رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مر المسلمون في عهد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالكثير من الابتلاءات والاختبارات، لكن ما حدث في سقيفة بني ساعدة، يوم اجتماع الأنصار لبحث مسألة قيادة الدولة، فيما المهاجرون مشغولون بالأمر ذاته بالإضافة إلى تجهيز النبي الكريم للدفن، كان من أشد الاختبارات التي مر بها المسلمون.
الابتلاءات والاختبارات السابقة للمسلمين حدثت والنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - معهم والوحي ينزل من السماء يبين ما استشكل عليهم. لكن يوم سقيفة بني ساعدة - إن صح التعبير - يمر المسلمون باختبار جدي غير عادي هذه المرة. لماذا؟ لأنهم لأول مرة بدون الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – وبدون دعم السماء.
كان اجتماع السقيفة غير عادي، واختبار حقيقي لخريجي المدرسة المحمدية من المهاجرين والأنصار.. لأول مرة يجدون أنفسهم أمام أمر لابد من الاجتهاد فيه بأنفسهم دون الرجوع للنبي الأكرم – صلى الله عليه وسلم – ويعني ذلك أنهم عرضة للخطأ والصواب، فلا مرجعية سماوية فورية عبر الوحي كما كان قبل أيام مضت، بل هكذا الأمر لابد أن يسير من ساعته إلى يوم الدين.. اجتهاد وقياس وإجماع مبني على فهم صحيح للقرآن والسنّة. وهكذا سارت الأمور من يوم السقيفة إلى يوم الناس هذا.
اجتهد الأنصار بعد وفاة النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم – وتسارعوا لملء الفراغ الذي تركه في قيادة الدولة وقبل أن تنفلت الأمور، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين منهم، باعتبار موقفهم من الدعوة وحمايتهم ونصرتهم لها منذ البداية، بالإضافة إلى أن دولة الإسلام نشأت وظهرت في مدينتهم وهم أهلها، وبالتالي هم أحق بهذا الأمر من إخوانهم المهاجرين، الذين كانوا بمثابة لاجئين سياسيين، بحسب مصطلحات علم السياسة اليوم، وبالتالي ليس مستساغاً أن يتولى لاجئ سياسي زعامة وقيادة الدولة في وجود أهلها، أو هكذا كان التفكير الأولي لدى الأنصار الكرام.
وبينما بعض كبار المهاجرين منشغلون بالأمر نفسه، وتجهيز النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – لدفنه، وصل خبر اجتماع الأنصار لأبي بكر وعمر – رضي الله عنهما وأرضاهما – فقاما من فورهما متجهين إلى مؤتمر الأنصار السياسي. وفي الطريق وجدوا أمين الأمة، أبي عبيدة بن الجراح، فطلبوا منه مرافقتهما، فاتجه العظماء الثلاثة إلى المؤتمر الأنصاري.
فتنة بعدها ردة
دون كثير تفاصيل، يمكن إدراك أمر ذهاب عظماء الإسلام الثلاثة لمؤتمر الأنصار السياسي، كان هدفه التباحث مع الأنصار في مسألة القيادة أو الخلافة، وليس لفرض أو إجبار أمر ما على الآخرين، بدليل أن ثلاثة من المهاجرين فقط يذهب إلى حشد من الأنصار فيهم السادة والأشراف، وهم من هم في الإسلام. حتى إذا ما وصل الثلاثة إلى الاجتماع، ودارت نقاشات بشأن مسألة الخلافة، كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما قُبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.. هذه خطوة أنصارية إيجابية أولى.
الخطوة التالية الإيجابية للأنصار تتضح حين قام الصديق - رضي الله عنه – بالثناء على الأنصار ودورهم في بناء الدولة ونشر الإسلام والدفاع عنه، وأنهم كما كانوا أول البشر نصرة لدين الله، لا يجب أن يكونوا أول البشر في تفكيك وتصدع الدولة الوليدة. ثم تحدث بعدها إلى مرشح الأنصار للخلافة، سعد بن عبادة – رضي الله عنه - قائلاً له:» لقد علمت يا سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال وأنت قاعد: « قريش ولاة هذا الأمر، فبرُّ الناس تبع لبرّهم، وفاجرُهم تبع لفاجرهم. فقال سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء «. هكذا في فقه واضح للأنصار، انتهى الأمر بصدر رحب، لا كما صوره بعض المؤرخين وافتراءاتهم على خير جيل ظهر في الإسلام. وانتهى الأمر في زمن قياسي، اتفق الحاضرون يومها على مبايعة الصديق – رضي الله عنه – خليفة للمسلمين.
لقد حمى الله بفطنة وسياسة وحكمة عظماء الإسلام الثلاثة، أبي وعمر وأبي عبيدة، وفهم عميق لفقه الواقع لدى الأنصار، من شر وفتنة عظيمة كان من الممكن أن تؤدي بالدولة إلى شر وخلاف عظيم. ونحمد الله أن اليهود كان قد انقطع شرهم عن المدينة بعد غزوة الأحزاب، وبالمثل اندثرت أوكار المنافقين بعد هلاك زعيمهم عبدالله بن أبي. ولك أن تتخيل يوم السقيفة، في وجود يهود بني قريظة والمنافقين.
ذكر أحد الصحابة ويدعى ربيعة أن قال للصديق رضي الله عنه: ما حملك أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟ قال: لم أجد من ذلك بُداً، خشيت على أمة محمد الفرقة «. وفي رواية أخرى:» تخوفت أن تكون فتنة تكون بعدها ردة.»
أطيعوني ما أطعت الله ورسوله
بعد أن بايع المسلمون أبا بكر الصديق – رضي الله عنه وأرضاه - خليفة لهم، معلنين بذلك نجاحهم في التصدي لأكبر فتنة كانت ستعصف بهم، والرسول الكريم لم يدفن بعد، قام فخطب في الناس الخطبة الرئاسية أو البيان الرئاسي الأول الذي يوضح فيه الخطوط العريضة لحكمه، بعد حمد الله والثناء عليه قائلاً:» أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم «.
اطمأن المسلمون،» مهاجريهم وأنصاريهم»، لسلامة اختيارهم وأن الصديق هو الشخص المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب. كان هو الأصلح لقيادة الدولة في تلك الفترة. وتلك هي النقطة الجوهرية في مسألة القيادة، التي يجب أن تكون للأصلح أولاً، ثم بقية معايير أخرى. يكفي الصديق فخراً أن كان ثاني اثنين في الغار، والوزير الأول لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومات وهو راض عنه. ويكفيه أنه لم يسع للأمر بل دفعه الفاروق بحكمته وسياسته دفعاً لتولي هذا الأمر، فكان نعم الخليفة، وكان الأنصار نعم القوم في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وبعد مماته. ويكفيهم فخراً إلى يوم الدين حين وصفهم النبي بقوله:» لولا الهجرةُ لكنت امْرَءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشِعبا لسلكت وَاديَ الأنصَارِ وشِعْبَها «. رضي الله عنهم وأرضاهم وحشرنا وإياهم في زمرة النبي الكريم مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقا.
الخليج بين صلابة الدفاع وحكمة القرار
ستظل دولة قطر عصية على أي اعتداء يستهدف أمنها وسيادتها، ولن تنجرّ دول مجلس التعاون الخليجي إلى حربٍ... اقرأ المزيد
159
| 04 مارس 2026
فوضى الحرب لا تنتصر
في اليوم الخامس من المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط وفي قلب الخليج العربي والفوضى التي تتصاعد يوما بعد... اقرأ المزيد
180
| 04 مارس 2026
صباح السبت استيقظت دول الخليج على مشهد لم يكن معتادا لأهلها، صواريخ تعبر السماء، وصافرات إنذار تعلن هجمات... اقرأ المزيد
144
| 04 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2304
| 01 مارس 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2157
| 25 فبراير 2026