رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قادت قطر خلال هذا الأسبوع عملا في غاية الأهمية من شأنه أن يعجل بسقوط النظام القمعي للرئيس بشار الأسد. وكانت المحادثات المطولة التي امتدت لأربعة أيام تهدف إلى تشكيل إطار موحد لمختلف قوى المعارضة للدفع بجهود مقاومة النظام قدماً. وقد رحبت الحكومات الغربية بهذه الخطوة واعتبرتها خطوة إيجابية نحو إنهاء حكم عائلة الأسد الذي امتد لأكثر من أربعين عاما. وقد توجت هذه المحادثات المطولة يوم الأحد الماضي بتوقيع المجلس الوطني السوري، أكبر قوة سياسية معارضة للنظام، اتفاقا يقضي بتشكيل تحالف جديد أطلق عليه "الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية". وبهذا تكون المعارضة قد استجابت للضغوط المتزايدة لقبول مجموعات أخرى لم ترغب في ضمها إلى صفوفها لعدم فعاليتها أو لدورها الهامشي.
وقد وافق المجلس الوطني السوري في الاتفاق المبدئي على انتخاب أحمد معاذ الخطيب رئيساً للائتلاف المشكل حديثا، فيما تم انتخاب رياض سيف، وسهير الأتاسي نائبين للرئيس. وأكدت الولايات المتحدة الأمريكية دعمها للاتفاق الذي توصلت إليه قوى المعارضة لإسقاط الأسد ورموز نظامه، وترفض فيه أي حوار مع النظام. كما يمنح الاتفاق صلاحيات تشكيل هيئة قضائية وطنية، وتشكيل حكومة مؤقتة بعد نيل التحالف لاعتراف المجتمع الدولي، ومن ثم إقامة حكومة انتقالية بعد إسقاط النظام.
وكان رئيس الوزراء القطري معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني قد أكد قبل وصوله إلى القاهرة أنه سيجري مباحثات مع وزراء الخارجية العرب والحلفاء الأوروبيين لكسب الاعتراف للتحالف الجديد. وهذا ما تحقق فعلا في اجتماع وزراء الخارجية العرب والأوروبيين في القاهرة. وبنيل المعارضة الاعتراف الدولي ستكون قد اكتسبت الشرعية الكاملة المنشودة لتشكيل حكومة مؤقتة داخل سوريا أو في المنفى. وكانت الدول الأساسية الداعمة قد وعدت التحالف بتقديم مساعدات عسكرية وإنسانية تمكنه من تحقيق أهدافه للشعب السوري.
وكان بشار الأسد قد استبق هذا الحدث بالظهور في مقابلة مع قناة روسيا اليوم الأسبوع الماضي أكد فيه بقاءه في الحكم وتعهده "للعيش والموت" في سوريا حيث عاش منذ ولادته. وتشير كلماته في المقابلة على أنه ربما أراد أن يرد على المطالبات المستمرة من المجتمع الدولي لإنهاء حكمه العسكري. كما أشار الأسد بأنه لن يتنحى عن الحكم أو يغادر سوريا، بل وحذر الدول الغربية من التدخل في الشأن الداخلي السوري، وإذا حدث وتم التدخل فإن الثمن سيكون أكثر من أن يتحمله العالم حسب قوله.
ومنذ مارس 2011 فإن المواجهات الدموية مع الثوار قد أودت بحياة أكثر من 37 ألف سوري، ويتوقع أن يرتفع هذا العدد كلما طالت فترة بقاء الأسد ونظامه في الحكم. وتتخوف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة من انتشار هذه الحرب عبر حدود الدول المجاورة لتزيد المشكلة تعقيدا، لتتعمق الأزمة التي تهدد انعكاساتها الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وقد وقعت بالفعل سلسلة من الهجمات على الحدود مع لبنان وتركيا وإسرائيل، كانت آخرها غارة للطيران السوري على منطقة رأس العين الحدودية التي تسيطر عليها المعارضة، وأودت بحياة 16 شخصا، وأجبرت أعداداً أخرى على عبور الحدود للاحتماء بمخيمات اللاجئين على الجانب التركي. وقد دفعت التطورات على الحدود مع تركيا حلف الناتو لتأكيد تعهداته بحماية حليفته تركيا والدفاع عنها. ومن جانبها قالت الحكومة التركية بأنها ستتخذ إجراءات دفاعية لتفادي امتداد العنف إليها من سوريا.
وفي أعقاب محادثات توحيد المعارضة في الدوحة، دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون كلاً من سوريا وإسرائيل إلى ممارسة ضبط النفس بعد أن سقطت قذيفة على الجانب الذي تحتله إسرائيل من هضبة الجولان وردت عليه إسرائيل بطلقات تحذيرية. ويأتي الهجوم إثر تصريحات أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أكد فيها أن إسرائيل "مستعدة للتعامل مع أي تطور" في إشارة إلى الأزمة السورية.
وكررت الدول المجارة لسوريا مطالبتها للمجتمع الدولي خاصة أمريكا بإقامة منطقة حظر للطيران لمنع طيران الأسد من مهاجمة اللاجئين في المناطق الحدودية، وامتداد النزاع إلى دول الجوار. ولا تزال الدول الغربية مترددة في اتخاذ مثل هذه الخطوة بسبب الفيتو الروسي- الصيني المزدوج ضد قرار فرض عقوبات على سوريا. وكان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قد أشار في سبتمبر الماضي إلى أن الولايات المتحدة لا تعطي اهتماما كافيا للأزمة السورية وتقدم دعماً غير مؤثر للمعارضة لانشغالها بالانتخابات الرئاسية.
وبالعودة للوراء، فإن أخطاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما في إدارة الأزمة السورية وتعامله مع الثورة يبرهن على أن هنالك ثغرات وجوانب ضعف في سياسته الخارجية. وها هو أوباما قد أعيد انتخابه، وحان الوقت لتفعيل سياسة بلاده الخارجية لتقويض حكم الأسد، وزيادة الدعم لقوى المعارضة للتخلص من النظام القمعي. وباعتبارها المشكلة الأكثر إلحاحا خلال هذه الفترة، فإن الظروف تبدو مواتية لأوباما ليستعيد زمام المبادرة في الأزمة السورية. حيث يمكنه مع حلفائه أخذ الدروس والعبر من تجربته خلال السنوات الأربع الماضية في التعامل مع قضايا المنطقة.
أما في إيران الحليف الأقرب إلى سوريا، فإن صناديق الاقتراع ستحدد قريبا الرئيس الذي سيخلف أحمدي نجاد. وأياً كان الفائز في انتخابات 2013، فالمؤكد هو أن الدولتين ستواجهان تحديات جمة. فبالنسبة لإيران يتوقع أن تتدخل المزيد من الأطراف للحد من طموحاتها النووية، بينما ستدخل الأزمة السورية مرحلة حاسمة في ضوء تعزيز المقاومة لموقفها بتوحيد صفوفها وكسب المزيد من التأييد الإقليمي والدولي.
وكانت شعوب الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية تكافح من أجل تحقيق المزيد من الإصلاحات السياسية، وأن تجربة الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن تبرهن لنا بأن الزمن وحده كفيل بتحديد اللحظة التي يحين فيها التغيير الحقيقي في بلد ما. فالحاكم السابق لليبيا الدكتاتور معمر القذافي الذي حكم البلاد لحوالي اثنين وأربعين عاما وتمسك بالحكم إلى آخر لحظة لقي فيها حتفه بعد أن تعرض لما يكفي من الإهانات والإذلال على يد من ثاروا على حكمه. وكذا حسني مبارك الذي حكم البلاد لثلاثين عاما يواجه مصيره المحتوم في بلده مصر بعد أن حكم عليه بالسجن المؤبد. وبعد إعلان الرئيس السوري بأنه "سيعيش ويموت " في سوريا يتضح لنا بأنها مسألة وقت لا غير لنرى اللحظة التي يتم فيها إقصاؤه من الحكم بشتى السبل الممكنة. وبنهاية هذا العام ستكون الأيام الحالكة للثورة السورية قد انتهت وتأتي اللحظة التي نشهد فيها نهاية قصة حكم الأسد. فما تحقق خلال هذه الأيام القليلة الماضية يجعلنا أكثر تفاؤلا برؤية غد مشرق للثورة السورية، وتباشير عام 2013 تلوح في الأفق بالنصر المؤزر للشعب السوري.
الذكاء الاصطناعي في قطاع العلاقات العامة
يشهد مجال العلاقات العامة ثورة كبيرة يقودها الذكاء الاصطناعي، لتتحول الى إدارة أكثر تفاعلاً وإنتاجاً وتطوراً، من خلال... اقرأ المزيد
4800
| 17 مارس 2024
الذكاء الاصطناعي وقمة الويب
الأسبوع الماضي، استضافت الدوحة فعاليات قمة الويب قطر 2024، وهو أكبر مؤتمر في قطاع التكنولوجيا في العالم يناقش... اقرأ المزيد
801
| 03 مارس 2024
فلسطين والذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني
أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إشعال نقاش محتدم حول كيفية استخدامه في الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق... اقرأ المزيد
2514
| 25 فبراير 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026