رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوسف عليه السلام، آمن وتعلم وصبر وتعفف حتى تمكن، فعاش مُمَكّناً أعواماً عديدة، حتى كان يُشار إليه بالبنان منذ أن جعله الملك على خزائن مصر حتى وفاته. وخلّد القرآن ذكر تمكينه وأسباب الحصول على ذلك التمكين وبقائه. وفي المقابل، جاء فرعون وقد تمكّن من حكم مصر، فكان صاحب الرأي الأوحد والقرار الذي لا يُرد. وخلّد القرآن ذكر ذلك التمكين وبين أسباب فقدانه، بل وأشار إلى نهاية دنيوية ذليلة، وأخرى تنتظره في آخرته. أما الأول، فقد تمكن حتى صار تمكينه نموذجاً خالداً يُدرّس، فيما الثاني تمكّن إلى حين من الدهر قصير، لكنه فقد تمكينه وزال من الحياة في لحظات، وكأن لم يلبث فيها إلا يوماً أو بعض يوم!
وحول التمكين يدور حديثنا اليوم.
التمكين في اللغة هو امتلاك قدرات ومهارات وعلوم وأدوات، تجعلك تسيطر على أمر ما سيطرة شبه تامة، لتصل بعد حين من الدهر، طال أم قصُر، إلى تمام التمكن، حتى تكون صاحب الأمر والتوجيه الأوحد بعد ذلك الامتلاك. والتمكين بشكل عام قد يكون عند فرد، أو جماعة، أو دولة، أو بشكل أشمل وأوسع، عند أمة من الأمم. على المستوى الفردي، يصل الشخص إلى التمكن في عمله على سبيل المثال، عبر امتلاك قدرات مميزة ومهارات بارزة وخبرات نوعية ومعارف متنوعة، تجعله بالتالي صاحب الكلمة الأولى في عمله. فهذا يوسف - عليه السلام – الذي بدأنا الحديث عنه، أبرز الأمثلة البشرية (وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض) أي منحناه المكانة التي يريدها والتي استحقها بعلمه وصبره وإيمانه. المكانة التي اختارها هو بنفسه، بعد وصوله لمستوى من التمكن جعله يطلب مسؤولية معينة غاية في الأهمية والتأثير وبكل ثقة ويقين.
على مستوى أكبر، نجد دولة المدينة التي أسسها المصطفى - عليه الصلاة والسلام - نموذجاً للدولة المتمكّنة. فحين وصلت دولة الإسلام الأولى إلى درجة من التمكّن، فاعلة ومؤثرة، بدأت تخاطب أخريات كبريات في العالم وبثقة المؤمن الموقن بمعية ونصر الله، من بعد امتلاك أسباب القوة والترهيب، المادية منها والمعنوية، بل وامتلكت زمام المبادرة أيضاً.. لكن سؤالاً يقول:
هل التمكين للمؤمن فقط؟
هذا تساؤل قد يتبادر إلى ذهنك بعد أن عرجنا على نموذج واحد فقط من التمكن الفردي، وآخر من التمكن على مستوى الدولة، لتتساءل حول مدى ارتباط التمكين بالدين، أو بمعنى آخر، هل التمكين محصور فقط على المتدين؟ الإجابة باختصار شديد، لا. ليس شرطاً أن يكون التمكين للمؤمن فقط، بل يمكن أن يكون للكافر أيضاً، لكن بشرط أن يكون عادلاً لا يظلم، وصاحب أخلاق وعمل صالح. هذا الشخص غير المؤمن والمُمكّن في الوقت نفسه، يمنحه الله جزاء التزامه بالشروط السابقة، تمكيناً في الأرض ولكن إلى حين.
أي ليس الأمر يمتد معه إلى ما لا نهاية، بل تلك المنحة الإلهية إنما مقابل تلك الأعمال أولاً، ومن ثم المنحة تلك إنما هي نوع من الإمهال له أيضاً وتذكيره بأهمية الوصول بعد كل هذا التمكين إلى الامتثال لأوامر الله كما جاءت به الرسل، لأن الاستمرار على الكفر، رغم كل أعماله الصالحة أو تفوقه العلمي والمهاري والقدراتي، أو عدله وأخلاقه الطيبة، لا تغنيه عن حقيقة ووجوب خضوعه لله نهاية الأمر، وتلك نقطة أهلك التغافل عنها الكثير الكثير منذ الأزل، أفراداً وشعوباً وحضارات.
لا أريد أن أبحر وأتوسع كثيراً في عالم التمكين الواسع بذاته، فما يهمنا ها هنا هو التوقف للحظات قليلات مع أكثر أنواع التمكين رعباً وتخويفاً، وهو ذلكم الذي تحدث عنه القرآن حول حضارات كانت متمكنة، وشعوب وأفراد كانوا متمكنين، وقد بلغت شهرتهم وقوتهم الآفاق. حيث تمكنوا في الأرض وامتلكوا أسباب القوة والإنتاج والعمران وغيرها. لكن حين وصلت الأمور بهم بعد حين من الدهر طويل، إلى الحقيقة الحياتية الكبرى التي ذكرناها آنفاً، وهي وجوب الخضوع لله نهاية الأمر والاستسلام والانقياد له بالطاعة، كفروا وتجبروا وعصوا الرسل والآيات، فانتهت سيرتهم، بل كل أسباب قوتهم، فصاروا أثراً بعد عين.
انتهت سيرتهم في لحظات، وانتهت معهم واختفت كل مظاهر العمران والتمكين التي كانوا عليها، لتسير بعدها الحياة في دورتها دونهم، وكأنما لم يُخلقوا أساساً ولم يكن لهم أثر في هذه الحياة الدنيا، ليأتي من بعدهم آخرون لأجل أن تستمر معهم الحياة في دوراتها المتتابعة، وإلى حين يرث الله الأرض ومن عليها. وصف القرآن تلكم المشاهد، وأوضح لكل من يأتي بعدهم وإلى قيام الساعة، بأن قواعد ومعادلات الحياة الدنيا هي هي، لا تتغير بتغير الزمان أو المكان (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكّناهم في الأرض ما لم نُمكّن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين).
التمكين.. قواعد ومعادلات
التمكين إذن عبارة عن مجموعة من القواعد أو المعادلات. طاعة الله أولى القواعد. ثم تليها قواعد أخرى كالعلم والعمل الصالح، تصحبهما أخلاق فاضلة ضمن إطار من العدل والقسط بين الناس. فإن نجحت أيها الإنسان في حفظها ومسايرتها والتوافق معها بشكل صحيح، حصلت على مبتغاك ومرادك، ومكّنك الله في عملك أو محيطك أو حياتك بشكل عام. وهذا الحديث مثلما أنه موجّه للأفراد، فهو كذلك للدول والأمم والشعوب. الأمر أو القواعد والمعادلات هي نفسها لا تختلف.
أما تجاوز تلك القواعد والمعادلات، فلا شك أنه يؤدي إلى دخول تدريجي في عالم التمكين المخيف، أو - إن صح وجاز لنا التعبير- الاستدراج الخفي الذي لا يتنبه له كثير من المتمكنين، حتى يصير الاعتقاد لديهم بعد تكاثر الخيرات وامتلاك أساليب وأدوات القوة والسيطرة في الأرض، أن ذلك التمكين نوع من الرضا الإلهي، رغم علمهم ويقينهم بأمر مخالفتهم لقواعد البقاء واستمرارية منحة التمكين لديهم، فيحدث إثر ذلك مع الزمن، نوع من التغافل المتدرج لأوامر الله وما أنزله على رسله، ليستمر فعل التغاضي والتغافل عن أفعال وسلوكيات متنوعة غير مقبولة يرونها هينة، وهي عند الله عظيمة، تجلب نقمة تتبعها حسرة وندامة.
لقد كان قارون في الزمن الغابر، مثالاً ونموذجاً آخر للفرد المتمكّن، ومثله أقواماً متمكنين كعاد وثمود وسبأ وغيرهم. لتظهر اليوم مشاهد جديدة من التمكين كما الحاصل عند الحضارة الغربية بشكل عام، والتي بدأت تتغافل وتتناسى حقيقة التمكين المخيف مع الزمن، بل هم اليوم في غفلتهم يعمهون (فلما نسوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون).
إنهم بعد أن أعرضوا عن أوامر الله وتناسوها وجعلوها وراء ظهورهم - كما جاء في تفسير ابن كثير - (فتحنا عليهم أبواب كل شيء) أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذاً بالله من مكره؛ ولهذا قال (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) أي من الأموال والأولاد والأرزاق (أخذناهم بغتة) أي على غفلة (فإذا هم مبلسون) أي آيسون من كل خير، وهو الحزن الشديد والندم على أمر فات، وهو ها هنا، كل ذلك الخير والتمكين الذي كانوا عليه. إنَّ تجاوزات هذه الحضارة وبطر الحق وغمط الناس ومصادمة الفطرة البشرية، مؤشرات على احتمالية زوال التمكين الذي هي عليه منذ عقود، فالجزاء من جنس العمل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2826
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2805
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1062
| 26 فبراير 2026