رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو لي أن قدرا من تيبس المشاعر وتحجر القلوب يسكن أطراف الأمة التي تتابع تقارير وصور المجاعة المستشرية بأرض عربية مسلمة هي الصومال دون أن يتحرك لها جفن رغم أن تعداد شعوبها يتجاوز المليار و300 مليون مسلم منتشرين في أنحاء المعمورة ويمتلكون الثروات والإمكانات الهائلة.
بالطبع يتعين علي أن أستثني حتى الآن مبادرات قطر والسعودية والإمارات والكويت وتركيا وإيران ومصر والتي سارعت حكوماتها ومؤسساتها الخيرية إلى تخصيص مبالغ مالية وإرسال مساعدات عاجلة عبر الطائرات إلى مقديشيو للمساهمة في تخفيف المعاناة حتى حين
كنت ضيفا في برنامج قضية ساخنة بقناة الكوثر الإيرانية الفضائية والذي خصص حلقة مساء الخميس الماضي لمناقشة أزمة المجاعة بالصومال ولفت انتباهي إشارة أحد ضيوفه إلى غياب المجتمع الدولي خاصة الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم المتقدم عن تقديم العون للشعب الصومالي في محنته فاستنكرت الطرح وقلت لمحاوري: إننا لسنا في حاجة إلى هذه الدول فالأمة لديها من المقومات ما يتيح لها إمكانية إنقاذ هذا الشعب لكن يبدو أن الإرادة السياسية ما زالت هي الغائبة.
ذلك يدعوني إلى ضرورة أن يعمل الاجتماع الطارئ للجنة التنفيذية لمنظمة التعاون الإسلامي والتي تضم عددا من وزراء خارجية الدول الأعضاء بالمنظمة والذي سيعقد بعد غد الأربعاء باسطنبول بدعوة من الحكومة التركية إلى توفير وسائل تفعيل هذه الإرادة حتى تتحرك مفردات الأمة بقوة لإنقاذ شعب معرض للإبادة في ظل استمرار المجاعة التي تنتشر في أغلب مناطق وسط وجنوب الصومال والتي تفاقمت وضعيتها بعد التقارير التي أشارت إلى بدء انتشار مرض الكوليرا نتيجة استخدام السكان للمياه الملوثة وتشير آخر الإحصاءات إلى أن هناك زهاء 6ر3 مليون شخص مرشحين للمعاناة من المجاعة إذا لم يتم الإسراع بتوفير متطلبات الحد الأدنى للحياة لهم .
أود أن يعقد هذا الاجتماع الطارئ برئاسة الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور أكمل الدين أحسان أوغلي وفق الأنساق التقليدية التي ينتهي مفعولها بعد رحيل المشاركين فيه اكتفاء بما يمكن وصفه بتبرئة الذمة عبر إصدار بيان يحتوي على عبارات التعاضد والمشاركة في الألم وإرسال بعض المساعدات العينية التي لا تكفي بالطبع لإنهاء هذه المجاعة التي تقطع صور الأطفال والنساء والرجال الذين يعانون منها نياط القلوب ما أريده ويريده غيري أن يتحول هذا الاجتماع إلى ما يشبه ورشة العمل التي تشخص الأزمة على نحو موضوعي وتحدد طرق ووسائل التعامل معها بما يقود في أقرب وقت إلى احتوائها ثم إنهائها عبر خطة سريعة تتضمن تقديم العون الغذائي والطبي الذي يقضي على صرخات الجوعى والمتألمين والمرضى والذين تبرز عظامهم بطريقة فظة خاصة الأطفال الذين لا حول ولا قوة لهم ثم خطة بعيدة الأمد تعمل على توفير وسائل حفر آبار والسعي إلى استزراع الأراضي اليابسة التي تعرضت للجفاف في الفترة الأخيرة مما أدى إلى المجاعة
والأهم - وفق هذه الخطة المطلوبة - هو السعي إلى تحقيق نوع من المصالحة الوطنية الحقيقية التي تؤهل شرائح الشعب الصومالي وقواه المختلفة والمتحاربة إلى الانضواء تحت راية نظام سياسي واحد يكون بمقدوره استعادة الأمن والاستقرار تمهيدا لبدء خطط تنمية تعيد الصومال إلى امتلاك قدرة إنتاجية في ظل ما تمتلكه من ثروات وموارد طبيعة هائلة
وأظن أن البنية التحتية لتنفيذ مخططات من هذا النوع متوافرة تحت عباءة منظمة التعاون الإسلامي التي تشهد قدرا كبيرا من الحيوية منذ تولى أدارتها الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلي وذلك في ظل عدد من المعطيات أولها أن هناك مكتبا تابعا للمنظمة بمقديشيو من شأنه الإشراف إذا ما وفرت له الكفاءات البشرية والطاقات التقنية الجماعية على عملية توزيع المساعدات الإنسانية والطبية والغائية على نحو يقود إلى تسليمها إلى ضحايا المجاعة والمنتشرين داخل العاصمة والمناطق المحيطة وحتى مناطق الحدود مع كل من كينيا وإثيوبيا التي زحفت إليها حشود النازحين والمصابين بالأمراض.
ثانيا أن الكلفة المالية المطلوبة ليست بعيدة المنال بعد أن أتيحت مبالغ لا بأس بها وفي صدارتها 60 مليون دولار خصصها الملك عبدالله بن عبدالعزير العاهل السعودي و10 ملايين دولار وفرتها الحكومة الكويتية ويمكن زيادة هذه المبالغ خلال الاجتماع المرتقب باسطنبول بعد غد.
ثالثا: يتعين توظيف الأجواء المحيطة بشهر رمضان المبارك في الحصول على إسناد شعبي لتوفير المزيد من الأموال من خلال دعوة الخيرين من أبناء الأمة إلى الدفع بزكوات أموالهم وزكاة الفطر وغيرها من أنواع الصدقات التي يسارعون بإنفاقها في هذا الشهر الكريم للمساهمة في إنقاذ أشقائهم من أبناء الشعب الصومالي وثمة فتاوى من مراجع دينية سنية وشيعية أجازت ذلك ولكنه في حاجة إلى نوع من التنظيم والتوظيف الأمثل تحت إشراف المنظمات الخيرية والإنسانية في عدد من الأقطار العربية والإسلامية ومعلوماتي أن بعضا منها أخذ المبادرة بالفعل وتحرك في الشارع وبدأ يجمع الأموال والمساعدات عبر حسابات خاصة بالبنوك والمصارف فضلا عن تخصيص مراكز لتلقي المساعدات العينية.
رابعا: ليس مطلوبا الاستبعاد النهائي للمنظمات الإنسانية الدولية أو لمساعدات بعض الدول الأجنبية فهي يمكن أن تمثل رافدا مهما في احتواء المجاعة خاصة بفعل ما لديها من خبرات في التعامل مع هذه النوعية من الكوارث وفي هذا السياق فإنه ينبغي التنسيق مع الجاد منها والذي يتحرك وفقا لدوافع إنسانية وليس دوافع سياسية خاصة أن ثمة حالة من عدم الثقة في بعض من هذه المنظمات التي تحاول أن تستغل الأمر لأهداف تتعلق بمشروعاتها التبشيرية وهو ما يمكن مواجهته عبر تكثيف وجود المنظمات الإسلامية ذات الكفاءة العالية والخبرة الطويلة المكتسبة من العمل في مواقع أزمات وكوارث مثل أفغانستان والبوسنة والهرسك وكوسفو وغيرها من المناطق المشتعلة.
خامسا: إن الأجواء الأمنية والتي ظلت مصدرا للشكوى على مدى السنوات الثلاث السابقة باتت مهيأة الآن لدخول المساعدات والكوادر المصاحبة دون خوف من هذه الميليشيا أو تلك بعد أن تمكنت قوات الحكومة الانتقالية من إجبار ميليشيا شباب المجاهدين من الخروج من العاصمة وتعهدها بتوسيع سيطرتها على باقي مناطق الصومال وأظن أن تلك مهمة مطلوب أن تساهم فيها الدول الإسلامية بإلحاح حتى يكون بمقدور حكومة شيخ شريف أحمد أن تفرض سطوتها وبالتالي قانونها على جميع الأراضي الصومالية وهو ما لم تنجح فيه حتى الآن بفعل عوامل إقليمية ودولية تحبذ إبقاء الحالة الصومالية في حالة عدم الاستقرار وبعيدا عن سيطرة حكومة مركزية قوية.
إن شعب الصومال ينادي أمته كي تسارع بإنقاذه من محنته فهل تمتد أيدي حكوماتها وشعوبها لكي تشكل منظومة قوية قائمة على أسس علمية وإنسانية تحميه من خطر الإبادة سواء بفعل حروب الطبيعة أو من جراء حروبه الداخلية؟
أحلم بذلك
السطر الأخير:
متعب أنا يا الله
مسكون بهواجس ومخاوف جمة
الأحزان تلاحقني
والأوجاع تعبث بمقاديري
ثمة من يلهو بشعوب الأمة
يقتل يذبح فيها
كي يبقى على عرش السلطان
كي يكنز ذهبا ولؤلؤا ومرجان
لا يتورع من أن يبدو شيخا قدسيا
يتلو القرآن
أتوجع يا مولاي
وأنا ألمح دما يسفك وجسدا يهان
أو عينا تفقأ أو يقطع لسان
من ينقذنا يا الله
من نفر افتقدوا روح الإنسان؟
لمن يتوجه الجوعى والحيارى والمعذبون
ومن قتلهم عقيد فاقد الهمة وذبحهم بشار
لك وحدك يا الله
فأنت القادر والقيوم المنتقم الجبار
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
368
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
431
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
307
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10308
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8274
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2334
| 08 سبتمبر 2026