رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بالنظر إلى عنوان المنتدى بعناية وتمعن، يتبين أن اللغة العربية في أزمة حقيقية، بل في مأزق كبير، من حيث الهجر والتداول، والهجوم والانتقاد، ومن قبل من؟ من قبل أبنائها وبني جلدتها، ومن يلبس ثوبها النقي الأصيل. فقد توالت الهجمات الشرسة على اللغة العربية، والطعن فيها، وانتقادها واتهامها بأنها لغة بالية قديمة، ليست عصرية، وغير قابلة للتطور، وغير مواكبة للحداثة، وغير صالحة للعلم، فهي ليست لغة العلم ولا العصر، ولا لغة التكنولوجيا والكمبيوتر والمعلومات، بل لغة المتخلفين غير المثقفين من بني البشر، فهي لغة متخلفة عن الركب الحضاري. ولذا، فهُجرت اللغة العربية من أهلها إلى لغة الأعاجم من الغربيين الأوروبيين والإنجليز والأمريكيين، فأصبح اهتمام الأسر العربية والمثقفين العرب ينصب على اللغة الإنجليزية، وإتقانها والتحدث بها والتواصل من خلالها، وكأنها اللغة الوحيدة في العالم، وعلى حساب اللغة الأصلية للمجتمعات العربية. فأصبحت المجتمعات العربية تتباهي بأبنائها الراطنين باللغة الإنجليزية، والمتحدثين بها على الملأ في المحافل المحلية والإقليمية والدولية، وهناك أمثلة كثيرة على مستوى الوطن قد يأتي ذكرها لاحقا إن اتسعت المساحة المتاحة.
ومن هنا جاء الشعور بالأزمة، ودق ناقوس الخطر، مما أدى إلى تأسيس "المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية" وإخراجها من أزمتها، فتبنت دولة قطر مشكورة ممثلة في "مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع" قضية اللغة العربية بكل فخر واعتزاز وشعور بالانتماء الحقيقي لأمتها العربية، واعتبرتها قضيتها الأساسية باعتبارها قضية وجود وكيان وهوية، فاحتضنت المؤتمرات والندوات والمنتديات، وأقامتها على أرضها لبحث الأزمة، وتشخيصها، وتحديد أسبابها، والعمل على علاجها في نهاية المطاف من خلال اقتراح بعض الحلول الناجعة في ضوء أسباب المشكلة وانعكاساتها على الناشئة من أبناء الأمة عامة، والوطن بشكل خاص. وتأكيدا لذلك، وانطلاقا من هذا الشعور، جاءت المطالبة القطرية بضرورة وجود إرادة عربية رسمية ونخبوية وشعبية لحماية اللغة العربية من الضياع والتدهور، وذلك على لسان رئيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سمو الشيخة موزا بنت ناصر في كلمتها الافتتاحية لمنتدى النهوض باللغة العربية تحت شعار "التنشئة اللغوية للطفل العربي: الواقع وآفاق المستقبل" والذي عقد في الدوحة في الفترة (من 20 -21 يناير 2016م). ولم تقتصر الكلمة الافتتاحية على هذه المطالبة، بل شملت بعض المحددات والأسباب التي أدت بالجمهور إلى هجر لغتهم وضعف الاهتمام العام بها من قبل الأطفال والشباب والأسر وأولياء الأمور والمسؤولين في الدول العربية عامة، وقطر بشكل خاص على مستوى القطاعين العام والخاص. واختتمت الكلمة بالإشارة إلى بعض أساليب العلاج مثل ضرورة الاهتمام بمناهج اللغة العربية وتبسيطها، متضمنة بعض الإشارات والأحاسيس الوطنية، والاعتزاز بالهوية العربية مثل "الأمم تتحصن بلغاتها، والعربية بالنسبة إلينا هي الهوية الواقعية، والعربية هي صوتنا الذي نحضر بحضوره ونغيب بغيابه". وتُعزز هذه العبارات والتوجهات والأحاسيس، بعبارات مماثلة نابعة من الاعتزاز باللغة والهوية ومدى ترابطهما ببعضهما البعض من التربوي القطري الأول الدكتور عبدالعزيز بن تركي السبيعي، وزير التربية والتعليم الأسبق في كلمته بالمنتدى باعتباره رئيس مجلس أمناء المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية بإشاراته الداعمة بقوله "إن للتنشئة اللغوية للطفل دورا كبيرا، ومهما في ترسيخ الهوية، وإرساء الثقافة، وبسط اللسان في حقول المعرفة والعلم، والإسهام في العطاء والبناء، والتقدم الحضاري للأمة". وليس هذا فحسب، بل أظهر السبيعي أيضا إيمانه الراسخ بقوة اللغة العربية في مواجهة التحديات بقوله "إنه على الرغم من التحديات والعقبات التي تواجه تطور اللغة العربية، إلا أنها منطلقة في ركبها بإذن الله، وأنها باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مؤكدا أنه لا وجود لمن لا هوية له، ومن أراد الخلود فعليه الاعتزاز بلغة الضاد. وطالب رئيس مجلس أمناء المنظمة في نهاية كلمته بعدم اللحن في اللغة العربية، والزج باللهجات العامية، وإدخال الكلمات الأجنبية دون مبرر، (الشرق والراية، الخميس 21 يناير 2016). هذا ما ورد في كلمتي الافتتاح من رموز كبار في الدولة، ومعنيين باللغة العربية، وليسمع السامعون، والمتغنون باللغات الأعجمية اعتزازا وافتخارا وتباهيا وتظاهرا بالثقافة، وكأن الثقافة لا تستقيم إلا بالرطانة والتغني بلغة الأجنبي الغربي الإنجليزي، وكأنه لا ثقافة بدونها، ولا حضارة في غيابها، فالتحدث والتغني بلغة الغير ليست معياراً للثقافة، ولا دليلا على التقدم والرقي، فليس كل من تحدث الإنجليزية تقدم، وليس كل من لم يتحدث الإنجليزية تأخر. وكل من خاطب جمهوره وقومه ومواطنيه بلغة غير لغتهم تعالى عليهم. ولذا، فلتسمع تلك الفتاة القطرية التي أصرت على التحدث إلى جمهورها العربي الخليجي في ندوة محلية في قطر بالإنجليزية، ولتسمع تلك المسؤولة التي تصر في كل مناسبة إلا فيما ندر على التحدث إلى جمهورها العربي في غالبيته باللغة الإنجليزية، ولتسمع تلك المديرة التي ترفض قبول أي عضو لا يتحدث الإنجليزية في أي لجنة من لجان إدارتها أو قسمها الذي تديره، وليسمع ذلك المسؤول الكبير في مؤسسته الذي لا يحلو له الحديث إلا بلغة الغير، ولتسمع تلك الأم القطرية المرتدية لزيها الوطني التي تصر على أن تخاطب أبناءها وبناتها في الجمعيات والمجمعات التجارية باللغة الإنجليزية، ولتتذكر هذه الأم، وغيرها من الأمهات اللاتي لا يستقيم بهن الأمر إلا بالتفوه بكلمات إنجليزية للظهور بمظهر حضاري مزيف أمام الملأ أن "التنشئة اللغوية هي الهوية". وما ذلك إلا نتيجة طبيعية للانبهار بلغة الغير، والاعتزاز بها، وإنكار الأصل، لغة المجتمع، اللغة العربية .. لغة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقومه وأمته، التي شرفها الله من أعلى سابع سماء إذ اختارها لغة سامية لكتابه العزيز "القرآن الكريم". فهل يعقل أن تستبدل لغتنا العربية، ولغة قرآننا الكريم، بلغة قوم آخرين لم تشرف ولم تكرم سماويا، ولماذا نحن العرب هم الذين يجب أن يتخلوا عن مبادئهم وقيمهم وهويتهم وثقافتهم من أجل مظهر حضاري، أو مطلب دنيوي زائل لا محالة، ولماذا لا نكون أقوياء بما فيه الكفاية، ونتمسك بقيمنا ومبادئنا وثقافتنا وهويتنا، شأننا في ذلك شأن الأمم الأخرى، كاليابانيين، والصينيين، والكوريين، والألمان، والفرنسيين، وحتى الإيرانيين وغيرهم من الشعوب والأمم الحرة المعتزة بلغتها وثقافتها وهويتها. فالعيب فينا، والخلل فينا، ولا يمكن إصلاحه إلا من خلالنا، وبإرادتنا الذاتية وبشكل فردي أولا، وليس جماعيا، وذلك لأن مسؤولية الجميع مسؤولية لا أحد، أما مسؤولية الفرد فهي مسؤولية الكل. وتأسيسا لما ورد في كلمة الشيخة موزا بنت ناصر، فالحاجة ماسة لإرادة وطنية قبل أن تكون عربية، فهي وطنية أولا، تتسع رقعة انتشارها فيما بعد شيئا فشيئا لتصبح إرادة عربية رسمية نخبوية شعبية. ولنبدأ بالوطن، بقطر، فمعظم مؤسسات الدولة العامة والخاصة للأسف لا تدعم جهود النهوض باللغة العربية في متطلباتها وشروطها وتركيبتها الداخلية، ومواصلتها مع الآخرين، ولغة التواصل فيما بين المنتسبين للمؤسسة الواحدة، فلنأخذ جامعة قطر على سبيل المثال، وعلى المستوى الرسمي ناهيك عن المستوى الشخصي لمنتسبي الجامعة، فالجامعة في غالبيتها رطانة في رطانة، ولحن في لحن، وكلمات إنجليزية بمبرر وبغير مبرر، فتتعثر الرطانة أحيانا، وينكسر اللحن أحيانا أخرى نتيجة لمحاولة المسايرة ممن تعجز ألسنتهم عن الرطانة واللحن باللغة الإنجليزية، فالاجتماعات في معظمها تدار بغير اللغة العربية، ومعظم المؤتمرات تغلب عليها اللغة الإنجليزية، ورش العمل، والندوات العلمية والثقافية تقدم باللغة الإنجليزية، والمراسلات والمخاطبات تتم في معظمها باللغة الإنجليزية، والكثير من المقررات الدراسية تدرس باللغة الإنجليزية، ومقررات الدراسات العليا، ووفقا لتوجهات وسياسات جامعية عامة تطرح وتدرس باللغة الإنجليزية، وشروط القبول محكومة بنتائج اختبارات اللغة الإنجليزية، مما يشكل هاجسا كبيرا للطلبة قبل دخولهم الجامعة، وبفترة ليست بالقصيرة، مما يدفعهم إلى التوجه نحو اتقان اللغة الإنجليزية، واجتياز اختباراتها، ويدفعون ذلك من وقتهم وجهدهم، ويصرفهم عن الاهتمام بلغتهم وقراءاتهم الذاتية بلغتهم العربية، أوليس في هذا انصرافاً وغفلة عن الاهتمام باللغة العربية؟ وماذا بقي في الجامعة للغة العربية، ففي الواقع لم يبقى شيء، وحتى أسماء الطلبة في كشوف الغياب والدرجات تصدر باللغة الإنجليزية، وموجودة على نظام البنر باللغة الإنجليزية، فأين العربية في مؤسستنا الوطنية؟ وكيف يمكن لهذه المؤسسة، ومن في حكمها من مؤسسات الدولة في ظل هذه الاتجاهات والسياسات والقناعات أن تدعم توجهات وجهود النهوض باللغة العربية، وحمايتها من الضياع. سؤال يحتاج إلى إجابة شافية وافية. وعلى فكرة، فالأمر لا يقتصر على جامعة قطر، كما وردت الإشارة آنفا، بل يتعداها ليشمل مؤسسات أخرى في الدولة مقتنعة تمام الاقتناع بهذا التوجه والاتجاه، ولديها نفس القناعات. ولذا، فنقول ونصر مرة أخرى وثانية وثالثة على أن الحاجة ماسة إلى إرادة وطنية في المقام الأول، قبل أن تكون عربية، والله من وراء القصد.
ترامب.. والمعادلة المتناقضة الأطراف
يرى المتتبع لتصريحات الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» منذ ترشيح نفسه للرئاسة الأمريكية إلى الآن، وبعد تنصيبه بشكل رسمي... اقرأ المزيد
927
| 19 فبراير 2025
أمة تائهة بين السبات والممات
لا يخفى على أحد ما تمر به الشعوب العربية والإسلامية من حيرة تجاه حال أمتها من غياب فعلي... اقرأ المزيد
1863
| 09 أبريل 2024
حماس وداعش.. والمقاربة الباطلة
في ظل غياب القيم الأخلاقية، تضيع المبادئ، وتُزدوج المعايير، وتختل الموازين، وتختلط بعد ذلك الأمور، وتُغلب المصالح، ويسود... اقرأ المزيد
2457
| 30 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10299
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8271
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2301
| 08 سبتمبر 2026