رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا أردت أن تعرف ماذا في تونس فعليك أن تعرف ماذا أكلت اليوم أو ما حوته مائدتك من صنوف الطعام ليس لسد جوعك فقط بحثا عن دوام العيش أو قوام الحياة بل لتعرف كم هي ضانية لقمة العيش هذه وكم هي عزيزة بعيدة المنال عن أيدي البعض وأفواههم المعبرة عن جوع بطونهم وكرامة أنفسهم, والصورة من تونس الخضراء تأتيك الآن حمراء مفصلة بأبعاد مختلفة ومؤثرات مختلطة ما بين إنسانية واقتصادية ومزيج آخر من التفاعلات التي حركت الناس إلى الشوارع بحثا عن رغيف العيش وبعض الكرامة .
أبو القاسم الشابي شاعر تونس الكبير وكاتب نشيده الوطني ربما سجل حضورا بين جموع المحتجين هناك وربما ألهب فيهم الحماسة نحو مطلبهم الفطري وفق قصيدته الخالدة.
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
فالشارع التونسي قال مقولته المشوبة بخليط من الدماء وأصوات الاحتجاج محققا "بثورة الخبز" أسرع نصر للإرادة العامة بحثا عن شيء من الكرامة ورغيف العيش اليومي الذي عز على البعض هناك حيث نسب البطالة التي تطاول الـ 30 في المائة "حسب التقديرات الإعلامية التي واكبت الحدث الأخير" من بين عموم تعداد الشعب المناهز لـ 11 مليون نسمة والذي حركته تداعيات الأزمات العالمية وتنامي ثقافة الاحتجاج التي تبدت بكثافة مؤخرا إثر الإحساس بالإحباط من وعود النخبة ورموز السياسة والبروز العلني للتجاوزات والفساد في بلد يتبنى سياسات اجتماعية واقتصادية متباينة يعتمد على نزوح جزء من طاقة العمل ومخرجات التعليم فيها إلى دول أوروبا فكانت أزمة الرهن العقاري بظلالها وتبعاتها معوقا لاستيعاب المزيد منهم في سوق العمل هناك بل وعودة الكثيرين إلى أوطانهم المغاربية بحثا عن العمل والعيش الكريم في بلدانهم التي تعاني أساسا من مشاكل اقتصادية جمة تؤكدها ملامح التنمية الضعيفة والمؤرقة بثقل بالديون العامة وأحجام البطالة وغياب الدور التنموي العربي المؤثر هناك, في تونس تحرك الشارع بحثا عن لقمة العيش لبناء قاعدة لحاجاته حسب هرم مازلو, ورغم هشاشة القاعدة إلا أن الشعب يحملها الطموحات والآمال للظفر بأكثر من الرغيف وسد الجوع, وكأن ساعة الصفر وموجات الضغط قد بدأت فـ "الجوع كافر" كما يقولون ونتائج الحالة وظروفها غير محسوبة المدى, كتبت ما تقدم قبل خبر تنازل الرئيس بن علي عن السلطة حسبما أعلن مساء الجمعة الماضي وفي هذا تحقيق لإرادة الشعب كما عبر عنها الشابي وجسدها الشارع الباحث عن الحرية والكرامة, فنبارك للشعب التونسي نيل إرادته بعد أن مل الوعود وضاق ذرعا بالقيود, وأعتقد هنا أن بلدا بحجم تونس واقتصادياتها لا تستطيع مواجهة الموقف بالتدابير المعلنة وقوة المواجهة وجملة التغييرات المصاحبة للحدث وأعني تحديدا المشاكل الاقتصادية وتبعاتها, فمن جانب يجب أن يتحمل الشعب مسؤوليته التاريخية الآن حتى لا تكون الظروف مرتعا سهلا لبعض المغرضين لجر البلاد إلى ما لا يطاق أو ما لا تحمد عقباه أو قد تكون فرصة سانحة لتدخل القوى الخارجية, فالمهمة السياسية لإعادة استقرار البلاد مناطة بالشعب التونسي وقدرات نخبه المؤهلة للمهمة ويبقى حسب تصوري كعربي المهمة الاقتصادية المؤملة لرفد المسيرة وهي مهمة عربية تستلزم التفاتة من مراكز القرار ومآمير الصناديق الاستثمارية السيادية العربية حيث لا يزال حجم الاستثمار العربي هناك محدودا ضمن جملة الاستثمارات الأجنبية البالغة 1.7 مليار دولار عام 2010م يمثل الاستثمار العربي منها فقط 38.6 في المائة وهو ما يدعو إلى ضرورة السرعة بالوقوف عمليا مع تونس لتعزيز قدراتها الاستثمارية واستيعاب طاقة العمل المتنامية بين سكانها وتفعيل موازين التبادل التجاري العربي مع سوقها تحقيقا للتنمية العربية البينية وواجباتها القومية, فلا تزال الكثير من القدرات الاستثمارية العربية دون الحجم المطلوب هناك وفقا لنتائج الأرقام الاقتصادية المعلنة في السنوات الأخيرة رغم تمتع البلاد بالجواذب الاستثمارية المتنوعة والتسهيلات المقدمة من جانب الاقتصاد التونسي وحاجته الملحة للمزيد من التدفقات النقدية لحفز فعالياته على المزيد من النمو والتوافق مع متطلبات المرحلة وأحجام النمو في السكان وزيادة الأسعار في السوق العالمية لاسيما في جانب الحاجات الغذائية التي تفرض على السكان حالة من السخونة والغليان بحثا عما يسد حاجتهم, وإذا كنا نتحدث في هذا الموضوع الآن تجاوبا مع مشهد التونسي وتغييراته وننشد الهمم والقدرات العربية للمساهمة في الحلول والمعالجات فلا يجب بأي حال أن يكون الدور العربي مدعوا بالمفاجأة فقط وتبني دور الإطفاء أو المجاملة الآنية إذ يجب آن يكون هذا الدور مبرمجا وفق خطط استشرافية مدروسة تشتمل كل المجتمعات العربية وحاجاتها لا أن ينتظر فقط أصوات الاحتجاج أو الاقتتال العنيف في الشوارع من أجل رغيف العيش وفرص العمل, وأخيرا نؤمل في العمل العربي من أجل كل العرب وتنميتهم ومن أجل تونس الخضراء قبل آن تتخضب بالمزيد من الاحمرار الدموي.
Farhan_alaqeel@yahoo.com
الخليج بين صلابة الدفاع وحكمة القرار
ستظل دولة قطر عصية على أي اعتداء يستهدف أمنها وسيادتها، ولن تنجرّ دول مجلس التعاون الخليجي إلى حربٍ... اقرأ المزيد
189
| 04 مارس 2026
فوضى الحرب لا تنتصر
في اليوم الخامس من المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط وفي قلب الخليج العربي والفوضى التي تتصاعد يوما بعد... اقرأ المزيد
201
| 04 مارس 2026
صباح السبت استيقظت دول الخليج على مشهد لم يكن معتادا لأهلها، صواريخ تعبر السماء، وصافرات إنذار تعلن هجمات... اقرأ المزيد
171
| 04 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2532
| 01 مارس 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2169
| 25 فبراير 2026