رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان قرار دعوة جهاز الاستثمار لشراء نسبة العشرة بالمائة الثانية من رؤوس أموال البنوك الوطنية- باستثناء البنك الوطني- قرارا مفاجئاً بامتياز، سواء في ذلك لجهة توقيت صدوره أو للظروف التي سبقت الإعلان عنه. وقد ورد في تبرير صدور القرار أنه يأتي لدعم مقدرات البنوك في مواجهة حدثين مهمين أولهما تمويل مشروعات البنية التحتية الضخمة المرتبطة بتنظيم قطر لمونديال 2022، وثانيهما تعزيز ملاءة البنوك بما يساعدها على تلبية متطلبات بازل 3. فلماذا كان القرار مفاجئاً؟، وما هي التأثيرات المحتملة للقرار على الأوضاع الاقتصادية بوجه عام وعلى أسعار الأسهم في بورصة قطر بوجه خاص؟.
لقد كان مبعث المفاجأة في صدور القرار أن كل التقارير الرسمية والتصريحات الصادرة عن مصرف قطر المركزي قد أكدت في الشهور الأخيرة أن البنوك القطرية نجحت في تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية، كما أن النتائج المتوقعة للبنوك للعام 2010 تضع صافي الربح فوق 11.5 مليار ريال، وهو مستوى قياسي جديد ويزيد بنسبة 15% عن الأرباح القياسية السابقة التي تحققت في عام 2008، ومن ثم فقد لا يكون هناك ثمة مبرر لمثل هذه الزيادة الطارئة في رؤوس أموال البنوك. ويعزز هذا الرأي أن البنوك لم تكن تنقصها السيولة المالية اللازمة للإقراض والتمويل، إذ إن لديها رصيدا حرا لدى مصرف قطر المركزي بلغ في نهاية نوفمبر الماضي مبلغ 63.5 مليار ريال مقارنة بـما يتراوح ما بين 2-3 مليارات ريال فقط في الظروف المعتادة حتى منتصف عام 2007. والأهم من ذلك أن البنوك رغم ما لديها من سيولة فائضة كانت مقلة في إقراض القطاع الخاص بحيث لم ترتفع قروضها وتمويلاتها بأكثر من 5.3 % في فترة الشهور الأحد عشر الأولى من عام 2010.
ومن أسباب الشعور بالمفاجأة أيضاً أن تنفيذ الشق الثاني من الزيادة سيتم دفعة واحدة بنسبة 10% خلال شهر ونصف من الآن، في حين أن تنفيذ الشق الأول منها قد تم على دفعتين في عام 2009 رغم أن ظروف الأزمة المالية العالمية آنذاك بدت أكثر إلحاحاً في طلب تنفيذ الزيادة على دفعة واحدة.
وفيما يتعلق بقرارات بازل 3 التي طالبت بزيادة رؤوس أموال البنوك حتى تستطيع مواجهة الأزمات التي باتت سمة من سمات العصر، فإن العمل بتلك القرارات ليس بالأمر العاجل وإنما هو مؤجل حتى عام 2018، وبالتالي لدى البنوك وقت كاف لتعديل أوضاعها بما يتلاءم مع المتطلبات الجديدة. والأكثر من ذلك فإن هذه الزيادة تزيد من مشاركة الحكومة في أنشطة القطاعات الاقتصادية بالدولة وهو ما يبدو متعارضاً مع الفكر الذي يطالب بمشاركة أكبر للقطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وبخصخصة القطاعات الإنتاجية -غير النفطية- للحكومة.
على أن هناك في المقابل من يرى أن سياسة الدعم التي تنفذها الحكومة للبنوك الوطنية هي سياسة حصيفة وذات نظرة مستقبلية لتحقيق أهداف وطنية قد تخفى مراميها عن الكثيرين، وأن الدعم الواضح من الحكومة للبنوك في عام 2009 قد حظي بإشادة من صندوق النقد الدولي. ويشير هذا الفريق من المحللين إلى أن معظم الشق الأول من الدعم – سواء في ذلك زيادة رؤوس الأموال، أو شراء محافظ الأسهم والعقارات - لم يتم صرفه نقداً وإنما في صورة سندات حكومية رفعت رصيد البنوك من السندات الحكومية إلى 39 مليار ريال، بعائد وصل إلى 6% تقريباً. وبهذه الطريقة الذكية فإن الحكومة قد عززت رؤوس أموال البنوك، وقلصت القروض الصعبة الضاغطة عليها، وقدمت لها توظيفاً جيداً لجزء من أموالها في وقت استعصى فيه التوسع في إقراض وتمويل القطاع الخاص تجنباً لمخاطر الانزلاق من جديد في مشاكل الديون المتعثرة. ويرى هذا الفريق أن عائدات البنوك من هذه السندات ومن القروض المقدمة للحكومة والقطاع العام - والتي بلغ رصيدها حتى نوفمبر الماضي نحو 109 مليارات - ربما تجاوزت 8 مليارات ريال، وهو ما ساعد البنوك على تحقيق نتائج قياسية في عام 2010. ويعزز هذا الفريق رأيه بالقول إنه في الولايات المتحدة زعيمة النظام الرأسمالي العالمي، حدث تدخل حكومي واسع النطاق لإنقاذ النظام المصرفي من تبعات الأزمة العالمية التي عصفت حتى الآن بعشرات إن لم يكن مئات البنوك الأمريكية.
ووفق هذا الفريق من الناس فإن الحكومة ترغب في إتاحة الفرصة للبنوك في المشاركة بفعالية في تمويل مشروعات البنية التحتية الضخمة التي سيتم اعتمادها في الموازنة العامة الجديدة وموازنات السنوات القادمة تباعاً، وهذا الأمر قد يكون من الصعب على البنوك المشاركة فيه والاستفادة المثلى منه بدون دعم رؤوس أموالها، ومثل هذه الزيادة في رؤوس الأموال قد لا يمكن توفرها بالسماح باكتتابات جديدة على نطاق واسع – كما كان يحدث في الفترة 2005-2007، حتى لا تنهار أسعار الأسهم في البورصة. ومن ثم فإن الحل هو في تنفيذ الزيادات المقترحة بمساهمة حكومية يقوم بها جهاز الاستثمار في رؤوس أموال البنوك، ومن خلال توزيعات منح الأسهم التي سيتم إقرارها في الفترة الحالية، إضافة إلى اكتتابات جديدة بنسب محدودة كما فعل البنك الوطني، وغالباً ما ستلحقه بنوك أخرى هذا الأسبوع.
ونعرض في الجزء الثاني من المقال - غداً إن شاء الله - لتأثير هذا القرار على أسعار أسهم البنوك المعنية من ناحية، وعلى أسهم الشركات في البورصة القطرية بوجه عام. ويظل ما أكتب رأياً شخصياً يستند إلى خبرة طويلة في العمل الاقتصادي في قطر يمتد لقرابة أربعة عقود.
اختصار الكاتب في موقف!
في حياتنا الثقافية كثيرا ما اقرأ صفات لبعض الكتاب، تقلل من قدرهم بسبب اقترابهم من السلطة. من الأمثلة... اقرأ المزيد
108
| 01 يوليو 2026
إشارات عن التعليم (2-2)
نواصل الحديث ونستكمل ما بدأنا في هذه المساحة عن التعليم بإشارات وتلميحات وتساؤلات، واللبيب من الإشارة يفهم!. وما... اقرأ المزيد
120
| 01 يوليو 2026
يستمر النابح والمركب يسير
نعلم أن منتخبنا القطري قد خرج مبكرا من الأدوار الأولى لمونديال كأس العالم 2026 والذي يقام حاليا في... اقرأ المزيد
102
| 01 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4530
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
3117
| 29 يونيو 2026
في القطاعات التي تتحرك بسرعة، لا يكون التأخر مجرد بطء إداري، بل قد يتحول إلى خسارة في الكفاءات والفرص والاستثمارات. وقطاع التدريب والتطوير المهني من أكثر القطاعات التي لا تحتمل الانتظار، لأنه يتعامل مباشرة مع الإنسان، ومع جاهزيته لسوق العمل، وقدرته على مواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية. ومع ذلك، ما زلنا أحيانًا ندير التدريب بمنطق يراقب الإجراء أكثر مما يقيس الأثر، ويهتم بمن يقدّم البرنامج أكثر من اهتمامه بما أحدثه البرنامج في أداء المتدرب. هل وُجد التنظيم لحماية جودة التدريب، أم أصبح التدريب مطالبًا بحماية نفسه من تعقيدات التنظيم؟ لا أحد يعترض على وجود ضوابط تحمي المجتمع من البرامج الضعيفة والممارسات غير المهنية والادعاءات المضللة، بل إن القطاع يحتاج إلى حوكمة جادة ورقابة عادلة. لكن الإشكال يبدأ عندما لا تكون حدود الاختصاص واضحة، وعندما تتعدد الموافقات والتفسيرات، وتُفرض متطلبات لا يعرف المستثمر أو المدرب أساسها التنظيمي أو القانوني، فالتنظيم الذي لا يستطيع المعنيون فهمه، أو معرفة مرجعيته، أو التنبؤ بقراراته، لا يبني الثقة في السوق مهما كانت النوايا جيدة. التدريب ليس نشاطًا جانبيًا، ولا ساعات تُستكمل للحصول على شهادة، إنه جزء من بناء رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، ورفع جاهزية الشباب والموظفين. التعليم يمنح الإنسان أساس المعرفة، أما التدريب فيحوّل المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى أداء، والأداء إلى نتيجة، ولهذا لا يمكن إدارة التدريب بعقلية التعليم التقليدي، فالتدريب يقوم على المرونة، وسرعة الاستجابة، والارتباط المباشر باحتياجات المؤسسات وسوق العمل. وحين نحمّله إجراءات لا تتناسب مع طبيعته، فإننا لا نرفع جودته، بل نفقد أهم ما يميزه: السرعة والابتكار. من يملك حق الحكم على المدرب؟ من القضايا التي تحتاج إلى مراجعة جادة قضية تصنيف المدربين، فالمدرب لا يصبح مؤهلًا لمجرد إدراج اسمه في قائمة، كما أنه لا يفقد كفاءته لعدم وجوده فيها. الكفاءة التدريبية لا تُقاس بعنصر واحد، بل بمنظومة تشمل التخصص، والخبرة، والقدرة على تصميم المحتوى، وإدارة القاعة، ونقل المعرفة، وسجل الإنجاز، والأثر الفعلي للبرامج. وإذا تقرر إنشاء تصنيف مهني للمدربين، فيجب أن يقوم على معايير معلنة، ومستويات واضحة، ولجان متخصصة، وآلية عادلة للاعتراض والمراجعة. أما أن تتحول بعض المبادرات أو الإجراءات الداخلية تدريجيًا إلى متطلبات ملزمة على السوق من دون توضيح سندها واختصاص الجهة التي فرضتها، فإن ذلك يستحق الوقوف عنده. فالمبادرة تظل مبادرة، ولا تتحول إلى تشريع بمجرد تكرار تطبيقها. المستثمر ليس خصمًا للجهة المنظمة كما أن مركز التدريب المرخص ليس خصمًا للجهة المنظمة، بل شريك في تنمية المهارات الوطنية، فهو يستثمر في المقرات والتقنيات والكوادر وتطوير البرامج، ويوفر فرصًا للمدربين والمتخصصين. والمستثمر الجاد لا يطلب العمل بلا رقابة، بل يطلب أن تكون الرقابة واضحة ومتوازنة، وأن يعرف مسبقًا ما له وما عليه. لا يمكن أن نتحدث عن دعم القطاع الخاص، ثم نضع أمامه متطلبات متغيرة أو إجراءات يصعب التنبؤ بها. ولا يمكن أن نطالبه بالابتكار، ثم نحاصر كل فكرة جديدة بسلسلة طويلة من الموافقات. الرقابة الذكية لا تعطل السوق، بل تميز بين الملتزم وغير الملتزم، ولا تعاقب الجميع بسبب أخطاء البعض. ولا تقيس جودة التدريب من أوراقه فقط، بل من أثره ونتائجه. ما الذي يحتاجه القطاع؟ ما يحتاجه القطاع اليوم ليس مزيدًا من التعقيد، بل مزيدًا من الوضوح، من خلال تحديد الجهة المختصة بتنظيم التدريب، والفصل بين التعليم الأكاديمي والتطوير المهني، ونشر المعايير والاشتراطات، وعدم تحويل المبادرات الاختيارية إلى متطلبات ملزمة إلا بسند معلن، وإشراك المراكز والمدربين في تطوير السياسات المنظمة للقطاع. إلى صانع القرار إن مراجعة منظومة التدريب ليست مطلبًا لفئة محدودة، بل استثمار في قدرة الدولة على تنمية رأس مالها البشري. فكل إجراء غير واضح قد يؤخر برنامجًا يحتاجه موظفون، وكل اشتراط غير مدروس قد يدفع كفاءة متميزة إلى مغادرة القطاع، وكل تداخل في الصلاحيات قد يربك مستثمرًا ويضعف الثقة ويحد من الابتكار. الدول التي تتقدم في الاقتصاد المعرفي لا تنظر إلى التدريب باعتباره ملف تصاريح، بل باعتباره بنية أساسية للتنمية. هل منظومتنا التنظيمية الحالية قادرة على صناعة قطاع تدريب يواكب طموحات الدولة، أم أنها ما زالت تدير قطاع المستقبل بأدوات الماضي؟ هذا السؤال ليس انتقادًا لجهة، بل دعوة إلى مراجعة وطنية مسؤولة. لأن مستقبل التدريب لا يخص المدربين والمراكز وحدهم، بل يخص كل شاب يستعد لسوق العمل، وكل موظف يحتاج إلى التطور، وكل مؤسسة تسعى إلى رفع إنتاجيتها، وكل دولة تراهن على الإنسان بوصفه أعظم استثماراتها.
2124
| 28 يونيو 2026