رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب...، أي شعب في العالم عندما يرضخ لظروف قاهرة لإرادته وأمانيه وتطلّعاته، لا يعدم الوسيلة للتخلص من الظلم والقهر والتسلط المنفرد أو الجمعي، عبر الثورات بكل أشكالها وصورها، أو الاحتجاجات، ومن ذلك أيضا الاعتصامات والعصيان المدني، والإضرابات، وغير ذلك من المظاهر وردود الفعل الشعبية.
مع انسداد آفاق التسوية مع (إسرائيل)، وفشل نهج المفاوضات، الذي اتبعته منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة وحزبها حركة فتح، ارتفعت مجددا أصوات الشبان الفلسطينيين، فنظّموا حملة من المظاهرات والمسيرات انطلقت في 15 مارس عام 2011، وتلاحقت على فترات متباعدة في كل من مدن الضفة الغربية وقطاع غزة للمطالبة بإنهاء الانقسام بين قطبي الثنائية الفلسطينية، حركتي فتح وحماس، منها مجموعات وتكتلات وائتلافات شبابية، أطلقت على نفسها اسم (شباب 15 مارس)، وما أطلق عليه (جيل أوسلو)، والملتقى الوطني (أنا فلسطين) الذي نظّم مؤخرا اعتصاما في بلدة أبو ديس بضواحي القدس، تحت شعار(استمرار الانقسام وصمة عار في جبين الشعب الفلسطيني).
هذا الانقسام الذي ارتبطت أسبابه بعراقيل الانتقال السلمي للسلطة بعد فوز حركة حماس بأغلبية المقاعد في الانتخابات التشريعية في العام 2006، غذّتها أمريكا وإسرائيل وبعض دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب أنظمة عربية رسمية، أفرز حكومتين بسلطتين سياسيتين وتنفيذيتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، إحداهما تحت سيطرة حركة فتح، والأخرى تحت سيطرة حركة حماس.
طالب الشبان الفلسطينيون في بيان منشور على وسائط التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر.. إلخ) بحل جذري للوضع الراهن يبدأ بإخراج كل الأسرى السياسيين والمعتقلين من سجون حركتي حماس وفتح، وبإجراء انتخابات مجلس وطني جديد بمشاركة كافة المكونات السياسية للشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، فلسطينيي المخيمات في الدول العربية، وفلسطينيي الشتات حول العالم، وبوقف كافة أشكال الحملات الإعلامية من الطرفين، واستقالة حكومتي إسماعيل هنية في غزة وسلام فياض في رام الله للتمهيد لحكومة وحدة وطنية متفق عليها من كافة الفصائل الفلسطينية.
وشددوا على وقف أو تجميد المفاوضات مع (إسرائيل)، كما طالبوا بإنهاء الفساد والعمل على الإصلاح السياسي والاقتصادي، ووقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله مع إسرائيل، والعمل على إنهاء حصار قطاع غزة وإعادة إعمار مدنها ومخيماتها، وفتح المعابر، كما طالبوا بانتخابات حرة ونزيهة، واقتصاد حر مستقل.
مجموعة هذه المطالب المتدرّجة التي حوتها صفحات الإنترنت حينها، مع اندلاع الاحتجاجات والمسيرات في العديد من المدن الفلسطينية الكبرى، فاجأت السلطة الفلسطينية، كما كان مفاجأ بذات القوة والقلق لقيادتي حركتي فتح وحماس من اتساع نطاق الحراك الشعبي، خاصة أن الفضاء العربي المحيط بفلسطين متخم بالأحداث المتسارعة وبالاحتجاجات العارمة مطلع العام 2011، أي ما سمي بثورات الربيع العربي (الثورة التونسية والثورة الليبية وثورة 25 يناير المصرية التي أطاحت بالرؤساء زين العابدين بن على ومعمر القذافي وحسني مبارك).
كما أن من مظاهر المشاهد التي تستدعي القراءة، حملة (وطنيون لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الفلسطينية)، حيث عقد القائمون عليها، وينتمون إلى شرائح اجتماعية مختلفة، فنانون ومثقفون وحقوقيون ونشطاء سياسيون ومدنيون، رجال ونساء، وشباب، وشخصيات دينية، جمعتهم قضية واحدة، وهي قضية المصالحة الوطنية، وإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة السياسية والديمغرافية بين الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، مؤتمرا موسعا في طولكرم، تمخّض عن تشكيل لجنة دائمة ومسؤولة للمتابعة.. والسؤال أين هي هذه اللجنة، وماذا جنت؟
وسجّل الرصد في هذا الصدد، عقد مؤتمر نقاشي لمركز مسارات للدراسات الإستراتيجية في مدينة البيرة بالضفة الغربية المحتلة بداية شهر أغسطس الماضي، بعنوان (نحو رؤية شاملة لإعادة بناء الوحدة الوطنية) بمشاركة مواطنين من مختلف الشرائح في جناحي الوطن الفلسطيني عبر نظام (الفيديو كونفرنس)، وشارك فيه أيضا ممثلون عن المخيمات الفلسطينية في لبنان، طرحت خلاله ما خلاصته "ما العمل" لتحقيق الوحدة ومواجهة الانقسام السيئ الذكر والصيت والسمعة، والذي يمكن اعتباره بمثابة النكبة الثالثة أو الرابعة؟
بدا الأمر في المشهد الفلسطيني كما ذكرت مفاجئا، من حيث هوية الحراك الشعبي، فنحن لا نتحدث عن وسيط بين طرفي الانقسام، بل عن مكونات أصيلة للشعب الفلسطيني، بمختلف توجهاته الفكرية والسياسية، وتحظى بمكانة اعتبارية عمّدتها بصمودها الأسطوري على أرضها، ونجاحها الفائق في حفظ هويتها الوطنية، ونضالها الذي لا يتوقف لانتزاع حقوقها الوطنية من سلطات احتلال استعماري متوحّش.
وبالعودة إلى نتائج النقاشات التي دارت في المؤتمرين المذكورين، فقد كانت التصريحات المتباينة لكل من حركتي حماس وفتح واضحة، فكل طرف حمّل المسؤولية للأخر، مما يوحي بعدم رغبتهما التخلي الطوعي عن الانقسام، وفقا لمجمل تعليقات وآراء المشاركين، وأجملها الكاتب والصحفي الفلسطيني برهوم جرايسي فيما يلي:
1) المتابع للأوضاع الفلسطينية يلاحظ أنه كلما تم تشكيل لجنة للحوار بغرض إنهاء الانقسام، تعمّق أكثر، واتّسعت الفجوة بين الطرفين.
2) البعض داخل قيادة منظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية، وفصائل العملية السياسية، تتجه كلها نحو مأسسة الانقسام وإدارته.
3) ليس هناك مصلحة للطرفين الرئيسيين في إنهاء الانقسام، فلكل منهما باتت له منافع ومصالح وامتيازات أما شخصية أو حزبية لا يمكن أن يتخلى أو يتنازل عنها بسهولة تحت أي مسمى أو عنوان.
4) الاتهامات الحادّة والمتواصلة بين حركتي فتح وحماس حول الاعتقالات المتبادلة بين الطرفين في القطاع والضفة، لا تؤشر إلى وجود الرغبة لديهما في إنهاء الانقسام.
وتحت الضغوط الشعبية المتصاعدة. وقّعت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في القاهرة يوم 27 أبريل 2011 بالأحرف الأولى (وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني) برعاية مصر لإنهاء حقبة الانقسام الفلسطيني بعد أكثر من أربع سنوات من الانقسام، أي منذ يونيو 2007، ومهّدت الوثيقة (الاتفاق) لإقامة حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات عامة، فعمّت الفرحة والابتهاج الكل الفلسطيني، وسادت معالم الابتهاج والفرح بين الأوساط الشعبية، ورفعوا العلم الفلسطيني ورايات حركتي فتح وحماس جنبا إلى جنب.
وفي شهر أبريل من العام 2011، وقّعت باقي الفصائل الفلسطينية في القاهرة على (وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام)، والتي كانت رافعة لكل اللقاءات والحوارات اللاحقة في كل من العاصمة القطرية (الجلسات الحوارية بالدوحة)، وبنود اللائحة التنفيذية للقاء مخيم الشاطئ في غزة.
واجهت سلطات الاحتلال الإسرائيلي هذه الخطوة من جانب الفلسطينيين على طريق المصالحة وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني بالرفض، وحينها نقلت صحيفة (هآرتس) عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه ومستشاريه أجروا محادثات مع الإدارة الأمريكية وجهات دولية أخرى لإحباط احتمالات المصالحة الوطنية الفلسطينية، والضغط على رئيس السلطة محمود عباس كي يمتنع عن تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حماس، وقال نتنياهو في مقابلة مع شبكة (سي أن أن) التلفزيونية الأمريكية يوم الأربعاء 16 مارس أن الفلسطينيين في فتح يتحدثون الآن عن وحدة وطنية مع حماس التي "تدعو إلى القضاء علينا"، وقال "على السلطة الفلسطينية الاختيار بين السلام مع إسرائيل أو السلام مع حماس"، كما طالب حزب (إسرائيل بيتنا) الحكومة والمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية بقطع كافة الاتصالات مع السلطة الفلسطينية.
أما الولايات المتحدة فردّت بفتور على الاتفاق، ووصفت حماس بأنها منظمة إرهابية،وقالت إن أي حكومة فلسطينية لابد أن تنبذ العنف،مشددة على مواقفها السابقة،وهي اعتراف حماس بإسرائيل،وهي مواقف أعلنتها واشنطن مرارا في عهد الرئيس السابق جورج بوش.
على مدى الأعوام الماضية، أي منذ العام 2011، بعد انهيار اتفاق المصالحة، وما سمي (وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني) برعاية مصر في ذلك العام، بسبب التجاذب الداخلي بين مصالح قيادات متنفّذة (جماعات المصالح)، التي نمت وترعرعت على مخرجات الانقسام السوداء، ومكاسب الحرس القديم ومناصبه وامتيازاته في حركتي فتح وحماس، وضغوطات خارجية وقفت وراءها (إسرائيل وأمريكا)، وتدخلات من بعض الأنظمة العربية الرسمية، وقف الشارع الفلسطيني، والأغلبية الصامتة، في حيرة من أمر القيادات السياسية.
دبّت الروح مجددا لدى الشبان الفلسطينيين والمثقفين ورجال الفكر ومنظمات المجتمع المدني، فتحرّكت في مظاهرات ومسيرات احتجاج عمت شوارع المدن في الضفة والقطاع مطالبة بوضع اتفاق المصالحة حيّز التنفيذ، وتحديدا عقب جولات الحوار الفلسطيني الثلاث بين قطبي الانقسام التي استضافتها دولة قطر بداية العام الجاري، وركام المبادرات والاتفاقات والتفاهمات التي سبق وأن أبرمت في حوارات القاهرة والدوحة وغزة وغيرها، بالتوازي مع مظاهر التصدّي لقوات الاحتلال ووحشيتها ومصادرة الأراضي والتغوّل الاستيطاني بكافة صوره وأشكاله، إلا أن قساوة وضراوة تعامل الشرطة الفلسطينية وأجهزة الأمن في الضفة الغربية قمعت الحراك الشعبي، وكذلك الأمر في قطاع غزة حيث لم يكن تعامل شرطة حماس وأجهزتها الأمنية بأقل قسوة وضراوة.
هذا الحراك الجماهيري الفلسطيني فشل، وسبب الفشل، كان غياب الشمولية والتنظيم والتنسيق وعدم بروز قيادة موحّدة لإدارة هذا الحراك وتطويره إلى انتفاضة سلمية بشعارات وطنية قوية ومحدّدة وواضحة، تماما كما حصل حين اندلعت انتفاضة الأقصى في العام 2000 ضد الاحتلال، وقبلها انتفاضة الحجارة.
الانقسام بين قطبيه، فتح وحماس، سيستمر، إلّا إذا مارس الشعب الفلسطيني بكل مكوّناته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، داخل الوطن المحتل، وفي دول الشتات والاغتراب، ضغوطا جدّية، منها، أولا، عقد مؤتمر شعبي موسع يمثل الكل الفلسطيني تحت شعار(المصالحة الوطنية أولا)، على قاعدة ما تم التوصل إليه في لقاءات القاهرة والدوحة ومخيم الشاطئ بغزة، على مرحلتين، الأولى داخل الوطن الفلسطيني، والمرحلة الثانية لفلسطينيي الخارج واللاجئين في عاصمة عربية برعاية جامعة الدول العربية لنفس الهدف، ثانيا، تكليف شخصيات وطنية مؤثّرة من المشاركين لعرض النتائج والمطلب الوحيد على السلطة وحزبها حركة فتح، وعلى قيادة حماس وباقي الفصائل الفاعلة، ثالثا، تنفيذ احتجاجات سلمية واسعة وشاملة، منها الاعتصامات المدنية والإضرابات والمسيرات في الداخل الفلسطيني والعمل على إنفاذها بكل السبل والأدوات المتاحة، وتنفيذ مماثل لفلسطينيي الخارج أمام سفارات وممثليات فلسطين في الإقليم العربي ودول الاتحاد الأوروبي وأمريكا وغيرها، بالتزامن، أو بالتدرّج الزمني، رابعا، تشكيل جبهة عريضة من القوى والشخصيات الوطنية العربية لمواجهة الانقساميين أن أصرّوا على وضع العراقيل أمام تنفيذ استحقاقات بنود المصالحة وحواراتها ومخرجاتها.
لا رابح من الانقسام سوى الاحتلال، وأهم خاسر لا محالة، هو الشعب الفلسطيني الذي ضاق ذرعًا باستمرار حالة التشظي، ولابدّ من التحرّك، عاجلًا قبل آجلًا، لوضع حد لهذه الحالة الشاذّة والمعيبة.
أدعوا جميع المخلصين والشرفاء من أبناء شعب فلسطين، وكل العروبيين والغيورين على القضية الفلسطينية، العمل معا كتفًا لكتف، إلى جانب الحراك الشعبي السلمي الفلسطيني، والقيام بما هو متاح من أنشطة وتحركات، حتى يجنح قطبي الانقسام لخيار تحقيق المصالحة، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وهي خطوة أولى على طريق تحرير الأراضي الفلسطينية، ودحر الاحتلال بكل مسميّاته وعناوينه العسكرية والاقتصادية والتجارية والأمنية.. إلخ، وهو ما افتقدته كافة المبادرات العربية التي عملت على إنهاء الانقسام طوال السنوات الماضية، أما لماذا فشلت الوساطات العربية (السعودية، مصر وقطر) في إنهاء الانقسام في البيت الفلسطيني الداخلي.. فللحديث بقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1110
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
582
| 12 أكتوبر 2026