رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتصرت إرادة الشعب، وتنحى مبارك عن السلطة وسلمها للمجلس العسكري الأعلى ليتولى إدارة الأمور، وتحدث بدوره عن تسليم السلطة إلى حكم مدني ديمقراطي. أعلن القرار على الشعب مساء الجمعة 11 فبراير بعد 18 يوما من الأيام العظيمة في تاريخ شعب مصر، كانت ثورة الشعب تحقق كل لحظة حركة عظيمة في كل الأماكن وعلى كافة الأصعدة، ووضعت منهجا جديدا للثورة الشعبية السلمية، وأعاد الشعب المصري اكتشاف إمكاناته وقدراته ومكنون الثقافة الإنسانية فيه، وانطلق في مسيرة تحرير الإنسان المواطن والأرض والوطن والإقليم والانتماء وحركة التحرر والقومية.
لم تكن اللحظات السابقة لإعلان التنحي توحي أن النظام الذي سقط يوم 25 يناير قد استوعب الدرس، بينما كان الشعب الذي حرر إرادته، وقدم أكثر من 400 شهيد في كل مصر، ما زال يرى أشلاء الشرطة تطارد البعض منه في المحافظات البعيدة، بل وما زالت تقتل، ورغم إدراك أن المواقف والقرارات في المجتمعات لا تتم كما قاطع التيار الكهربي، ولكنها يجب لها أن تستنفد الطاقة في اتجاه لتتحول إلى اتجاه غيره، إلا أن اتساع واستمرار جريمة القتل والإرهاب للشعب كانت تؤكد رخاوة بقايا السلطة المنحلة، وأيضا صلف أفراد منها باستمراء القتل في الشوارع، أو استخدام الإعلام ضد الشعب، ولم يعد فقط البعض الذي يقتل هو الأمن، ولكنهم صاروا من المذيعين والصحفيين الذين يمارسون القتل المعنوي، وبدا أن مصر يجب أن تغتسل ومرة واحدة من كل الأوساخ التي علقت بثوب الحرية والعزة والكرامة.
ويزداد موقف الزحف جلالا بنبأ وفاة الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان المصري زمن حرب 1973 والذي قدمه حسني مبارك لمحكمة عسكريه بتهمة إفشاء أسرار عسكرية وتم حبسه بينما كان مبارك يلتقي مع أعدائه من الصهاينة في قصور الدولة المصرية، غير عابئ أن هذا الرجل أقدم منه من حيث الترتيب العسكري، وأنه من قاد العمليات التي حررت سيناء حتى بداية الثغرة ــ بعد الدفع السياسي بقوات الاحتياط إلى الاشتباك في شرق القناة ــ بما في ذلك خطة الطيران التي سميت الضربة الجوية والتي اختزلت فيها كل حرب 73.
وبينما الشعب يزحف في اتجاه القصور الرئاسية، ويحاصرها، ويلقي بالورود إلى الحرس الجمهوري، أدارت دبابات الحرس الجمهوري أبراج مدافعها من اتجاه الشعب إلى اتجاه القصر، وكانت بشارة ما سيعلن عنه بعد ذلك. وحاصر الشعب بمئات الآلاف مبنى الإذاعة والتلفزيون وكان الحصار كافيا لإعلان إمكانية السيطرة، والاستعداد لدفع الثمن.
عند هذه اللحظة، والتي بدا فيها أن أعلى نقطة تطور في الثورة صارت لصالح الشعب، وأن الصدام بين الدبابات والشعب لن يحول دون انتصار الشعب.
أعلن نائب الرئيس الفاقد للانتماء لشعبه تنحي رئيسه للمجلس العسكري الأعلى، وأعلن المجلس أنه يعمل في إطار الشرعية الشعبية، وفي تصرف عسكري رمزي يؤدي المتحدث باسم المجلس العسكري التحية العسكرية لأرواح الشهداء على الملأ خلال إلقائه لبيان صادر عن المجلس.
انطلقت الأفراح بإزالة النظام، وتحولت مظاهرات الشهداء، إلى مسيرات بهجة واحتفال، وتبادل الجميع التهاني أن تمت إزاحة الطغيان، وبدأت موجات من الأسئلة والملاحظات تبدو أنها تتربص بالفرحة، وتضيف أسئلة لا حدود لها، وتعلن أن الشعب بكل أطيافه قد تعلم الدرس، وأن استرداده لإرادته أمر لا رجوع عنه، وأنه سيدافع عنها وبلا تهاون.
هل استوعب الجميع ماذا تريد الثورة الشعبية في مصر؟
سؤال مازال سبب كل المخاوف التي تتداعى لليوم الثاني، حيث بان أن تفريغ ميدان التحرير من المتظاهرين ليس هدف الثورة وليست مهمة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن المجلس مطالب بإجراءات يبين منها أنه استوعب المطالب ويتجه لتحقيقها.
فإذا كان المجلس قد استجاب للمطالبات الخارجية، وأكد التزامه بالاتفاقات "الدولية والإقليمية"، وكان من الغريب ذكر الإقليمية مضافة إلى الدولية، وكان واضحا أنها رسالة طمأنة لإسرائيل وأمريكا بشأن كمب ديفيد، فليس أقل من الاستجابة لمطالب الثورة الشعبية بشأن حل المجالس المزورة وإلغاء قانون الطوارئ وحل الحزب الوطني وتقديم عناصره إلى المساءلة بشأن الإفساد السياسي.
ويعلن المجلس العسكري يوم الأحد 13 فبراير تعطيل العمل بالدستور، وحل مجلسي الشعب والشورى، ويحدد فترة ستة أشهر لتوليه السلطة.
المطلب الشعبي الجوهري هو بناء الدولة المصرية الحديثة، ووضع الشعب لها مسارا محددا، وما تحقق من المطالب هو تنحي الرئيس ونائبه، وحل المجالس المزورة ولكن إلغاء قانون الطوارئ، وحل الحزب الحاكم، لم يتم بعد، بل بقيت وزارة أغلب أعضائها أيديهم ملطخة بدماء الشهداء تسير الأمور، غير عابئة بما جرى، وتتعامل ببرود امتلاك زمام الأمور.
فحكومة شفيق والتي طالبها المجلس العسكري بتصريف الأعمال، قال عنها شفيق إنها حكومة الحزب الوطني المنهار، ووعد المعتصمين في التحرير (بالبنبوني) في صلافة واستهزاء بعطاء الشعب، فكيف يتصور أحد من كان أن الصبر على ذلك يمكن أن يطول؟
وما زالت مصر في حاجة لاستعادة الحياة السياسية التي جرى تجميدها طوال الثلاثين عاما الماضية، ولن يكون انتخاب رئيس أو مجالس نيابية، من خلال ما هو قائم إلا جلب سيئ من وسط أسوأ ما تملك مصر، وعليه فإن الفترة الانتقالية هي الأساس في بناء دولة مصر العصرية، وهي فترة تديرها حكومة تكنوقراط.
ليس كافيا نزع صور الرئيس، والمطلوب نزع منهج الإدارة الذي استنه واعتبر أن الزمن كفيل بحل الأزمات ونسيان المطالب، بالإضافة إلى نزع الأشخاص الذين تطالهم شبهة التآمر على الشعب، فقد كان غريبا أن يكون من بين الوزراء المجتمعين في مجلس الوزراء يوم الأحد 13 فبراير كل من مفيد شهاب، وأبو الغيط، وسامح فهمي، وكل منهم بالأساس متهم بمواقف معادية للشعب وحقوقه، وذلك مجرد مثال كاشف.
فالحكومة الانتقالية تحت رئاسة يمثلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو يضافا إليه مدنيون، تعني بالأساس فتح الباب أمام تكوين الأحزاب وإطلاق حرية إصدار الصحف وتكوين جمعية تأسيسية لإصدار الدستور والقوانين المكملة له، وليس مجرد لجنة تقوم بأعمال الترقيع بعيدا عن إرادة الشعب، والاكتفاء بالاستفتاء قبولا أو رفضا لإقرار الدستور، خاصة أن البعض ممن أنيط بهم التعديلات من قبل هاجم ثورة الشعب وقال: إن فترة شهرين كافية لإتمام التعديلات، ولكنه لم يلق ببصره إلى موت الحياة السياسية، سواء من حيث غياب كافة النقابات العمالية أو المهنية، أو عجز الأحزاب عن التعبير عن الإرادة الشعبية التي تجاوزتهم، حتى أن مشهد البعض منهم في المؤتمرات الصحفية التي يعقدونها يبدو مضحكا كونه يتحدث إلى نفسه عما يرضيه هو وليس عما يحتاجه الشعب.
عندما تدب الحياة والحيوية بالمشاركة الشعبية في الحياة السياسية، يمكن أن نقول إن الدولة المصرية وصلت إلى قاعدة الانطلاق إلى المستقبل.
وهنا يجب مواجهة الحقيقة، أن ستة أشهر لا تبدو الفترة الكافية لتحقيق مهام إعادة الحياة السياسية، لذا يجب أن يتم حوار بين المجلس العسكري وقيادته من ناحية وبين الشعب، وعبر أدوات اتصال مفتوحة لكل العناصر السياسية في الوطن، وهو أمر لصالح مصر، فضلا عن كونه يعيد التوازن إلى الرؤية الشعبية لمطالب التغيير.
الأمثلة واضحة حول مدى الفترات الانتقالية، ففي تجربة السودان وحركة النقابات ضد النميري وتولي سوار الذهب المسؤولية، ورغم نضج الحالة الحزبية والنقابية في السودان إلا أن الأمر تطلب عاما لنقل السلطة. وفي حالة الجزائر بعد الشاذلي بن الجديد والتي أتاحت مدة أقل من ثلاثة أشهر لمجرد محاولة إثبات أنها ديمقراطية، أدت إلى عشر سنوات من المذابح، ولم تخرج منها الجزائر بعد.
وبدأت موجة جديدة من التظاهرات والاعتصامات ترفع مطالب اجتماعية تحتاج إلى حديث من المجلس العسكري يتجاوز البيانات بالقرارات، مع الجماهير حتى تصل إلى الجماهير رسالة بجدية التعامل مع احتياجاتها، أما لماذا من المجلس العسكري؟، فالإجابة لأن الوزارة القائمة فاقدة المصداقية لدى الشعب. فهي ما زالت ترى أن هناك احتمالا بعودة نائب الرئيس المتجاوز قدره مع الشعب إلى الحياة السياسية، وهو شخص رفضته الثورة كما أنها تضع علامات استفهام حول مراد موافي رئيس جهاز المخابرات العامة الجديد، لأنه تطاول على أهل سيناء واصفا إياهم بأنهم عملاء لإسرائيل، وإذا تمردوا عليها فإنها تضربهم "بالجزمة"، وغير هذا فإن عقيدته القتالية محل شك، فهو يرى أن إلغاء كمب ديفيد سيؤدي إلى حرب تعود بمصر قرونا إلى الوراء، فكيف بهذه العقليات المهزومة أن تدير وطن ما بعد الثورة.
وعلى الضفة الأخرى في جانب الحركة الشعبية يبدو أن هناك نوعا من الارتباك، يحتاج إلى يقظة عالية، فليس هناك اتحاد للعمال وليس هناك نقابات، كما أن الأحزاب قد فقدت مصداقيتها لدى الشعب، وإلا لماذا تولى الشعب الأمر بيده وأزاح النظام بدعوة خرجت من داخله.
ولا يجب اختزال ثورة شعب بأكمله وفي كل الوطن، فيمن كانوا بميدان التحرير، والذي صار رمزا لهذه الثورة الشعبية الشاملة، ولا يجب اختزال ما يمثله الميدان، في الشباب الذي تصدر الثورة وكان لهيبها وقدم الشهداء قربانا ليوم التحرير، ولا يجب اختزال الشباب في حزب للشباب يضم البعض ولا يضم الآخرين ولكنه يجب أن يكون لكل من يشاء حزبه المعبر عنه، ولا يجب اختزال كل هذا في بعض من الأفراد هم المتحاورون أو المتحدثون باسم الثورة، فهذا يفتح الباب إلى تقزيم الزخم الشعبي العظيم من حول الثورة وأهدافها، وليس من الممكن تعويض خسائر 30 عاما خلال 180 يوما فقط، إلا إذا كان الهدف ليس وضع أساس الدولة العصرية بكل الشعب ولكل الشعب.
هكذا انتصرت ثورة مصر نصرا عزيزا وبدأ الجهاد الأكبر لبناء مصر العصرية.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43557
| 14 سبتمبر 2026
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8826
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7185
| 15 سبتمبر 2026