رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعيش أمريكا هذه الأيام العرس الانتخابي، الاستحقاقات الرئاسية، المرحلة النهائية من العرس الانتخابي، مرحلة المناظرات السياسية بين المرشحين لكرسي الرئاسة هيلاري كلينتون عن الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب عن الحزب الجمهوري. المناظرات السياسية هي آخر مرحلة من مسلسل طويل من الحملات الانتخابية والتسويق السياسي والعلاقات العامة في رحلة الفوز بكرسي الرئاسة الأمريكية. فالانتخابات الرئاسية في أمريكا أصبحت تقليدا وتجربة سياسية فريدة من نوعها تعتمد على صناعة صورة الرئيس القادم للبيت الأبيض وأصبحت عملية تنظم ويتم هندستها بالدرجة الأولى في كواليس العلاقات العامة والاتصال السياسي وصناعة الصورة وإدارتها. فالفيصل النهائي في نتيجة الانتخابات هو قدرة كل مرشح على تسويق نفسه مستعملا كل فنون الاتصال والإقناع وصناعة الصورة للوصول إلى الناخبين، خاصة منهم أولئك الذين لم يحددوا بعد على من يصوتون.
فحسب الإحصاءات، ستكلف الرئاسيات الأمريكية لسنة 2016 ما بين 3 مليارات إلى 5 مليارات دولار. وبنهاية شهر أغسطس الأخير أنفقت المرشحة هيلاري كلينتون ما قيمته 795 مليون دولار، أما ترامب فكانت ميزانيته 403 ملايين دولار. مما يعني أن كل مرشح للبيت الأبيض ينفق ما يزيد على 10 ملايين دولار يوميا على التسويق والإعلام والعلاقات العامة لكسب أكبر قدر ممكن من الأصوات. كل أربع سنوات تتكرر المناظرات السياسية وتتكرر الحملات الانتخابية ويحاول كل مرشح للرئاسة الأمريكية أن يثبت أنه هو الأفضل وهو الأجدر بقيادة أمريكا.
للتسويق السياسي تاريخ كبير في الانتخابات الأمريكية حيث استعمال ورقة العلاقات العامة وفنون الإعلام والاتصال الإقناعي للتأثير في الرأي العام وكسب أكبر عدد ممكن من الموالين للفوز بثقة الناخبين. ويقال في كواليس وأوساط الانتخابات الرئاسية الأمريكية إن المرشح الذي يعتني بمظهره وهندامه وطريقة كلامه وبلاغته وفصاحته والقدرة على فن الحديث والإلقاء والرد على الأسئلة واستفزازات الصحفيين والفضوليين والقدرة على مواجهة الكاميرا والجماهير وكذلك القدرة على الإقناع واستعمال الحجج والبراهين لتفنيد رأي الخصم وتدعيم وتثبيت رأيه، هو الذي يكسب أصوات الناخبين المترددين والذين لم يقرروا بعد على من يصوتون، وهو الذي يفوز بالانتخابات في نهاية المطاف.
فهناك رؤساء لديهم كاريزما وشخصية وحضور أمام الكاميرا، حيث أصبح التعامل مع الكاميرا ووسائل الإعلام جزءًا من عملهم اليومي. فتجدهم يتدربون ويتمرسون على التعامل مع الكاميرا والصحفيين فتلاحظ لديهم سرعة التفكير والبديهة والرد والتأقلم مع كل مستجد. وهناك بالمقابل مرشحون يجدون صعوبات كثيرة في التعبير عن آرائهم ومواجهة الخصم بثقة والقدرة على الرد والشرح والتفسير والتحليل وسرعة البديهة وتجدهم يترددون وبعض الأحيان يناقضون أنفسهم ولا يتذكرون ما قالوه من قبل. يقال إن الرئيس نيكسون خسر الانتخابات أمام كنيدي في مناظرة تلفزيونية ظهر فيها مصفر الوجه، كئيبا ومريضا بسبب نزلة برد حادة، وحسب الخبراء كان من الأفضل له أن ينسحب من المواجهة بدلا من المشاركة أمام الرئيس كنيدي بذكائه الخارق وقدرته الفائقة في التعامل مع الكاميرا.
من جهة أخرى نلاحظ أن التسويق السياسي والاهتمام بالجانب الاتصالي والعلاقات العامة عند المرشح للفوز بكرسي البيت الأبيض هو من أولويات خوض معركة الفوز بكرسي الرئاسة. والذي لا يتقن فن تسويق نفسه وتسويق أفكاره وآرائه وبرامجه وخططه للرأي العام فإنه يتعذر عليه الحصول على الولاء في صندوق الاقتراع. فن الحوار والحديث وفن الإقناع يعتمد بالدرجة الأولى على الصراحة ووضوح الرؤية والقدرة على استعمال الحجج والبراهين والأدلة والأرقام لإقناع المترددين والذين ما زالت الصورة عندهم غير واضحة والذين ما زالوا لم يحددوا موقفهم بعد. فن الحوار والإقناع لا يقبل القسمة على اثنين ولا يؤمن بأنصاف الحلول. المرشحة هيلاري ترى أن الجمهوريين فشلوا في الحرب في العراق وأفغانستان وفي التعامل مع الإرهاب.
الذي يحصل كنتيجة للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط هو أن التواجد الأمريكي في العراق وأفغانستان يزيد من مشاكل وهموم أمريكا والمنطقة يوما بعد يوم وأن التخلص من صدام حسين لم يحسّن في ظروف العراق والعراقيين وأنه لم يقض على الإرهاب وأنه لم يطّهر العالم من النظرة السلبية إزاء أمريكا. كما أن تعامل الجمهوريين مع الإسلام والمسلمين تعامل خاطئ وسطحي ولا يقوم على إستراتيجية ورؤية واضحة، حيث إن هناك تجاهلا للعديد من المعطيات والعوامل المهمة والرئيسية.
المناظرة الأولى التي جمعت المرشحين قبل أسابيع كشفت أن الإطار العام لكل من هيلاري كلينتون ودونالد ترامب هو إطار واحد وأن الفرق بين الحزبين في مسائل مصيرية كالتعامل مع القضية الفلسطينية والتعامل مع إسرائيل هو نفسه لا يتغير ولا تباين بين الحزبين. الأمر الآخر هو أن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تبقى معالمها نفسها لا تتغير. فالفرق بين المرشحين لكرسي الرئاسة لا يكمن في الأيدولوجية ولا في الثقافة بقدر ما هو في نمط التفكير. فكلينتون على عكس ترامب ظهرت بتفكير علمي منطقي وعملي على عكس ترامب الذي اعتمد على العواطف والمشاعر والعقيدة والأخلاق والغطرسة الأمريكية، كما ظهر مرشح الجمهوريين جاهلا بالكثير من القضايا المصيرية في العالم خاصة ما يجري في سوريا وفي الشرق الأوسط. والغريب في الأمر أن ترامب لايريد التعلم والتخلص من جهله. من جهة أخرى لوحظ على ترامب العنصرية والأفكار الهدامة حول كل ما يتعلق بالأقليات والأجانب خاصة المسلمين. كما أظهر مرشح الجمهوريين عدم اللياقة والكياسة والإتيكيت وموقفه السلبي من المرأة والمبادئ التي يقوم عليها الدستور الأمريكي والتي تتمثل في عدم التمييز والفصل على أساس اللون أو العرق أو الجنس، الأمر الذي جعل هيلاري كلينتون تتفوق عليه وبفارق معتبر سواء في المناظرة الأولى أو الثانية ما جعل بعض الجمهوريين النافذين في السياسة الأمريكية يتبرؤون منه ويقترحون نائبه كبديل.
ما يعاب على كلينتون هو أنها لم تضع خطة واضحة المعالم للتعامل مع الإرهاب ولحل المشاكل التي تتخبط فيها في سوريا والعراق وأفغانستان وليبيا ومناطق توتر أخرى عديدة في العالم. كلينتون لم تقدم خطة واضحة المعالم تتعافى بموجبها أمريكا من سمعتها السيئة عبر العالم ومن كراهية الشعوب للعم «سام». إذا استمر الوضع في سوريا والعراق كما هو فهذا يعني المزيد من الخسائر المادية والبشرية للسوريين والعراقيين والمزيد من الأموات في صفوف شباب الجيش الأمريكي. هذا الفشل يؤدي إلى تقوية صفوف القاعدة وزيادة كراهية العالم لأمريكا وزيادة اتساع الفجوة بين أمريكا وحلفائها.
المناظرات أظهرت خبرة وتجربة هيلاري كلينتون في فن الاتصال السياسي والقدرة على الإقناع والتحكم في مفاصل النقاش والمناظرة والحوار والرد على أسئلة الصحفيين والمختصين. من جهة أخرى كشفت المناظرات الضعف الكبير الذي يعاني منه مرشح الجمهوريين لكرسي الرئاسة سواء على مستوى السياسة الخارجية والعلاقات الدولية أو سواء فيما يتعلق بالشؤون الداخلية مثل الضرائب والصحة والتعامل مع الإسلام والمسلمين والأقليات. وحتى ينجح التسويق السياسي لابد من وجود برنامج وخطط ومشاريع وقناعات يُروّج لها. ففي بعض الأحيان الأموال لا تكفي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
1605
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1536
| 29 مايو 2026
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
1092
| 30 مايو 2026