رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهد هذا الأسبوع ذكرى مرور عام على الاضطرابات التي حدثت في البحرين العام الماضي، والتي كانت قد اندلعت عندما أطلق ناشطون بحرينيون دعوات عبر صفحتهم على موقع الفيسبوك "ثورة 14 فبراير في البحرين"، دعوا فيها إلى احتجاجات شعبية واسعة في البلاد، مستلهمين انتفاضات الربيع العربي الذي انتشر وعم أنحاء كثيرة في مختلف بلدان الشرق الأوسط، في محاولة للحاق بركب قطار التغيير السريع الذي انطلق من أولى محطاته في تونس.
خرج آلاف البحرينيين إلى الشوارع في تظاهرات ومسيرات احتجاجية في 14 فبراير من العام الماضي، مما دفع السلطات لإرسال قوات الشرطة ومكافحة الشغب لتفريق المتظاهرين، وأدى ذلك إلى صدامات دامية بين الجانبين كانت نتيجتها مقتل عدد من الأشخاص وإصابة مئات آخرين.
واستمرت الاحتجاجات الشعبية طوال الأيام اللاحقة، وطلبت الحكومة البحرينية الاستعانة بقوات درع الجزيرة المشتركة، وذلك بهدف تأمين المنشآت الاستراتيجية وحماية البنية التحتية الرئيسة من الفوضى التي اجتاحت البلاد وللمساعدة في حفظ الأمن.
ومع ذلك، فإن وصول قوة درع الجزيرة زاد من تفاقم الوضع وتزايد الاحتجاجات، مما اضطر جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة في نهاية الأمر إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد. وفي 18 فبراير من العام الماضي، تم تدمير "دوار مجلس التعاون"، مركز الاعتصام الرئيس للمتظاهرين الكائن في قلب المنامة والمعروف باسم "دوار اللؤلؤة"، من قبل القوات الحكومية.
وفي يونيو من العام الماضي، تم رفع حالة الطوارئ، وقام الملك حمد بتكوين اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق وذلك للتحقيق في الأحداث التي وقعت في البحرين في الفترة من فبراير 2011، والنتائج المترتبة على تلك الأحداث.
ولكن، ورغم مرور عام على تلك المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في البحرين، فإن الأزمة في البلاد ما تزال تراوح مكانها ولم تحل.
وقد بدأت الحكومة البحرينية بالفعل بإجراء بعض الإصلاحات بما في ذلك الحد من السلطة التنفيذية، ومنح البرلمان دورا أكبر في وضع الموازنة العامة للدولة واقتراح القوانين، بجانب منح أعضاء مجلس النواب المزيد من الصلاحيات التي تمكنهم من محاسبة واستجواب الوزراء، بالإضافة لحصول النواب على المزيد من الحماية التي تعزز حصانتهم البرلمانية وتقيهم شر الإقالة.
ورغم هذه التطورات الجديدة، إلا أن تطبيق هذه الإصلاحات على أرض الواقع لا يزال بطيئا، وأن كثيرا من المحتجين ما عادوا يصدقون هذه الوعود.
إنه لأمر مؤسف حقا، فالبحرين كانت من أوائل الدول في مجلس التعاون الخليجي التي بدأ فيها تطبيق إصلاحات سياسية، وفي عام 1973، أشرقت على البحرين أشعة شمس مشرقة لحياة نيابية واعدة بصدور أول دستور برلماني سياسي، وفي نفس العام قامت أول انتخابات برلمانية. وفي الواقع، فإن سجل البحرين الحافل بالإصلاحات السياسية هو أفضل بكثير من بعض دول مجلس التعاون الخليجي.
وفي عام 2000، بعد أن خلف جلالة الملك حمد والده في الحكم، قام بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات فمنح العفو للمعارضين، وحل محاكم أمن الدولة ووضع ميثاق العمل الوطني البحريني، وهي وثيقة تمت الموافقة عليها في استفتاء شعبي عام والتي أشارت بوضوح إلى الإصلاحات الدستورية في البلاد.
وهنا يكمن السؤال: ما الذي حدث إذاً في البحرين؟ فكما هو الحال مع انتفاضات مماثلة في المنطقة العربية، بدأت الاحتجاجات في البحرين لأسباب اجتماعية واقتصادية وارتفاع معدل البطالة في البلاد، ووفقا لكتاب حقائق العالم (ورلد فاكت بوك) الذي تصدره وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي ايه)، فإن معدل البطالة في البحرين قدر بنسبة 15? في عام 2005. وهناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء في البلاد، كما أن البحرين أيضا تعاني من التنامي المضطرد في معدل المديونية العامة الذي يبلغ حاليا 75.3? من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.
يجب أن تجد البحرين حلولا ومعالجات لمشاكلها الاقتصادية باتباع سياسات اقتصادية إصلاحية وتعزيز عدالة اجتماعية تلبي تطلعات الشعب وتهدئ من روع الاحتجاجات الشعبية القائمة.
وقد تم بالفعل وضع " نسخة خليجية من خطة مارشال" لمساعدة البحرين وسلطنة عمان، الدولة الخليجية الأخرى التي ضربها زلزال الاحتجاجات، من أجل مساعدة اقتصادات الدول المعنية وذلك بضخ سيولة ضخمة لتضييق الفوارق التي أفضت إلى الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية في البلدين. وتم تخصيص مبلغ 10 مليار دولار للبحرين لتطوير المساكن والبنية التحتية خلال عشرة أعوام، كما تعهدت خطة مارشال الخليجية بإيجاد فرص عمل للمواطنين.
إذا كانت الحكومة البحرينية تريد حل الأزمة، فإن عليها في المقام الأول معالجة السبب الرئيس الذي قاد للاحتجاجات هناك - والذي هو في الأساس ذو طبيعة اقتصادية، فهناك حاجة إلى تحسن اقتصادي سريع، وينبغي تطوير البنية التحتية في البلاد، ومنح الناس مساكن جيدة، وعليهم إرساء قيم العدالة والمساواة والبعد عن التمييز بكل أشكاله وتحسين المعايير الاجتماعية والمعيشية كما يجب إتاحة المزيد من فرص العمل للمواطنين، ففي ظل إصلاحات الربيع العربي، ليس بالحرية وحدها يحيا المواطن.
ومع ذلك، فلا تعتبر خطوات الحكومة البطيئة في طريق الإصلاح السبب الوحيد في استمرار أزمة البلاد وعدم حلها، فهناك مشكلة أخرى تواجه البحرين وهي أن المحتجين وجماعات المعارضة أنفسهم أظهروا نوعا من عدم المرونة في مطالبهم، الأمر الذي لم يترك مجالا للتوصل إلى أي حل وسط يرضي الطرفين.
عندما بدأت الاحتجاجات في البحرين، أظهر المتظاهرون، الذين جاؤوا من خلفيات طائفية وطبقية متنوعة، رغبتهم فقط في إجراء إصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق. وخلال مقابلة مع قناة الجزيرة في بداية الاحتجاجات، قال نبيل رجب، رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان: "إن كل المطالب تتعلق بحقوق الإنسان وليس لها علاقة بالأسرة الحاكمة أو نظام الحكم".
ولكن، ومع استمرار الأزمة في البلاد، اتخذ الأمر بعدا طائفيا وأصبح هناك منحى سياسيا في الأزمة من خلال تأليب السنة ضد الشيعة والعكس، وبكل تأكيد لم يكن الحال هكذا في بداية الاحتجاجات.
وبدخول الطائفية إلى الحيز السياسي وتسللها وسط احتجاجات البحرين، زادت الفجوة اتساعا بين البحرينيين، الذين قدموا للتظاهر من خلفيات طائفية مختلفة، ونمت الشكوك بين الطائفتين، ووصل الأمر إلى الحد الذي جعل إحدى الطائفتين ترفض شراء المنتجات التي تباع من قبل الطائفة الأخرى والعكس، وكذلك فإن بعض المناطق في البلاد نجدها مقسمة حسب الانتماء الطائفي.
يجب على الحكومة السعي الجاد لإيجاد حل من شأنه أن يجمع ويوحد الشعب البحريني، وإلا فستصبح البحرين في نهاية المطاف مثل لبنان، حيث هناك فجوة كبيرة بين الجماعات السنية والشيعية. يجب على الحكومة الإسراع في تنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدستورية قبل أن تدمر بذور الفتنة الطائفية البلاد وتمزقها.
ويتوجب إنشاء قانون يسمح بتشكيل أحزاب سياسية متعددة على أساس المعتقدات السياسية وليس على أسس دينية طائفية، يجب على الحكومة أيضا توفير المساواة على أساس المواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية لجميع البحرينيين بغض النظر عن انتمائهم الطائفي أو الطبقي الاقتصادي، بحيث يشعر الجميع بحضن الوطن الدفئ الذي يسع الجميع دون تمييز، ينصتون فيه إلى نبضات الحس القومي لبلادهم.
إذا لم تبادر البحرين إلى معالجة المشاكل التي تواجه أولئك المحتجين، فسيأتي الوقت الذي لن يكون فيه حتى خيار الملكية الدستورية حلا لنظام الحكم الذي يمكن أن يحكم ذلك الشعب، وسيضطر الشعب إلى المطالبة بمساحة أكبر لن يرضى الشعب بأقل منها.
ويتطابق هذا الرأي مع التحذير الذي أطلقه نبيل رجب، في مقابلة له مع قناة الجزيرة في بداية الاحتجاجات، حيث قال: "إذا ظلت الحكومة تلجأ إلى العنف في قمع المحتجين، فقد يضطر الناس للمطالبة بتغيير كل من هم في السلطة".
يجب على جميع دول مجلس التعاون الخليجي أيضا أن تأخذ قضية الطائفية على محمل الجد، حيث إنها تولد الشقاق والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، لقد رأينا على أرض الواقع الكثير من الأمثلة والنماذج كيف أن هذه الطائفية قد تسببت في الحروب الأهلية ودمرت حياة الملايين من الناس. لا ينبغي أن ندع المؤامرات والدسائس، التي تصدر من قِبل جماعات بعينها، تؤثر على السلام الداخلي والأمن القومي.
كما يمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دورا قويا جدا في تعريف الناس بمخاطر الطائفية، وتثقيف الشباب وجعلهم في أوج الاستعداد دائما لمجابهة خطر الطائفية. إن الاستهداف المبطن الذي تمارسه تلك الجماعات يتطلب وجود حملات تثقيف عام صارمة، للحيلولة دون انتشار الفتن الطائفية، فنحن أحوج ما نكون الآن لوحدة الصف والعمل المشترك لمواجهة التحديات الماثلة أمام أمتنا العربية.
يجب أن تظل عيون دول مجلس التعاون الخليجي متيقظة في كل الأوقات للحد من انتشار وباء الطائفية وتكاثر خلاياها البكتيرية الضارة بمجتمعاتنا وشعوبنا، فإن الأزمة في البحرين قد تنتشر إلى دول أخرى مجاورة مثل السعودية والكويت، كما تنتشر النار في الهشيم.
ومع ذلك، فلقد شعرنا نحن أيضا بالصدمة حين علمنا أن بعض المنظمات غير الحكومية العاملة في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، تتآمر حاليا ضد البحرين، ولقد تم الكشف عن هذه الحقيقة مؤخرا من قبل القائد الأعلى لقوة دفاع البحرين، المشير الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، من خلال مقابلة له نشرتها صحيفة "الأيام" البحرينية.
وكشف المشير عن حقائق تعلن للمرة الأولى، مفادها أن هناك حاليا 22 منظمة غير حكومية متورطة في هذه القضية وتعمل ضد مملكة البحرين، "تسعة عشر منها مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية وثلاثة في إحدى الدول الخليجية"، دون أن يشير إلى اسم تلك الدولة الخليجية.
ومن المثير للسخرية أن تكون منظمات في دول الخليج جزء من مؤامرة لزعزعة استقرار البحرين رغم أن دول الخليج العربي من وضع خطة المارشال الخليجية في العام الماضي لمساعدة البحرين اقتصاديا.
لقد ظلت دول الخليج العربي متقاربة وثبت ذلك في أوقات الضيق والشدة، يجب أن يكون هناك التزام من الجميع بالتعاون – بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأن تقف الدول الأعضاء صفا واحدا ضد كل التهديدات الداخلية والخارجية، فلا خير فينا إن لم نساعد بعضنا البعض في أوقات الحاجة والشدة.
خالد عبد الرحيم السيد khalid@pen.com.qa
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026