رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكلت تلك المدن وما تزال، ثلاثية عواصم الثورة والوعي والإدراك وشق طريق التحرر وتحمل أشد الخسائر البشرية ضراوة ووحشية، لفتح الطريق لزمن وعالم وأفق جديد. ثلاثتهم أكملوا صورة الوعي الحضاري والاستراتيجي الآن، ومن قبل مثلوا القدرة على صياغة نمط من الوعي الاستباقي، ببصيرة نافذة، وقت أن كانت طلائع الأمة تعيش في وادي الغيبوبة.
الأولى قادت الوعي والثورة في زمن مبكر ضد الحاكم الطائفي، في وقت كان المثقفون غارقين في التغني بشعاراته التضليلية من قومية ومقاومة وممانعة، والثانية كانت عنوانا للصمود في مواجهة المحتل الغازي في وقت اضطربت فيه العقول وتشتتت فيه النفوس، فكانت عنوانا للحضارة والمقاومة وصناعة المستقبل، والثالثة كانت عنوان الصمود وكشف حقيقة الطائفية والتطهير العرقي الجارية ضد المسلمين السنة. ثلاثتهم شكلوا نقلة جماعية للوعي العام وصاروا في ملتقى واحد وفي معركة تحرير واحدة.
كانت حماه هي السباقة. جاءت ثورتها ومقاومتها في زمن كان حافظ الأسد يعيش حالة غطرسة القوة والسطوة السياسية والإعلامية ضامنا الحماية من كل رد فعل دولي أو إقليمي .عاشت حماه ثورتها وقدمت عشرات الآلاف من الشهداء وخطت عنوانا لجرم الأسد وطائفيته. كانت حماه أشد وعيا من كل المثقفين العرب، إذ حددت المعركة الحقيقية في زمن مبكر، كان الكل غارقا فيه في دنيا الشعارات القومية والتحررية التي لم تنجز شيئا، فكشفت حماه أن "الدست" خال من كل شيء إلا الحصى والقنابل والمؤامرات على مستقبل الأمة . أظهرت طائفية حافظ الأسد فيما لم يكن أحد يتصور أن حافظ يقوم بمهمة حفظ السطوة الطائفية ولا شيء أكثر.
وجاء دور الفلوجة، التي بدأت المقاومة في مواجهة الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق في عام 2003 . صارت عنوانا للمقاومة أو قل أصبحت علم العراق الخفاق في رفض الاحتلال ومواجهته وإحراز النصر. خاضت حربين ضد جيش الدولة العظمى الوحيدة في العالم - في تلك الأيام- ويال باس رجالها .انتصرت الفلوجة في الأولى وسقت قوات الاحتلال كأس هزيمة لا تصدق عقليا، إذ جاءت خارقه لكل قوانين الحروب وتوازنات القوى وقدرة التكنولوجيا.وجرى اقتحامها وتدميرها في الثانية، لكنها كانت قد وجهت الضربات الأقوى وأنجزت الأساس لهزيمة جيش الاحتلال الذي أجبر على الانسحاب تحت وقع هزيمته وانتهاء هيبته في الفلوجة. وهى الآن عادت لتستعيد دورها حين تغير نوع الاحتلال ودولته . فأصبحت قائدة حرب المقاومة في مواجهة احتلالين أمريكي وإيراني ومن معهما من صحوات عسكرية وسياسية في أوساط السنة.
وحان وقت حمص عاصمة الثورة السورية .وقعت حمص في دفتر الاستشهاد،لتجسد ظاهرة عربية تجرى دوما، إذ تقاتل المدن والدول وحيدة بلا غطاء.حمص والفلوجة تقدمان بطولات خارقه الآن دون حديث عنهما كما جرى الحديث والشعر والغناء عن سايجون وليننجراد وغيرها من عناوين الصمود . حمص الآن لا تستسلم فقد وقعت في سجل لا يمحى ولا يقبل التراجع ويضع أساس يبنى عليه، وكذلك لم تستسلم الفلوجة بعد تدميرها في المعركة الثانية . وكما عادت الفلوجة ستعود حمص.
تلك عواصم الثورة والوعي .فالثلاثة يخوضون معركة واحدة بدايتها هناك وجوهرها الحقيقي إذكاء روح الصمود والنصر في الأمة .لم تكن معارك حماه والفلوجة وحمص وغيرها من مدن الصمود إلا نوازل في معركة واحدة، وهذا هو سر الموقف الدولي والإقليمي منها .فكل منها لم يحارب أبداً من أجل قضية صغرى، وكل المدن العربية والإسلامية دوائر في سلسلة واحدة في المعركة الأصل هناك في المواجهة مع الغزوة الصهيونية الغربية من جهة وإيران وروسيا من جهة أخرى. وإذا كانت معركة الفلوجة الأولى والثانية واضحة المعالم فهي في مواجهة الجيش الحامي لمحتل فلسطين، فقد جاءت معركتها الثالثة لتكشف الخط العام الذي كشفته حماه وحمص من قبل ومن بعد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1683
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1242
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
975
| 07 يناير 2026