رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدو مخاوف الأسواق العالمية على أشدها من أزمة غذاء تلوح في الأفق أكثر صعوبة من تلك الأزمة التي حدثت في 2008، وتنتظر الأوساط الاقتصادية بترقب شديد بيانات الإنتاج الأمريكي من محاصيل الذرة وفول الصويا التي تشير إلى انخفاض مقلق بسبب الطقس الجاف، إلى جانب قلق عالمي من تأثر اليابان بنقص إمدادات الأرز وتباطؤ النمو فيه بسبب أحوال المناخ المتقلبة، وارتفاع أسعار النفط، وتوقعات عالمية ببلوغ تراكم أقل للحبوب بنهاية المواسم الزراعية في 2013.
ويؤكد تلك المخاوف ما توقعته الأمم المتحدة في تقريرها أنّ أزمة الغذاء اليوم هي تحذير للمستقبل، وأنه من المتوقع بلوغ الزيادة السكانية "9"مليارات شخص بحلول 2050، ومن هنا تتطلب الحاجة إلى مضاعفة زراعة الغذاء إلى نسبة "70%".. وقد تكون الحاجة أكثر من ذلك بسبب تنامي أعداد الفقراء إلى مليار شخص جائع، مما يستدعي رفع جهود الاستجابة لتلك الزيادة بتوفير إنتاجيات عالية من الغذاء.
وقد طلبت منظمة الأغذية العالمية "الفاو" زيادة حصة الإنفاق على الغذاء لتصل إلى مليارات الدولارات لإنفاقها على الاستثمار الزراعي، ومضاعفة حصة الإنفاق على الدول النامية بمعدل "50%" حتى يمكن الإيفاء بمتطلبات الغذاء بحلول 2050، وأنّ الحاجة ملحة أيضاً لزيادة حجم الاستثمارات إلى "70%" خلال الأربعين سنة القادمة.
كما يشخص البنك الدولي الوضع الحالي بناء على المؤشر السنوي لعام 2011 وهو ارتفاعه إلى "24%" عن العام 2010، وأنّ أسعار الأغذية لا تزال مرتفعة مما يترك ملايين البشر فريسة للجوع والفقر وسوء التغذية.. ومع بيانات المخزون الأمريكي سترتفع أسعار الغذاء لتشهد ذروتها.
الوضع الراهن للأسواق العالمية يفاقم التوقعات السلبية، فأزمة اليورو لا تزال تراوح مكانها وهناك بوادر اضطرابات مقلقة في أعداد العاطلين عن العمل والبطالة وتقليص حجم الإنفاق على الخدمات المعيشية إضافة ً إلى ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من توترات، انعكست بكل تأكيد على جهود المساعدات الدولية والحراك الإنمائي لمختلف المشروعات في الدول العربية، وبالتالي تراجعت مؤشرات الاقتصاد وأوجه التنمية عموماً بسبب عدم الاستقرار، كما أنّ جهود الأسواق لتفادي المخاوف ليست في مستوى القبول.
من قراءتي للوضع الزراعي فإنّ المنظمات الدولية تبذل جهودا مضنية لتفعيل القطاع الزراعي في الكثير من الدول، وهناك موازنات ضخمة مرصودة لها.. فقد بلغت المساندات المالية التي رصدها البنك الدولي مثلاً في 2008 أكثر من "1،2"مليار دولار وزيدت إلى أكثر من "ملياريّ دولار في 2009 وتمّ مد أجل تلك المساعدات في 2012 استجابة ًلطلبات الدول الأشد تضرراً من الزيادة الكبيرة في الأسعار.. كما تبلغ قيمة برامج التصدي للكوارث الغذائية اليوم أكثر من "1،5"مليار دولار، ووزع منها "82%" على "47" بلداً.. وإذا نظرنا في واقع الحال فإنّ الخطط غير موجودة تطبيقياً على المساحات الزراعية أو الصناعية والاستثمارية أيضاً.
ويكمن الخلل في الآليات الإدارية والتنظيمية لتفعيل هذا القطاع، وغياب الأهداف المرحلية الأولى وضبابية الرؤى العامة للمشروعات الزراعية التي ترتقي لمستوى الحلم في المخططات ولكنها تغيب عن الميدان، وغياب شفافية بيانات السوق الزراعي العالمي، والقيود المفروضة على سياسات التصدير الغذائي، بينما في الواقع نعايش وضعاً مقلقاً لهذا القطاع بسبب عدم دراسة المتطلبات بشكل منهجي لتبنى على أساس ذلك احتياجات النهوض بهذا القطاع من مشروعات وأيدي عاملة وخطط تنفيذية قصيرة المدى ودراسات مرحلية تفي بمتطلبات المرحلة التي تليها.
وهنا يطرح السؤال نفسه عن مصير التحالف الدولي للتصدي للجوع الذي اتفق في 2008 على تشكيله من الحكومات والمنظمات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، مدته خمس سنوات لبلوغ الهدف في 2015 وهو تسهيل الحوار بشأن اتخاذ تدابير فعالة للتقليل من الجوع وتكثيف المساهمات للدول للنهوض ببرامج الغذاء لديها، إلا أنّ نتاج السنوات الأربع الماضية لا نراه ملموساً.
ومما يفاقم المخاوف أيضاً تأثيرات التغير المناخي للكوكب التي انعكست على مشروعات التنمية خاصة ًالزراعة التي تضررت كثيراً، وأدى الجفاف أو الفيضانات إلى وقوع أضرار كبيرة بالسكان والمحاصيل، إلى جانب مشكلة حقيقية بدأت تؤرق صناع السياسات.. وهي نزوح الملايين من البشر من مناطق النزاعات المسلحة والحروب الدائرة على اقتسام الثروات أو التهجير أو الجفاف أو الفيضانات، وهذا يفتح الباب لاحتياجات غذائية من نوع آخر وهي المعونات الغذائية العاجلة التي قدمتها الدول المانحة حسب إحصائية البنك الدولي على شكل مساعدات غذائية بأكثر من "90"مليون شخص حول العالم، والتي ترفع هي الأخرى من الأعباء الملقاة على المنظمات الدولية بسبب عدم استقرار الأوضاع.
في رأيي إنّ الجهود الدولية مطالبة اليوم بتوحيد الرغبة في التوصل إلى نتاج فاعل أولاً، ثم دراسة الوضع الراهن في ضوء المعطيات البيانية الآنية، وعدم هدر الوقت في وضع خطط وبرامج بعيدة المدى ستأخذ سنوات في تنفيذها، لأنّ الأزمة ستخلف وراءها مشكلات جمة أبرزها سوء التغذية والفقر وانتشار الأمراض وتردي الوضع الصحي والمعيشي.. وعندئذ ٍستكون الحلول مكلفة أيضاً لأنّ إصلاح الخلل يتطلب موازنات باهظة، وضرورة وضع خطط إنقاذية عاجلة تفي بالحاجة، وتهيئ الفرص لواضعي السياسات الغذائية في صياغة مخططات تأخذ طريقها إلى التنفيذ.
حروب ما بعد الحرب!
الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو أو الطرف المقابل بكافة الوسائل المتاحة: الميدانية العسكرية والسياسية والاقتصادية... اقرأ المزيد
234
| 13 فبراير 2026
لعل وساطة الخير القطرية تطفئ فتيل المخاطر
جاء في تحليل نشرته (نيويورك تايمز) سؤال مهم وهو: هل تميل واشنطن تدريجيا نحو حل دبلوماسي تجاه إيران... اقرأ المزيد
138
| 13 فبراير 2026
ما أصعب الفراق
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن على فراقك يا عبدالعزيز لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا... اقرأ المزيد
114
| 13 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15174
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1638
| 10 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1203
| 12 فبراير 2026