رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- دمــوع فـــي وداع الأمـير الوالـد
- «أبو مشعل».. أشعل مشاعل التنوير في قطر
- عهده امتاز بالإصلاحات في جميع المجالات
- كرس حياته لخدمة قطر ورفاهية الشعب القطري
- هو صانع الشخصية الوطنية المستقلة.. التي لا تموت
- ستظل ألستنا تلهج بالدعاء لفقيدنا الكبير
يصعب علينا جميعا رثاء «الأمير الوالد»، دون أن نذرف الدموع، لا سيما بالنسبة لي، ولأبناء جيلي، الذين شهدوا مسيرته، ويشهدون على سيرته.
وما من شك، في أن فقيد الوطن الكبير، لم يكن أميراً لنا ولدولتنا، فحسب، بل كان معلماً وموجهاً ومشجعاً، وسيداً، وزعيماً، وقائداً، ورمزاً وطنياً، يمثل مكانة رفيعة، ومرموقة في قلوبنا جميعاً، التي انفطرت حزناً على رحيله، وانشطرت كمداً على فقدانه.
لقد غيّب الموت، حكيمنا وحاكمنا، وسندنا وعضدنا، وملهمنا، وصانع مجدنا، صاحب الرؤية الثاقبة، والمواقف الواضحة، والوقفات الشجاعة، التي لا تعرف المستحيل.
ذلك الأمير الراحل الكبير، صاحب السمو، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي لم تكن هناك حدود، لأفكاره الطموحة، أو قيود لمواقفه الوطنية، لتحقيق الأفضل لوطنه، والأكمل لمحيطه، والأجمل لشعبه القطري.
لقد رحل «الأمير الوالد»، الذي جاء إلى الحكم، بفكر نهضوي شامل، أرسى خلاله قواعد النهضة، والنهوض في ربوع الوطن، فكانت التجربة القطرية، مميزة في طبعها، فريدة في نوعها، في الحكم والحكمة، التي نفاخر بها بين الأمم.
ولكل هذه الحنكة السياسية، أكتب تعبيراً عن المكانة الكبرى، التي يمثلها هذا القائد العظيم، في قلبي، ويمثلها في عقلي، ويشكلها في كياني، ويسطرها في وجداني، ووجدان كل مواطن قطري.
أكتب عن الوالد القائد، والزعيم الخالد، الذي كان طوال سنوات حكمه، يحرص كل الحرص، على مجد قطر، ورفعة شأنها، وترسيخ مكانها، بين الأمم، وسمو هيبتها بين الدول، بكل ما وهبه الله، من عزيمة قوية، وإخلاص دقيق، وإحساس وطني عميق بالمسؤولية، تجاه الوطن والمواطن.
أكتب عن المعلم الحكيم، الوالد الكريم، القائد الرحيم، الذي قدم خلال سنوات حياته، لوطنه وأمته، ما يجعله زعيماً عصياً على النسيان، أو النكران.
وعندما أكتب عن هذا الإنسان، المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإنني أكتب عن صاحب الشخصية القطرية المستقلة، الجامعة، التي جمعتنا جميعاً، تحت نسيج «بشتها» الفخم.
وتحت مظلة ذلك «البشت» القطري، يشرفني الكتابة، عن القائد الزعيم، الذي ساهم بشخصيته الوطنية القوية، في ترسيخ مكانة قطر عالمياً، وإعلاء شأنها على الساحة الدولية.
أكتب عن «أبو مشعل»، الذي أشعل مشاعل النور، والتنوير، والحداثة، والتغيير والتطوير في أرجاء شبه الجزيرة القطرية.
أكتب عن الزعيم الوطني الملهم، الذي علمنا، كيف يبقى الوطن حاضراً في القلوب، وكيف تبقى مسارات قطر سالكة، في كل الدروب، وكيف يبقى الاحترام، سائداً لدولتنا، في أوساط كل الشعوب.
أكتب عن قائد الوطن، الذي علمنا أن قطر، ليست أرضاً وتراباً وبحراً فحسب، بل هي مجموعة من المبادئ السياسية، والقواعد الدبلوماسية، والقيم الإسلامية، والمواقف الإنسانية، والركائز العربية، التي نستند إليها، ونرتكز عليها، ونترجمها على أرض الواقع، إلى حزمة من الوقائع.
أكتب عن أمير الوطن، الذي علمنا، أن التنمية الحقيقية، تبدأ من خلال ترسيخ كرامة المواطن، وتكريم الإنسان، ليعيش كريماً حراً عزيزاً في وطنه.
وتقديراً لإنجازاته الوطنية الكبيرة، وتضحياته الكثيرة، يشرفني أن أكتب عن أميرنا الراحل، تعبيراً عن الوفاء له، بصفته أمير الإباء، أمير البناء، أمير النماء، أمير العطاء، أمير السخاء، أمير الرخاء.
ولا عجب، أن تجتمع كل هذه الصفات، في شخصيته القيادية الفذة، بعدما شكلت سنوات حكمه، الممتدة بين أعوام (1995)، حتى تنازله عن الحكم عام (2013)، الانطلاقة الحقيقية، للدولة القطرية العصرية المستقلة، في مختلف المجالات وشتى القطاعات.
ولعل ما يحسب له، ولا ينسحب منه، أنه تبنى أكبر خطط التطوير في قطر، وطبق أوسع استراتيجيات التنوير في البلاد، وقاد أهم مراحل التغيير السياسي في التاريخ القطري.
وكان سموه يدرك جيداً، أن معادلة التطوير المنشود، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التنوير المشهود، عبر إيقاظ الروح الوطنية، وشحذ الهمم القطرية.
وهذا كله، لا يستقيم إلا بإعادة الاعتبار للشخصية القطرية المستقلة، داخلياً وخارجياً، باعتبارها المحرك الأساسي لمشروع النهوض القطري، من خلال إسهام القطريين في صناعة مقاديرهم، عبر تطوير قدراتهم، وبناء مقدراتهم.
ورغم مساحة قطر الصغيرة، وقلة عدد سكانها، عاش الشيخ الراحل حمد بن خليفة آل ثاني، كعملاق في محيطه الإقليمي، وانتقل إلى جوار ربه، وهو أسطورة لا تموت، في مجاله الوطني، وعمقه العربي.
وهذه الحقيقة الراسخة، أشار إليها الرئيس الفرنسي ماكرون، في تغريدة نشرها على منصة «إكس».
وفي سياق هذه الحقيقة، لا يمكن لأي ناشط سياسي، أو مراقب دولي، أو متابع إعلامي، أو كاتب صحفي، إنكار دور الأمير الوالد في ترسيخ مكانة قطر دولياً وعالمياً، بفضل الإنجازات الحضارية، والنجاحات التنموية، التي حققها في البلاد.
وفي مقدمتها، دوره العظيم، في صناعة الإنجاز الاقتصادي الكبير، المتمثل في إطلاق مشروع البنية التحتية، المرتبطة، بإنتاج الغاز الطبيعي المسال في حقل الشمال.
وهذا المشروع الحيوي، أتاح لنا الاستئثار بثروتنا الطبيعية، والاستثمار في الاحتياطات الهائلة، من الطاقة النظيفة، وتصديرها إلى الأسواق العالمية.
بالإضافة، إلى نجاحه العالمي المدوي، في نيل شرف استضافة، بطولة كأس العالم (2022) لكرة القدم، ومساهمته في نقل هذه البطولة إلى الملاعب القطرية، الأكثر تطوراً، في منطقة الشرق الأوسط.
ولا أنسى، دوره في تأسيس قناة الجزيرة، التي أعطت قطر، سمعة إعلامية لا تضاهى، وحضوراً عالمياً، يفوق حجمها الجغرافي، انطلاقاً من إيمانه الكبير بمبدأ الرأي والرأي الآخر.
وكان سموه يشجع جرأة الطرح، المستند على المعلومة الصحيحة، ويدعم حرية التعبير، باعتبارها، من أبرز أدوات التغيير في البلاد.
وفي نطاق هذه الحرية الواعية والمسؤولة، كان يشجع الصحافة اليومية، على تبني قضايا الوطن والمواطن.
ويشجع الشباب القطري، على الانخراط في المجال الإعلامي، وفي عهده حصلت على فرصتي الكاملة، في بلاط صاحبة الجلالة، وحظيت بتشجيع نادر، بعدما تم تكليفي، برئاسة تحرير «الراية» الرائدة، وكان عمري لا يزيد عن (27) عاماً.
كما تشرفت، بإجراء الحوار الصحفي الوحيد، الذي أدلى به للصحافة المحلية، بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد، عام (1995)، وتم نشر الحوار، مع انطلاقة العدد الأول، من صحيفة الوطن.
وليس من قبيل المبالغة، بل من صميم البلاغة، القول إن سموه ـ رحمه الله ـ ترك أثراً طيباً، في قلوبنا، لا يمحى، وتأثيراً وطنياً لا يزول، ستظل الأجيال القطرية المتعاقبة، تتوارثه، جيلاً بعد جيل، استلهاماً من تراث وسياسات ومواقف هذا الشيخ الجليل، الأصيل، النبيل.
وما من شك، في أن مواقفه القومية، وسياساته القوية، خدمت القضايا العربية، حيث كان وفياً للقضية الفلسطينية، داعماً لها، ومدافعاً عنها، وعن حقوق الشعب الفلسطيني، وحقه في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.
ولا جدال، أن رحيل الأمير الوالد، في الثاني عشر، من يوليو الجاري، يشكل ذكرى مؤلمة، لكل مواطن قطري، ولكل مقيم عربي.
ولا نملك في هذا المصاب الجلل، سوى أن نردد قوله تعالى، المأخوذ من الآية (156) من سورة البقرة:
«إنا لله وإنا إليه راجعون»
فهذه الكلمات القرآنية المباركة، هي الأنسب في مراسم العزاء، عند فقد الأعزاء، ورحيل الأحباء، وفقدان القادة الأوفياء.
مع تأكيد، الحقيقة الأكيدة، الموكدة، أن الزعماء العظماء، لا يرحلون من ذاكرة الوطن.
وإذا كان الأمير الوالد، قد رحل بجسده عن دنيانا، فإنه لم يرحل، من وجدان الشعب القطري الوفي، الذي أحبه، وهو ملتزم بالسير على نهجه في الحكم، ومنهجه المرتكز على الحكمة، تحت قيادة أميرنا الحكيم، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى.
رحم الله «والد قطر»، وأميرها الراحل، وزعيم شعبها، القريب من أهلها، وسيبقى شعبنا القطري كله يذكره بالخير، ويدعو له بالرحمة والمغفرة، كل الدهر.
وإذا كان الأمير الوالد، قد انتقل إلى مثواه الأخير، في «مقبرة لوسيل»، فلا يسعنا إلا أن نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بخالص الدعاء أن يكرم نزله ويحسن مُدخله ويجعل له في قبره أنيسًا من عمله الصالح، ويغسله بالماء والثَّلج والبرد، وينقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدَّنَس.
وأخيرا نؤكد في النهاية، أنه بوفاة سموه- يرحمه الله- أن هذا ليس معناه أن يغادر ذاكرتنا، ما دمنا أحياء على هذه الأرض الطيبة، بل سيبقى خالداً في قلوب القطريين جميعا، وقلبي خاصة، بصفته زعيماً عظيماً، وقائداً استثنائياً، وأميراً لا ينسى، صاحب أياد بيضاء لا تخفى، وأفعال كثيرة لن تمحى، وحكايات عظيمة ستظل تروى، مهما طالت الأيام، ومرت السنوات.. وستتوارثها الأجيال.. جيلا بعد جيل.
في الشعر الموهبة وحدها لا تكفي
حسب تجربتي المتواضعة في الشعر لا أرى أن هذا الأخير ينحصر في الموهبة فقط، والتي يظن البعض أنه... اقرأ المزيد
24
| 30 يوليو 2026
بين الحلم والنتائج واقع اجتهاد
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي... اقرأ المزيد
15
| 30 يوليو 2026
أكثَرُ من كلام!
قد لا يحتاج الإنسان أحيانًا إلى فكرة جديدة، بل إلى طريقة جديدة لقول الفكرة نفسها. فالكلمات لا تحمل... اقرأ المزيد
15
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
7332
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1587
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1215
| 30 يوليو 2026