنا أن المكانة التي وصلت لها قطر عربيا ودوليا هيئت لها لاستضافة كأس العالم 2022 فيفا قطر. وختم عبدالله بشارة مقالته: «ما مفاتيح الأسرار التي يحملها المسؤولون في قطر؟ أوجزها – كما أراها- بما يلي: لا تعبأ بهموم، ولا تخاف من مجهول، وتغدق باليقين بأن غدا سيكون الحصاد، ولا تستحي من الفشل، وتعيش في هذا الكون بقناعة بأن الحياة فيها نجاح وفشل، فيسعدها النجاح، ولا تنهار من الفشل». نعم قطر، تصمد وتستشرف طريق المستقبل، فتتعلم من الماضي وتضع الدروس المستقاة للمستقبل، لذلك عملت في السنوات القريبة الماضية على الأمن الغذائي والمائي، واستكملت بناء المنشآت الحيوية والإستراتيجية المدنية منها مثل ميناء حمد، والعسكرية فزودت قواتها المسلحة بأحدث الأسلحة والمعدات العسكرية. أصبح التكيف مع المتغيرات نهجا أدركه الشعب القطري، فقطر تضع الخطط الذكية المناسبة لكل مرحلة، واضحة في الرؤية رغم المتغيرات المتسارعة والتحديات دوليا وعربيا، لذلك كسبت ثقة العالم واحترامه. «سيادة الدولة وحرية الدولة»
1662
| 13 نوفمبر 2022
في سبتمبر/أكتوبر من عام 2010 انتُدِبت للعمل مع اللجنة المحلية المنظمة لكأس آسيا 2011، مساعداً لمدير الاتصالات والتسويق. لقد كان العمل باللجنة على قدم وساق لضمان إنجاح البطولة تنظيمياً وجماهيرياً، وشهدت أروقة مقر اللجنة زخماً غير طبيعي ومُتابعة من الجهات العليا المدنية منها والأمنية، ليس فقط لضمان نجاحها، بل لتكون أنجح بطولات كأس آسيا، التي تقام للمرة الثانية في الدولة، وقد كانت. وفي تلك الفترة، قطر العز، اتجهت بكل طاقاتها ومسؤوليها لتناضل على جبهة بعيدة عن الوطن، هي زيورخ سويسرا، حيث مقر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، حيث كان الاتحاد الدولي يناقش ملف الدول التي تقدّمت لتنال شرف تنظيم كأس العالم 2018 و 2022، وكانت قطر من ضمنها، حيث قدّمت ملفها لتنظيم كأس العالم 2022. هذا النضال آتى أكله في العاشر من ديسمبر 2010 عندما أعلنت "فيفا" فوز قطر بتنظيم كأس العالم 2022، مُنتصرة بذلك على منافسين شرسين أقوياء لا يتوقع أحد هزيمتهم في تنظيم مثل هذه البطولات، لكن قطر المجد فعلتها، ليبدأ منذ ذلك الوقت هجوم عنيف لا هوادة فيه استُخدمت خلالها كل الوسائل الدنيئة والقذرة لتثني قطر الصمود على ما تعهّدت به أمام العالم بتنظيم بطولة "كأس عالم يفوق في دقته وتميزه عن ما مضى من بطولات، ليدخل كأس العالم 2022 التاريخ، ليس لكونها المرة الأولى التي تنظم في دولة عربية إسلامية فقط، بل لتميّز الشعب القطري بحضارة وثقافة ممزوجة بين البحر والصحراء وكرم عربي وإحسان إسلامي، وما وعدت به من بنية تحتية تشمل أحسن الملاعب وقربها لبعضها بعضا ما يتيح للجمهور الاستمتاع بأكثر من مباراة في اليوم ذاته. يومها، عند الإعلان عن فوز قطر، كنت في مطار الدوحة الدولي متهيئاً للسفرإلى مدريد "العاصمة الأسبانية" ممثلاً عن اللجنة المحلية لمتابعة إنتاج فيلم ترويجي لبطولة كأس آسيا، لقد كان الهدوء والصمت في قاعة الانتظار قبل ركوب الباص لنقلنا إلى الطائره غريباً، وكأن الناس كانوا في انتظار أمر جلل قد يحدث. وفجأة، ومن غير إنذار، وقع الحدث غير المتوقع، والبعيد حتى عن الخيال، فصرخ الكل وهاجت القاعة تصفيقاً وتعالت آيات الشكر والحمد لله، لقد فازت قطر بتنظيم كأس العالم 2022. في وسط هذا الهيجان والفرح والدموع والقُبل المُتبادلة بين المسافرين، تهنئة لبعضهم بعضا، بهذا النجاح في إقناع الفيفا بأعضائها من الدول العظمى التي نافستها قطر وفازت عليها بجدارة، في هذا المشهد الإنساني العفوي الدال عن حُب من يعيش في هذه البلاد سواء كانوا من العرب أم الغرب، احتضنتهم فاحتضنوها، وقفت متأملاً في وجوه الناس حولي ومنهم من يهنئني وما زالت سيماء الذهول تعلو وجوههم، وشردت بتفكيري، أحقاً فازت قطر؟ بلدي الصغير بحجمه وسكّانه، الكبير بشعبه وطموحه. تجمّد فيّ التفكير والتعبير، ماذا يعني كل هذا لقطر وشعبها؟ لقد شاهدنا من قبل بطولات نظّمتها دول عظمى تملك كل مقومات تنظيم مثل هذه البطولة، ليس فقط ببنيتها التحتية وملاعبها وعدد سكانها، ولكن أيضاً من حيث تشابه هذه المجتمعات في بيئتها الاجتماعية والأخلاقية، ومع ذلك لم تسلم من الآثار السلبية لتصرفات الجماهير غير الأخلاقية التي تتعارض كلياً مع أخلاق مُجتمعنا العربي المُسلم المحافظ. هذا، ناهيك عن شروط الفيفا التي تمليها عليها الشركات الراعية لها، مثل شركات المشروبات الكحولية. انتابني شعور الفخر والخوف، الفخر بوطني وشعبه، وقيادته التي تحدّت كل مُعطيات واقع القوى السياسية العالمية التي تتحكّم في الرياضة الدولية ومساراتها لتخدم مصالحها، ليس فقط الرياضية منها بل أيضاً السياسية والاقتصادية، والخوف من المجهول، المجهول الذي علينا انتظاره 12عاماً لندرك ماهيته، سواء كان خيراً أم شراً، وها هو المونديال الآن يطرق الأبواب. كنت خائفاً على المجتمع القطري، وهو مُجتمع شاب، خطا خطوات عظيمة في سنوات قليلة ولكنه مازال يانعاً، لذلك كنت رافضاً ولو بصمت، ليس لتنظيم البطولة، إنما للآثار السلبية التي قد تنتج عنها على مجتمعنا الفتي ذوي الأخلاق الإسلامية السامية والتقاليد العربية السمحة. ومع الإعلان عن فوز قطر بالتنظيم، لم ينتظرالحاسدون والحاقدون طويلاً ليبدؤوا هجومهم على البلاد، ليس فقط من دول هزّهم انتصار قطر عليهم وهم الذين يحكمون العالم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بل أيضاً من دول تعد صديقة وشقيقة، لم يتوان هؤلاء جميعاً من استخدام كل الحجج والمبرّرات للهجوم على وطننا، كونها دولة صغيرة فتية تفتقر للخبرة والدراية في تنظيم بطولات بحجم كأس العالم وتلميحاً لعروبتها وإسلامها، متناولين من ثم لقضية العمّال التي كان واضحاً فيها الدسائس والافتراءات التي غذّتها الغيرة والحسد، غذتها دول كبرى، وصغرى اعتملت في وجدانها الغيرة، وعندما فشلت كل خططهم، أرادوا استغلال قضية المثليين، ومازال هذا الهجوم مستمراً وقائماً ولم يبق على ضربة البداية إلا أقل من ثلاثة أسابيع، وليس أدل على استمرار هذا الهجوم إلا تصريح وزيرة الداخلية الألمانية التي زارت البلاد مؤخراً. أمام قطر وشعبها فرصة عظيمة، قد لا تعوّض عربياً وإسلامياً لعقود، لابد أن نُبهر العالم بالتنظيم أولاً، والدلائل كلها تشير إلى ذلك، من ملاعب استثنائية في تصميمها كملعبي البيت والجنوب وكذلك ملعبي الوسيل والثمامة. وهذه الملاعب فيها لمحات من التراث والمجتمع القطري العربي الإسلامي. إننا أمام فرصة تاريخية لنقل تراثنا الإسلامي العربي للعالم الذي لا يُدرك ماهية الإسلام الحقيقية والإرث العظيم الذي ترك أثراً حتى على الحضارة الغربية، فالجماهير القادمة لابد أن تتعرّف على تراثنا الإسلامي من سلوكنا وتصرّفاتنا مع بعضنا بعضًا ومعهم. الجماهير القطرية، وكذلك العربية، لابد أن تكون مُنظمة في الملاعب مع الجماهير القادمة من الخارج بشكل يسمح لهم بالاختلاط معهم واغتنام الفرصة للحديث قدر الإمكان عن قطر والإسلام والعروبة وقضايا أمّتنا ومنها القضية الفلسطينية العادلة. كذلك عمل مُحاضرات وجلسات وندوات مفتوحة تقدّم فيها لمحات عن الحضارة الإسلامية العربية يتحدث فيها مُختصون مُثقفون ويُفضّل من يتحدث بلغات أجنبية. إنني على يقين بقدرتنا، حكومة وشعباً وجهات منظمة، أننا سنقول للعالم ماذا يعني أن يُقام كأس العالم في دولة عربية مسلمة، نحن لا نملك النفط والغاز فقط، بل نملك حضارة عمرها أكثر من 1400 عام امتد أثرها من الجزيرة لكل العالم، بالعلم والأثر الطيّب.
1563
| 06 نوفمبر 2022
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
5055
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
3756
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...
2508
| 04 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...
1071
| 04 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
921
| 10 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...
912
| 07 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
762
| 09 مارس 2026
في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...
654
| 05 مارس 2026
رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...
639
| 05 مارس 2026
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...
603
| 04 مارس 2026
أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...
537
| 07 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
528
| 08 مارس 2026
مساحة إعلانية