رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتصرت إرادة الشعب، وتنحى مبارك عن السلطة وسلمها للمجلس العسكري الأعلى ليتولى إدارة الأمور، وتحدث بدوره عن تسليم السلطة إلى حكم مدني ديمقراطي. أعلن القرار على الشعب مساء الجمعة 11 فبراير بعد 18 يوما من الأيام العظيمة في تاريخ شعب مصر، كانت ثورة الشعب تحقق كل لحظة حركة عظيمة في كل الأماكن وعلى كافة الأصعدة، ووضعت منهجا جديدا للثورة الشعبية السلمية، وأعاد الشعب المصري اكتشاف إمكاناته وقدراته ومكنون الثقافة الإنسانية فيه، وانطلق في مسيرة تحرير الإنسان المواطن والأرض والوطن والإقليم والانتماء وحركة التحرر والقومية.
لم تكن اللحظات السابقة لإعلان التنحي توحي أن النظام الذي سقط يوم 25 يناير قد استوعب الدرس، بينما كان الشعب الذي حرر إرادته، وقدم أكثر من 400 شهيد في كل مصر، ما زال يرى أشلاء الشرطة تطارد البعض منه في المحافظات البعيدة، بل وما زالت تقتل، ورغم إدراك أن المواقف والقرارات في المجتمعات لا تتم كما قاطع التيار الكهربي، ولكنها يجب لها أن تستنفد الطاقة في اتجاه لتتحول إلى اتجاه غيره، إلا أن اتساع واستمرار جريمة القتل والإرهاب للشعب كانت تؤكد رخاوة بقايا السلطة المنحلة، وأيضا صلف أفراد منها باستمراء القتل في الشوارع، أو استخدام الإعلام ضد الشعب، ولم يعد فقط البعض الذي يقتل هو الأمن، ولكنهم صاروا من المذيعين والصحفيين الذين يمارسون القتل المعنوي، وبدا أن مصر يجب أن تغتسل ومرة واحدة من كل الأوساخ التي علقت بثوب الحرية والعزة والكرامة.
ويزداد موقف الزحف جلالا بنبأ وفاة الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان المصري زمن حرب 1973 والذي قدمه حسني مبارك لمحكمة عسكريه بتهمة إفشاء أسرار عسكرية وتم حبسه بينما كان مبارك يلتقي مع أعدائه من الصهاينة في قصور الدولة المصرية، غير عابئ أن هذا الرجل أقدم منه من حيث الترتيب العسكري، وأنه من قاد العمليات التي حررت سيناء حتى بداية الثغرة ــ بعد الدفع السياسي بقوات الاحتياط إلى الاشتباك في شرق القناة ــ بما في ذلك خطة الطيران التي سميت الضربة الجوية والتي اختزلت فيها كل حرب 73.
وبينما الشعب يزحف في اتجاه القصور الرئاسية، ويحاصرها، ويلقي بالورود إلى الحرس الجمهوري، أدارت دبابات الحرس الجمهوري أبراج مدافعها من اتجاه الشعب إلى اتجاه القصر، وكانت بشارة ما سيعلن عنه بعد ذلك. وحاصر الشعب بمئات الآلاف مبنى الإذاعة والتلفزيون وكان الحصار كافيا لإعلان إمكانية السيطرة، والاستعداد لدفع الثمن.
عند هذه اللحظة، والتي بدا فيها أن أعلى نقطة تطور في الثورة صارت لصالح الشعب، وأن الصدام بين الدبابات والشعب لن يحول دون انتصار الشعب.
أعلن نائب الرئيس الفاقد للانتماء لشعبه تنحي رئيسه للمجلس العسكري الأعلى، وأعلن المجلس أنه يعمل في إطار الشرعية الشعبية، وفي تصرف عسكري رمزي يؤدي المتحدث باسم المجلس العسكري التحية العسكرية لأرواح الشهداء على الملأ خلال إلقائه لبيان صادر عن المجلس.
انطلقت الأفراح بإزالة النظام، وتحولت مظاهرات الشهداء، إلى مسيرات بهجة واحتفال، وتبادل الجميع التهاني أن تمت إزاحة الطغيان، وبدأت موجات من الأسئلة والملاحظات تبدو أنها تتربص بالفرحة، وتضيف أسئلة لا حدود لها، وتعلن أن الشعب بكل أطيافه قد تعلم الدرس، وأن استرداده لإرادته أمر لا رجوع عنه، وأنه سيدافع عنها وبلا تهاون.
هل استوعب الجميع ماذا تريد الثورة الشعبية في مصر؟
سؤال مازال سبب كل المخاوف التي تتداعى لليوم الثاني، حيث بان أن تفريغ ميدان التحرير من المتظاهرين ليس هدف الثورة وليست مهمة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن المجلس مطالب بإجراءات يبين منها أنه استوعب المطالب ويتجه لتحقيقها.
فإذا كان المجلس قد استجاب للمطالبات الخارجية، وأكد التزامه بالاتفاقات "الدولية والإقليمية"، وكان من الغريب ذكر الإقليمية مضافة إلى الدولية، وكان واضحا أنها رسالة طمأنة لإسرائيل وأمريكا بشأن كمب ديفيد، فليس أقل من الاستجابة لمطالب الثورة الشعبية بشأن حل المجالس المزورة وإلغاء قانون الطوارئ وحل الحزب الوطني وتقديم عناصره إلى المساءلة بشأن الإفساد السياسي.
ويعلن المجلس العسكري يوم الأحد 13 فبراير تعطيل العمل بالدستور، وحل مجلسي الشعب والشورى، ويحدد فترة ستة أشهر لتوليه السلطة.
المطلب الشعبي الجوهري هو بناء الدولة المصرية الحديثة، ووضع الشعب لها مسارا محددا، وما تحقق من المطالب هو تنحي الرئيس ونائبه، وحل المجالس المزورة ولكن إلغاء قانون الطوارئ، وحل الحزب الحاكم، لم يتم بعد، بل بقيت وزارة أغلب أعضائها أيديهم ملطخة بدماء الشهداء تسير الأمور، غير عابئة بما جرى، وتتعامل ببرود امتلاك زمام الأمور.
فحكومة شفيق والتي طالبها المجلس العسكري بتصريف الأعمال، قال عنها شفيق إنها حكومة الحزب الوطني المنهار، ووعد المعتصمين في التحرير (بالبنبوني) في صلافة واستهزاء بعطاء الشعب، فكيف يتصور أحد من كان أن الصبر على ذلك يمكن أن يطول؟
وما زالت مصر في حاجة لاستعادة الحياة السياسية التي جرى تجميدها طوال الثلاثين عاما الماضية، ولن يكون انتخاب رئيس أو مجالس نيابية، من خلال ما هو قائم إلا جلب سيئ من وسط أسوأ ما تملك مصر، وعليه فإن الفترة الانتقالية هي الأساس في بناء دولة مصر العصرية، وهي فترة تديرها حكومة تكنوقراط.
ليس كافيا نزع صور الرئيس، والمطلوب نزع منهج الإدارة الذي استنه واعتبر أن الزمن كفيل بحل الأزمات ونسيان المطالب، بالإضافة إلى نزع الأشخاص الذين تطالهم شبهة التآمر على الشعب، فقد كان غريبا أن يكون من بين الوزراء المجتمعين في مجلس الوزراء يوم الأحد 13 فبراير كل من مفيد شهاب، وأبو الغيط، وسامح فهمي، وكل منهم بالأساس متهم بمواقف معادية للشعب وحقوقه، وذلك مجرد مثال كاشف.
فالحكومة الانتقالية تحت رئاسة يمثلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو يضافا إليه مدنيون، تعني بالأساس فتح الباب أمام تكوين الأحزاب وإطلاق حرية إصدار الصحف وتكوين جمعية تأسيسية لإصدار الدستور والقوانين المكملة له، وليس مجرد لجنة تقوم بأعمال الترقيع بعيدا عن إرادة الشعب، والاكتفاء بالاستفتاء قبولا أو رفضا لإقرار الدستور، خاصة أن البعض ممن أنيط بهم التعديلات من قبل هاجم ثورة الشعب وقال: إن فترة شهرين كافية لإتمام التعديلات، ولكنه لم يلق ببصره إلى موت الحياة السياسية، سواء من حيث غياب كافة النقابات العمالية أو المهنية، أو عجز الأحزاب عن التعبير عن الإرادة الشعبية التي تجاوزتهم، حتى أن مشهد البعض منهم في المؤتمرات الصحفية التي يعقدونها يبدو مضحكا كونه يتحدث إلى نفسه عما يرضيه هو وليس عما يحتاجه الشعب.
عندما تدب الحياة والحيوية بالمشاركة الشعبية في الحياة السياسية، يمكن أن نقول إن الدولة المصرية وصلت إلى قاعدة الانطلاق إلى المستقبل.
وهنا يجب مواجهة الحقيقة، أن ستة أشهر لا تبدو الفترة الكافية لتحقيق مهام إعادة الحياة السياسية، لذا يجب أن يتم حوار بين المجلس العسكري وقيادته من ناحية وبين الشعب، وعبر أدوات اتصال مفتوحة لكل العناصر السياسية في الوطن، وهو أمر لصالح مصر، فضلا عن كونه يعيد التوازن إلى الرؤية الشعبية لمطالب التغيير.
الأمثلة واضحة حول مدى الفترات الانتقالية، ففي تجربة السودان وحركة النقابات ضد النميري وتولي سوار الذهب المسؤولية، ورغم نضج الحالة الحزبية والنقابية في السودان إلا أن الأمر تطلب عاما لنقل السلطة. وفي حالة الجزائر بعد الشاذلي بن الجديد والتي أتاحت مدة أقل من ثلاثة أشهر لمجرد محاولة إثبات أنها ديمقراطية، أدت إلى عشر سنوات من المذابح، ولم تخرج منها الجزائر بعد.
وبدأت موجة جديدة من التظاهرات والاعتصامات ترفع مطالب اجتماعية تحتاج إلى حديث من المجلس العسكري يتجاوز البيانات بالقرارات، مع الجماهير حتى تصل إلى الجماهير رسالة بجدية التعامل مع احتياجاتها، أما لماذا من المجلس العسكري؟، فالإجابة لأن الوزارة القائمة فاقدة المصداقية لدى الشعب. فهي ما زالت ترى أن هناك احتمالا بعودة نائب الرئيس المتجاوز قدره مع الشعب إلى الحياة السياسية، وهو شخص رفضته الثورة كما أنها تضع علامات استفهام حول مراد موافي رئيس جهاز المخابرات العامة الجديد، لأنه تطاول على أهل سيناء واصفا إياهم بأنهم عملاء لإسرائيل، وإذا تمردوا عليها فإنها تضربهم "بالجزمة"، وغير هذا فإن عقيدته القتالية محل شك، فهو يرى أن إلغاء كمب ديفيد سيؤدي إلى حرب تعود بمصر قرونا إلى الوراء، فكيف بهذه العقليات المهزومة أن تدير وطن ما بعد الثورة.
وعلى الضفة الأخرى في جانب الحركة الشعبية يبدو أن هناك نوعا من الارتباك، يحتاج إلى يقظة عالية، فليس هناك اتحاد للعمال وليس هناك نقابات، كما أن الأحزاب قد فقدت مصداقيتها لدى الشعب، وإلا لماذا تولى الشعب الأمر بيده وأزاح النظام بدعوة خرجت من داخله.
ولا يجب اختزال ثورة شعب بأكمله وفي كل الوطن، فيمن كانوا بميدان التحرير، والذي صار رمزا لهذه الثورة الشعبية الشاملة، ولا يجب اختزال ما يمثله الميدان، في الشباب الذي تصدر الثورة وكان لهيبها وقدم الشهداء قربانا ليوم التحرير، ولا يجب اختزال الشباب في حزب للشباب يضم البعض ولا يضم الآخرين ولكنه يجب أن يكون لكل من يشاء حزبه المعبر عنه، ولا يجب اختزال كل هذا في بعض من الأفراد هم المتحاورون أو المتحدثون باسم الثورة، فهذا يفتح الباب إلى تقزيم الزخم الشعبي العظيم من حول الثورة وأهدافها، وليس من الممكن تعويض خسائر 30 عاما خلال 180 يوما فقط، إلا إذا كان الهدف ليس وضع أساس الدولة العصرية بكل الشعب ولكل الشعب.
هكذا انتصرت ثورة مصر نصرا عزيزا وبدأ الجهاد الأكبر لبناء مصر العصرية.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
871
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
625
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
528
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7281
| 11 أغسطس 2026
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
5490
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2478
| 16 أغسطس 2026