رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يمكن الزعم بأن أمام غالبية المدن الكبرى داخل مجلس التعاون الخليجي طريقا طويلا لقطعه لاحتلال مواقع قيادية عالمية بشأن نوعية الحياة، وقد تأكد ذلك من خلال تقرير ميرسر لجودة المعيشة لعام 2015 والذي صدر حديثا.
باختصار، لم تأت أي من مدن مجلس التعاون الخليجي ضمن قائمة أفضل 50 مدينة في العالم. في الواقع، فإن أفضل نتيجة لأي مدينة عربية هي المرتبة رقم 74 لمدينة دبي.
حقيقة القول، يتميز تقرير ميرسر من بين منافسيه بتوفير مقارنة لعدد كبير من المدن في جميع أنحاء العالم، وتحديدا 230 في المجموع. كما تتميز الدراسة باعتمادها على ما يقرب من 40 متغيرا مجمعة في 10 فئات. يأخذ التقرير بصورة جوهرية تأثير المتغيرات في المدن المختلفة بالنسبة للمغتربين أو العمالة الوافدة.
تتكون الفئات من البيئة السياسية والاجتماعية (الاستقرار والجريمة)، البيئة الاقتصادية (التضخم وقيمة العملة)، البيئة الثقافية والاجتماعية (الرقابة الإعلامية)، الاعتبارات الطبية والصحية (تلوث الهواء)، المدارس والتعليم (توافر المدارس الدولية)، الخدمات العامة والنقل (الاختناقات المرورية)، البيئة الطبيعية (الكوارث)، الترفيه، السلع الاستهلاكية، والإسكان.
فيما يخص أداء المدن الرئيسية في دول مجلس التعاون، فقد حافظت أهم مدينتين في دولة الإمارات العربية المتحدة على مواقعها بين المدن العربية فيما يخص نوعية المعيشة.
في الواقع، خسرت دبي مرتبة واحدة في غضون عام واحد وعليه حلت في المرتبة رقم 74 دوليا لكن يبقى هذا الترتيب الأفضل في منطقة الشرق الأوسط.
بدورها، تمكنت العاصمة أبو ظبي من تعزيز ترتيبها مرتبة واحدة وصولا للمرتبة 77 على مستوى العالم.
تقع دبي وأبو ظبي ضمن قائمة أفضل 100 مدينة على مستوى العالم فيما يخص معيار نمط المعيشة، وهذا يعني بأن مدينتي دبي وأبو ظبي تتمتعان بتصنيف أفضل من مدن عالمية أخرى مثل وارسو، وكوالالمبور، وشنغهاي، على سبيل المثال لا الحصر.
مما لا شك فيه، يعد مترو دبي أحد المساهمين في تعزيز نوعية الحياة في المدينة من خلال نقل أكثر من 400 ألف مسافر يوميا على جميع محطات الشبكة. لكن يؤخذ على المشروع اضطرار البعض للوقوف في القطارات لفترات طويلة كل ذلك بسبب حجم الطلب. وتبين بأن السواد الأعظم من مستخدمي مترو دبي هم من المغتربين. شخصيا لمست بأن شبكة المترو مشهورة لدى العمالة الفلبينية على وجه التحديد بغية التنقل بين العمل والسكن بدل الاعتماد على خيار سيارات الأجرة نظرا لتباين مستوى الكلفة.
يبقى بأن التصنيف العالمي لباقي مدن مجلس التعاون على النحو التالي: مسقط 104، الدوحة 108، مدينة الكويت 125، المنامة 130، الرياض 163، وأخيرا جدة 166 من بين 230 مدينة عالمية مصنفة في التقرير. من الواضح أن بعض مدن دول مجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى تعزيز ترتيبها في ظل المنافسة العالمية.
للإنصاف، تتميز دول مجلس التعاون الخليجي على مستوى العالم بتقبلها للعمالة المغتربة بدليل تشكيل العمالة الوافدة الأكثرية بين القوى العاملة في جميع دول مجلس التعاون. بل يعد التواجد اللافت للعمالة الوافدة في دول مجلس التعاون أمرا غير عادي على مستوى العالم، حيث تفرض العديد من الدول الأخرى قيودا على دخول العمالة الوافدة بحجة ضمان ذهاب الفرص الوظيفية للمواطنين.
إضافة إلى ذلك، تتميز بعض مدن مجلس التعاون مثل دبي والدوحة وأبو ظبي بتمتعها ببنية تحتية نوعية بما في ذلك مطارات نوعية بالمقاييس العالمية. وقد حل مطار دبي في المرتبة الأولى في عام 2014 بالنسبة لعدد المسافرين المستخدمين للمطار وجلهم من ركاب الترانزيت. لكن يبقى مطار هيثروا في لندن أكثر مطار دولي ازدحاما للرحلات الدولية. وقبل صيف 2014، فرض مطار حمد الدولي في الدوحة نفسه كأحدث مطار عالمي.
وفي هذا الصدد، نجحت ثلاث شركات طيران في دول مجلس التعاون وتحديدا الإمارات والقطرية والاتحاد في فرض نفسها على الخارطة العالمية لأسباب تشمل ضخامة الشبكة وعدد الوجهات. وقد بلغ الحد قيام عدد من شركات الطيران الأمريكية حديثا بالطلب من السلطات المسؤولة في الولايات المتحدة بدراسة المسائل المتعلقة بهذه الشركات من خلال الزعم بأنها تحصل دعم من حكوماتها الأمر الذي يمنحها ميزة تنافسية بين الناقلات الأخرى.
شخصيا، سمعت من أصدقاء أمريكيين وجود رغبة لدى البعض للسفر على الإمارات والقطرية والاتحاد لأسباب تشمل حسن الضيافة وتوفير وسائل الترفيه والاهتمام بالأطفال فضلا عن تشغيل طائرات حديثة مثل طائرات أي 380 العملاقة خصوصا من قبل طيران الإمارات.
ومع ذلك، تتوافر فرص أمام مدن مجلس التعاون الخليجي لتحسين الأداء في جوانب أخرى من الدراسة مثل الخدمات العامة والنقل. لحسن الحظ، العمل جار لتطوير أنظمة المترو المحلية في بعض المدن الخليجية مثل الدوحة، وذلك في إطار استعداد قطر لاستضافة كأس العالم 2022 وذلك للمرة الأولى على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وغني عن القول، المطلوب إضافة أمور أخرى في مدن مجلس التعاون بدلا من وضع قيود على الصفات القائمة من أجل جذب المغتربين والاحتفاظ بها. يعد هذا الأمر حيويا على خلفية ظهور دعوات بين الحين والآخر تدعو لوضع قيود مثل تطبيق ضرائب على التحويلات المالية المحولة من المغتربين. يمثل مقترح فرض ضرائب توجها غير صائبا جملة وتفصيلا لأسباب مختلفة منها تحمل عبأ تكاليف المعيشة خاصة إيجارات السكن.
الشيء المؤكد هو أن العالم تحول لقرية ولدى الأفراد والمؤسسات حرية اختيار الأماكن للتجارة والعمل من بين مئات المدن الواقعة في نحو 200 دولة. لا غرابة، المنافسة على أشدها بين المدن العالمية للجذب والمحافظة على أصحاب المواهب، لما لذلك من انعكاسات على الاقتصادات المحلية ونمط وجودة المعيشة.
دور الثقافة في الجيوبوليتيك العربي
لا تُعدّ الثقافة في الجيوبوليتيك العربي عاملاً ثانوياً أو هامشياً، بل تمثل مورداً استراتيجياً أساسياً لفهم تفاعلات المنطقة... اقرأ المزيد
93
| 21 يونيو 2026
في الصراحة راحة
كم يُصاب الإنسان بخيبة الأمل ويحزن كثيراً عندما يرى أشياء قد تَعب من أجلها وصرف عليها الكثير وبنى... اقرأ المزيد
102
| 21 يونيو 2026
جيل ربّته الكتب وآخر ربّته الخوارزميات
يستحق الفرق بين جيلٍ ربّته الكتب وجيلٍ ربّته الخوارزميات أن يُقرأ بهدوء، بعيدًا عن الحنين الذي يُجمّل الماضي... اقرأ المزيد
87
| 21 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
30906
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17658
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4437
| 15 يونيو 2026