رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قضايا وتحديات كبرى تنتظر المشير عمر البشير بعد تنصيبه رئيسا للجمهورية لخمسة أعوام قادمة، ملفات مثقلة تتطلب معالجتها توفر الإرادة السياسية الجامعة بين السودانيين، بدءا بالحزب الحاكم وشركائه، وأحزاب المعارضة السياسية، والحركات والجماعات المسلحة.
وتشكل ملفات حقوق الإنسان والمصالحة الوطنية والعدالة وسيادة حكم القانون رأس الرمح في الأولويات القصوى إذا ما أراد الرئيس بناء دولة مؤسسات تقوم بواجباتها، وتحظى بثقة المواطنين أصحاب المصلحة الحقيقيين، وتُحترم فيها المبادئ والقيم الدستورية الراسخة في الممارسة الدولية العرفية.
حيث يقع على عاتق أي حكومة تعتبر نفسها مفوضة من أفراد شعبها، وترغب في أن تكون عضوا صالحا في المجتمع الدولي أن تقوم بواجبات ثلاثة وهي إعمال، واحترام، وحماية حقوق الإنسان لجميع من يقيم على أراضيها، أو يحمل جنسيتها وجواز سفرها.
فالشعب الذي يفوض الرئيس ويختار ممثليه في الجهازين التنفيذي والتشريعي يتطلع إلى رؤية أبرز القضايا والتحديات التي تعترض سبيل تطور البلد ورفاه مواطنيه موضوعة على رأس أجندة عمل السلطة التنفيذية، بل وتشكل الهم الأكبر والتحدي الشخصي للرئيس نفسه، حتى يضمن تحقيق تطلعات الفئة الغالبة من أفراد الشعب الذين انتخبوه وآثروا دعم حزبه الحاكم عن الأحزاب الأخرى المشاركة في العملية الانتخابية.
وليس من حل لمشكلات السودان إلا بإقرار الجميع مسؤوليتهم عن التعقيدات المتزايدة لأزمات البلاد، وضعف إرادتهم وقدرتهم على مداواة الجراح منذ استقلال السودان، حيث أخذت كل حكومة عسكرية أو مدنية دورها، تطاول بها الزمان أو قصر، فتخلت عن الحكم مخلفة وراءها مشكلات مضاعفة.
ولما وصل الحال بالسودان إلى ما هو عليه من تدويل لمعظم قضاياه المصيرية، حلت بين ظهرانيه أكبر عملية حفظ سلام للأمم المتحدة حول العالم تشكل ميزانيتها السنوية العلاج الشامل لأزمات الأطراف، وانفصل جنوبه عن شماله، وتوقفت معظم الشركات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى بسبب الحصار من قبل كبار اللاعبين في المجتمع الدولي، وخرج المنتجون في معظم أطرافه عن دائرة الإنتاج ليحتشدوا في معسكرات النزوح واللجوء جياعا ويعانون العطش ومرضى ينتظرون هبات وعطف المانحين الدوليين.
فأصبح الطريق الوحيد للمستقبل هو تحمل الحكومة الجديدة مسؤوليات إصلاح كل ما أفسدته العقود الماضية بما في ذلك العقدان الماضيان، وإن كان العلاج الناجع يتطلب كيَّ العصب.
ولأن تكرار المعالجات المتماثلة من زوايا ضيقة لأزمات السودان المستفحلة على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي والثقافي قد زاد من اتساع الفجوة بين شواغل واهتمامات المواطنين وشواغل واهتمامات الحكومة، فقد برزت ظاهرة فقدان الثقة في مؤسسات الدولة ككل في نزوع الأطراف إلى حمل السلاح والخروج عن سلطة الدولة والمطالبة بحقوقهم عبر العنف، حتى دقَّ العنف أبواب الجامعات وتحولت ساحات التحصيل الأكاديمي وبناء قيادات المستقبل إلى ساحة عراك تسال فيها الدماء، وانتشر خطاب التحريض والكراهية والتعصب والعنصرية في تعليقات وكتابات النخب المثقفة حتى كادت أن تغيب الصورة الذهنية الإيجابية عن أبرز سمات السودانيين المتمثلة في التسامح والسلام والإنسانية والتعاضد والتراحم والكرم، فأصابت وجهه الصبوح بدمامل يحتاج علاجها لكيِّ العصب.
ولأنها قد تكون الفرصة الأخيرة لأن يوافق التغيير المأمول جهداً موضوعياً واستجابة منطقية لأولويات السودان الدولة، فقد رأينا أن نضع قائمة بالأولويات القصوى التي يجب أن تقدم:
إعمال، احترام، وحماية حقوق الإنسان،
تقع على الحكومة التزامات قانونية وأخلاقية عظمى في تمكين جميع أفراد شعبها من التمتع التام بحقوقهم الأساسية المنصوص عليها بالمعاهدات الدولية الرئيسية في مجال حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني.
ويترتب على هذا الالتزام بضرورة اتخاذ التدابير التنفيذية والقضائية والتشريعية اللازمة لتطبيق هذه الحقوق الناشئة بموجب قبول السودان لتلك الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
فقد صادق وانضم السودان إلى الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في مارس 1977م، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالحقوق المدنية والسياسية في مارس 1986م، والاتفاقية الدولية لمناهضـة الفصـل العنصري فـي الألعاب الرياضية 1986م، واتفاقية حقوق الطفل في أغسطس 1991م، والبروتوكولين الاختياريين المتعلقين بمنع إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة في يوليو 2005م، وببيع الأطفال واستخدامهم في البغاء والمواد الخليعة في نوفمبر 2004م، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والبروتوكول الاختياري الملحق بها في أبريل 2009م، واتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في 2013م، والاتفاقية الدولية المتعلقة بوضع اللاجئين 1974م، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها 1977م، كما انضم السودان إلى سبع اتفاقيات من اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، إلى جانب الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب في 1986م.
بينما لم يصادق السودان أو ينضم إلى ثلاث اتفاقيات أساسية، هي: اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، رغم توقيعه عليها في 4 يونيو 1986م، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1984م، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، ولا البروتوكولات الملحقة بهذه الاتفاقيات أو بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
نلحظ مما تقدم أن الاتفاقيات الرئيسية تمت المصادقة عليها قبل أكثر من ربع قرن، سوى اتفاقيتين هما اتفاقيتا حقوق الطفل، والأشخاص ذوي الإعاقة، بينما تعثرت خطوات الدولة السودانية في حسم انضمامها إلى بقية الاتفاقيات الأساسية، والبروتوكولات التي تعلن فيها الدول قبول نظر اللجنة المعنية للشكاوى الفردية المقدمة من الأفراد والمنظمات، وبصفة خاصة اتفاقية مناهضة التعذيب، رغم إدراك الخبراء القانونيين في الحكومة السودانية بأن منع التعذيب وإدانته وتجريمه وملاحقة مرتكبه في كل الأوقات مفروض على السلطات الوطنية بموجب العرف الدولي، بل يمنع التعذيب حتى في حالة الطوارئ التي تتهدد الأمة حسب المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أضحى جزءا من القانون المحلي وفقا لدستور السودان.
ولأن هنالك تباينا كبيرا بين الواقع والطموح، فإن المطلوب، فعلاً لا قولاً، هو تحسين حالة حقوق الإنسان في البلاد من قبل الآليات الوطنية التي تم تأسيسها لهذا الغرض ومن قبل الحكومة بصفة خاصة.
فقد تلاحظ وبوضوح خلال العقود الماضية أن تلك الآليات التي أنشأتها الدولة لحماية وتعزيز وحقوق الإنسان تحرص فقط على تقديم صورة مغايرة لحالة حقوق الإنسان للمجتمع الدولي بينما تعجز عن القيام بدورها الحقيقي في تقديم النصح والإرشاد للدولة في معالجة المخالفات والانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق الأفراد والجماعات، وتعمل على تمكين الضحايا من إسماع صوتهم ومظلمتهم ومساعدتهم في الوصول إلى العدالة والإنصاف.
وقد أدى هذا الوضع إلى فقدان الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان – مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مثالا - إلى الثقة في أداء الحكومة لواجباتها مما سهل من وضع السودان تحت عملية المراقبة الدولية عبر تعيين مقررين خواص وخبراء مستقلين تجددت ولايتهم بصورة مستمرة لمتابعة حالة حقوق الإنسان في البلاد منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى اليوم.
ونرى هنا ضرورة أن يولي رئيس الجمهورية اهتمامه لأمر إعادة تشكيل الآليات الوطنية من خبراء مستقلين متجردين من أي انتماء، محميين بموجب القانون، ويتمتعون حقيقة بالدراية والعلم والمهنية الكافية بمفهوم وآليات عمل القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن تجد تدخلاتهم وتوصياتهم الاحترام والتنفيذ الفوري من جميع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.
لأنه لا يعقل أبداً أن يتم تشكيل مفوضية وطنية مستقلة في مجال حقوق الإنسان مثلاً، ويحتاج أعضاؤها لتنمية قدراتهم في مجال حقوق الإنسان، في بلد يذخر بالكفاءات والخبرات.
المصالحة الوطنية ومعرفة الحقيقة وسيادة حكم القانون:
لقد مر السودان منذ استقلاله وخلال أنظمة حكمه المختلفة الشمولية والديمقراطية بفترات طويلة من القمع السياسي، والنزاعات المسلحة والاقتتال الداخلي، ارتُكِبَت خلالها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان – مستمرة وواسعة النطاق ومنهجية - أفضت إلى غبن كبير حاق في النفوس، وهجرات نخب وكوادر إلى خارج البلاد، وإلى فقدان وظائف وحقوق، وانزواء قدرات وطنية عن دائرة التأثير بسبب الإقصاء في مناطق السلم، بينما أفضت النزاعات المسلحة إلى فقدان عشرات الآلاف من الأنفس، والممتلكات، وتدمير المؤسسات، ونزوح ولجوء مئات الآلاف من مناطقهم الأصلية في جنوب وغرب وشرق البلاد حسب إحصاءات الأمم المتحدة والحكومات المتعاقبة على السودان.
هؤلاء من بقي منهم حيا لا يمكننا بأي حال أن نتجاوز حقوقه في صمت لنتحدث عن ديمقراطية ودولة مؤسسات دون أن تشعره الدولة باهتمامها بما لحقه من ظلم مسَّ كرامته الإنسانية، ومن خلال إرادة سياسية جامعة كما أشرنا في مقدمة هذا المقال، إرادة تجعل الحكومة السودانية الجديدة تعترف بحقوق الضحايا، وتبحث في أصول التراث السوداني والقيم الثقافة السودانية عن أبرز آليات الحل.
حل يمكن الضحايا وذويهم من معرفة الحقيقة والحصول على الإنصاف المعنوي (الاعتذار) والمادي (التعويض) لأولئك الذين أصيبوا، أو قتلوا أو نهبت ممتلكاتهم في مناطق النزاعات المسلحة، والذين فقدوا وظائفهم ومنعوا من حرياتهم وحقوقهم الأساسية دون محاكمة عادلة.
لقد جاءت الفرصة لأنظمة الحكم في بلادنا مرات ومرات لتحقيق المصالحة الوطنية والإنصاف وكشف الحقيقة، لكن فرصة هذا النظام هي الأكبر، فبعد انهيار اتفاقية أبوجا للسلام في 2006م، جاءت اتفاقية الدوحة 2011م، وما سبقها من مفاوضات حصلت على دعم دولي من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، ونفذت إلى إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين عندما جلبت ممثلي النازحين واللاجئين من المعسكرات، والتزم راعيها بدعم ملف التعويض وإعادة الإعمار والتنمية.
ورغم امتناع بعض من حملة السلاح عن التوقيع إلا أن تنفيذ الاتفاق من الجانب الوطني ينبغي أن يأخذ حقه كاملا من الاهتمام، حيث ما زلنا نلمس ضعف الخطوات المحلية في تحريك السلام الاجتماعي، في مقابل الاهتمام بالمستوى السياسي في إجراءات السلام،
حيث تحقق لأبناء دارفور حكم ولايات دارفور جميعها، لكنني وغيري ننظر كأن بعض هذه القيادات الكبيرة تنعزل عن الأهداف التي خرجت من أجلها فور توليها السلطة على مستوى المركز أو الولاية، وهو ما يدفعنا لدعوتهم لإعادة النظر في أدوارهم المطلوبة خلال الفترة القادمة.
لقد جسدت لنا تجربة قيادات المؤتمر الوطني في جنوب إفريقيا، أمثلة تضرب للأجيال في الالتزام العام والخاص بتطبيق منهج واضح للإنصاف ومعرفة الحقيقة جعلت فيه مصلحة الوطن في المقدمة.
وفي المقابل تقع على الأحزاب السياسية المعارضة والحركات والجماعات المسلحة أن يتقدموا بمنهج واضح للحل السلمي تقبله الحكومة كأساس للتغيير السياسي والاجتماعي المنتظر. تغيير مقبول للجميع لا يقر فيه إقصاء أو إبعاد أحد من أي جماعة أو حزب، عن حقه في المشاركة إلا في حال ثبوت اعتدائه على حق عام، حتى لا ننتقل من حالة انتقام إلى انتقام، فيضيع الأمل المعقود على عودة السودان مستقرا آمنا.
فربع قرن من الزمان مرت من عمر نظام الإنقاذ، سادتي الكرام، كاف لبلوغ تمام الرشد لكل إنسان، ولقدرته على التأثير في عصر تطورت فيه تقنيات وسائل الاتصال ونقل المعلومات، حيث لم يعد بإمكان أي سلطة أن تحجب الحقيقة أو تضع ستارا على أعين الناس حتى الذين لا تساعدهم أميتهم الأبجدية على القراءة والكتابة.
النخب السياسية السودانية.. الواقع والمأمول
أفرز النزاع المسلح الدامي الذي يشهده السودان صوراً مأساوية وصادمة لبعض النخب السياسية والأكاديمية والاجتماعية والعسكرية التي كان... اقرأ المزيد
306
| 15 يونيو 2025
خبراء الأمم المتحدة وحالة حقوق الإنسان في السودان
من هم أعضاء مؤسسات المجتمع المدني الوطنية الذين سيلتقون بالسيد/ رضوان نصير خبير الأمم المتحدة؟ سيبدأ السيد/ رضوان... اقرأ المزيد
711
| 08 يوليو 2024
إعلان حالة الطوارئ في تركيا من منظور حقوق الإنسان
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); فتح إعلان تركيا حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر الباب أمام جدل سياسي كثيف،... اقرأ المزيد
689
| 01 أغسطس 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رئيس قسم الشراكات والبحوث
مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
شبكة الجزيرة الإعلامية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026