رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منع الأمريكيون سقوط النظام، لأنهم يريدونه أن يستمر في مهمته التاريخية
النظام كان على وشك السقوط لولا التدخل الروسي المدعوم أمريكياً
واشنطن اتفقت مع الروس على إنقاذ النظام بشهادة وزارة الدفاع الأمريكية
كلنا يتذكر التصريحات الأمريكية النارية ضد النظام السوري منذ نهاية العام ٢٠١١ وما تلاه، وقد كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما سباقاً إلى نزع الشرعية من بشار الأسد عندما قال حرفياً إن نظام الأسد فقد شرعيته تماماً بسبب جرائمه التاريخية بحق السوريين. وقد كانت واشنطن على وشك تلقين النظام درساً قاسياً بعد استخدامه السلاح الكيماوي، وكانت حاملات الطائرات الأمريكية وقتها على أهبة الاستعداد لقصف مواقع الأسد، لكن الوساطة الروسية أحبطت الهجوم الأمريكي بعد أن تعهدت موسكو بتجريد النظام من ترسانته الكيماوية بدل معاقبته عسكرياً.
وقد استمرت واشنطن في شيطنة النظام السوري وعزله سياسياً ودبلوماسياً من خلال ما سمي وقتها بمجموعة "أصدقاء سوريا"، حتى أن أمريكا استضافت مكتباً للمعارضة في العاصمة واشنطن وفرضت قيوداً على تحركات وسفير النظام لدى الأمم المتحدة. لكن أوباما على ما يبدو انقلب على سياساته السورية مائة وثمانين درجة عندما اعتبر في إحدى مقابلاته أن قوى المعارضة السورية غير مؤهلة وهي مجرد ثلة من المزارعين والفلاحين والأطباء والعمال. وقد بدا واضحاً وقتها أن أمريكا بدأت تتملص من تعهداتها السابقة حيال النظام السوري. وقد غسل أوباما يديه من الثورة السورية تماماً بعد إبرام الاتفاق النووي مع إيران، حيث على ما يبدو قد باع سوريا للإيرانيين مقابل الاتفاق النووي. وقد ذكر أحد مستشارية لاحقاً أن أوباما أخبر إدارته بأن تنسى الملف السوري تماماً وألا تذكره أمامه مطلقاً.
وبعد الاتفاق النووي مع إيران تقدمت أمريكا خطوة أخرى باتجاه النظام السوري عندما اتفقت مع الروس في خطوة غير متوقعة مطلقاً في أواخر ٢٠١٥ على التعاون مع موسكو للتدخل في سوريا لحماية النظام. لقد انتهت وقتها كل التصريحات والتهديدات الأمريكية التي كانت تطالب بتغيير النظام وبدأ الحديث الآن عن إعادة تأهيل النظام وتقويته ومساعدته على استعادة الأراضي التي سيطرت عليها فصائل المعارضة. وفعلاً بعد اجتماع قصير في الجمعية العامة للأمم المتحدة بين أوباما وبوتين عام ٢٠١٥ أعلنت روسيا أنها ستتدخل عسكرياً في سوريا على نطاق واسع لمحاربة داعش، مع العلم أن هدفها الرئيس لم يكن له علاقة بداعش بل بالقضاء على فصائل المعارضة السورية عسكرياً. وقد أثبتت الأيام أن الروس حاربوا كل فصائل المعارضة ولم يقتربوا من داعش إلا بشكل سطحي.
ما الذي كانت تريده أمريكا من سوريا يا ترى؟ كلنا يعلم أن واشنطن كانت على علم بكل شاردة وواردة تخص الثورة السورية، ولم تستطع أي جهة في العالم أن تتدخل في المسألة السورية من دون ضوء أخضر أمريكي وإسرائيلي. ولم تدخل بندقية واحدة إلى سوريا إلا بعلم ومراقبة من الأمريكيين. ولا ننسى أن واشنطن استخدمت تركيا كممر إلى الأراضي السورية تماماً كما استخدمت باكستان للعبور إلى أفغانستان. وقد ذكر الضباط السوريون الذين كانوا ينسقون مع الأمريكيين في شمال سوريا أن مجلس إدارة الثورة السورية كان في واقع الأمر بإدارة الاستخبارات الأمريكية التي كانت تتحكم بكل القوى الغربية والإقليمية والعربية المتورطة في الملف السوري. بعبارة أخرى فإن الأمريكيين كانوا يديرون اللعبة السورية من المقعد الخلفي، وليس صحيحاً مطلقاً أن أمريكا كانت بعيدة عن المسألة السورية. والسؤال المحوري، لماذا سمحت واشنطن للقاصي والداني بمن فيهم الدواعش لضرب النظام وإضعافه واستهداف قواته وترسانته العسكرية والتغلغل في سوريا ومساعدة قوات المعارضة على الاستيلاء على أكثر من سبعين بالمائة من الأراضي؟ لماذا فعلت كل ذلك ثم عندما أوشكت قوى المعارضة على الاقتراب من دمشق وأصبح النظام على كف عفريت، اتفقت مع الروس على إنقاذه بشهادة وزارة الدفاع الأمريكية؟ وقد اعترف أندرو إيكسوم مساعد نائب وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط في خطاب له أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي أن الأمريكيين شعروا بالخطر عندما أيقنوا أن النظام أصبح على وشك السقوط وأن سقوطه سيشكل خطراً على أمن إسرائيل، فما كان منهم إلا التنسيق مع الروس للتدخل فوراً لحماية الأسد ودعمه عسكرياً في وجه قوى المعارضة التي أصبحت على أسوار القصر الجمهوري. وقد اعترف وزير الخارجية الأمريكي لافروف نفسه بأن النظام كان فعلاً على وشك السقوط خلال أسبوعين لولا التدخل الروسي المدعوم أمريكياً.
من سوء حظ السوريين أن الروس والأمريكيين في صراع حقيقي في كل أنحاء العالم، لكن أمن إسرائيل دفعهم إلى التحالف لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية لحماية أمن إسرائيل. ولا يمكن ذلك إلا من خلال إعادة الشرعية للنظام واستعادة أنفاسه عسكرياً. وهذا ما يحصل منذ التدخل الروسي عام ٢٠١٥. واضح تماماً بعد تسع سنوات على الثورة أن الهدف من اللعبة الأمريكية في سوريا لم يكن النظام بل سوريا وطناً وشعباً، فقد تم تهجير نصف الشعب السوري وتحطيم الجيش وتدمير سوريا، بينما منع الأمريكيون سقوط النظام، لأنهم يريدونه أن يستمر في مهمته التاريخية ككلب حراسة لإسرائيل وككلب صيد ينهش لحوم السوريين على حطام بلد كان اسمه سوريا.
هذا هو النصر الذي يتفاخر به الأسد ضد الصهيونية والامبريالية الأمريكية، مع العلم أن الذي يحميه حتى هذه اللحظة لا الروسي ولا الإيراني، بل أسياده الصهاينة في تل أبيب والإمبرياليون في واشنطن كي يستمر في دوره الوظيفي التخريبي، وليكون قائد الفوضى الهلاكة في المنطقة بامتياز.
kasimf@aljazeera.net
التنين الصيني يكشِّر عن أنيابه
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً... اقرأ المزيد
2108
| 08 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1435
| 01 ديسمبر 2019
لا بأس أن تكونوا وحوشاً مع الخارج وحملاناً مع الداخل
الحكومات الأوروبية والأمريكية تمارس أعلى درجات الديمقراطية مع مواطنيها داخل بلدانها الزعيم العربي أكثر ديمقراطية مع الأجانب ألف... اقرأ المزيد
1578
| 10 نوفمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3342
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1194
| 01 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1020
| 06 أكتوبر 2026