رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتميز زيارة الرئيس التركي السيد رجب طيب أردوغان إلى ثلاث دول خليجية معا بأهمية بالغة، وبالأخص زيارته لمملكة البحرين، ليس فقط بسبب اتفاق الرئيسين والحكومتين على التعاون والعمل المشترك في مجالات الاقتصاد، والصناعة، والطاقة، والزراعة، والبنية التحتية، وعدد من المجالات الأخرى، وإنما بسبب توقيتها وما تجلبه من مسؤولية مشتركة في حماية أمن البلدين أولاً، والدفاع عن الأمن الإقليمي بمواقف مشتركة مع باقي دول الخليج ثانياً، وضمن اتفاقيات استراتيجية في الدفاع المشترك بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي.
أهمية التوقيت تأتي في ظل التهديدات لأمن الخليج والمنطقة والتي يتحدث عنها السيد عادل الجبير وزير خارجية السعودية في كل مؤتمراته الصحفية في الآونة الأخيرة، وهي بسبب التهديدات الإيرانية وتبنيها لسياسات طائفية في المنطقة، ودعواتها العلنية للتدخل في الشؤون الخليجية، وبالأخص بعد أن تأكد هذا التهديد بمحاولة الهيمنة الإيرانية على جنوب الجزيرة العربية، بمحاولة إلغاء الحكومة الشرعية والانقلاب العسكري في اليمن بتحالف الرئيس السابق صالح مع الحوثيين بتاريخ 21/9/2014 باحتلال العاصمة اليمنية صنعاء من قبل الحوثيين، واحتجاز الرئيس اليمني الشرعي في قصره، ومحاولة إرغامه على تنفيذ مطالب الانقلابيين القادمة من طهران، فهذا المشهد الانقلابي في اليمن لا ينبغي أن يغيب عن أذهان اليمنيين أولا، ولا ينبغي بشكل أكبر أن يغيب عن أذهان شعب دول الخليج العربي وشعب الجزيرة العربية، ولا عن الأمة العربية ولا الإسلامية، لأنه كشف عن مخطط توسع إيراني طائفي في الهيمنة على الجزيرة العربية بعدما افترض أن هيمنته على شمالها في سوريا والعراق قد تمت، وإن لم تتم بالسيطرة الكلية فقد تمكنت من تفكيك هذه الدولة وزرع بذرة الفتنة الأهلية فيها وتدميرها وتشريد سكانها الأصليين منها.
وقد تزامن مع زيارة الرئيس التركي أردوغان إلى الرياض وصول الرئيس اليمني إليها في نفس اليوم لإجراء مباحثات أمنية وسياسية فيها، وحبذا لو تم ذلك باجتماع ثلاثي يمني سعودي تركي، بهدف تمكين الشعب اليمني بنفسه من صد العدوان الحوثي الإيراني، فليس الهدف أن تواصل السعودية ولا دول الخيج ولا تركيا ولا غيرها خوض معارك دائمة في دول أخرى، بل ينبغي تمكين شعب تلك الدولة ليقوم بنفسه لتحرير بلاده من العدوان الإيراني، وبناء القوة وتوقيع الاتفاقيات الأمنية والدفاعية التي تردع الطامعين، فهذا أكثر نجاعة ونجاحاً، وبالأخص أن إيران لن تجد من شعوب الدول العربية من يؤيدها، وقد اكتشف شعوب الأمة الإسلامية جرائمها الوحشية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومحاولتها التسلل إلى الكويت والبحرين ومصر والمغرب والجزائر وغيرها.
إن وقوف دول مجلس التعاون الخليجي مع الشعب والحكومة التركية ورفضهم للانقلاب الفاشل في تركيا في يولية الماضي، وإصدار مجلس التعاون الخليجي بيانا باعتبار حركة جولن منظمة إرهابية، وإصدارها لبيانات سابقة باعتبار المليشيات الإيرانية التي تعيث فسادا في البلاد العربية بأنها منظمات إرهابية، بما فيها حزب الله اللبناني، وكذلك الأحزاب الإرهابية التي تدعي تمثيل الشعب الكردي كذبا وزورا مثل حزب العمال الكردستاني وقوات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، على أنها منظمات إرهابية، بسبب احتلالها للمدن العربية السورية وطرد أهلها الأصليين منها، كل ذلك جعل الصورة التضامنية أمام الشعب العربي والشعب التركي واضحة المعالم والرؤى، وأنهما يسيران في طريق صحيحة، في رفض الإرهاب والعنف ورفض تهديد الأمن القومي العربي والتركي معاً.
وخلال لقاءات الرئيس التركي أردوغان مع ملك البحرين يوم الأحد 12 فبراير الجاري في المنامة تناولت المباحثات قضايا عديدة منها قطاع الطاقة والصناعة والزراعة والاقتصاد والبنية التحتية، ولكن مصادر رئاسية قالت إن القضايا المتعلقة بأمن واستقرار البحرين، كانت من بين الموضوعات التي ناقشها أردوغان مع مسؤولي المنامة، فقد أكّد أردوغان للملك البحريني "وقوف بلاده إلى جانب الحكومة البحرينية، ومواصلة التعاون معها لإحلال الأمن والاستقرار في المنطقة"، وأنه تم في هذه الزيارة توقيع أربع مذكرات تعاون في المجالات الدبلوماسية، والصناعات الدفاعية، والتعليم، ولكن الأمل في نظر البعض أن تصل علاقات تركيا مع البحرين خصوصاً، ومع دول مجلس التعاون الخليجي إلى مستوى معاهدات الدفاع المشترك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4557
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4227
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1650
| 12 مايو 2026