رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المؤكد أن العالم اليوم أصبح بمثابة قرية واحدة تتأثر أطرافها بكل ما يحدث لها من مصائب وكوارث وحروب، ولذلك تدعي الدول الكبرى أن أمنها لا يتحقق بحماية الداخل بل بحماية الخارج.
فإذا كان ذلك حقيقة لا يستطيع أحد إنكارها فكيف بأمن عالمنا الإسلامي، وعالمنا العربي، وعالمنا الإقليمي؟!!
ولا أحد يستطيع أن ينكر أن الفتن والشرور والمصائب فتحت على أمتنا الإسلامية والعربية لعدة أسباب، منها احتلال الكويت من قبل النظام العراقي، ومنها ترك العراق من قبل القادة العرب للاحتلال الأمريكي بسهولة، وكذلك ترك العراق بعد الاحتلال دون أن يكون للدول العربية والإسلامية أي دور في تقرير مصيره، والمساعدة من خروجه من أزماته الكبرى، وحمايته من الأطماع الدولية والإقليمية، والقيم بمصالحة شاملة لمكوناته.
ولما لم يكن للجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي أي دور سياسي أو اقتصادي، أو اجتماعي في العراق، تفرّد المحتل ومن عاونه باتخاذ القرارات (مثل تفكيك الجيش العراقي والمحاصصة الطائفية ونحوها)، وهي مقصودة، وأنها في نظر المحللين كانت هدفاً لتوصيل العراق إلى الفوضى الخلاقة (الهدامة).
وذلك لأن العراق بدون إحداث فوضى هدامة كان من الصعب تفكيكه، وإثاره هذه النعرات الهدامة حيث كان متماسكاً طوال عصوره، فلم تكن هناك كراهية بين مكوناته (السني والشيعي، والكردي والعربي) على الرغم من وجود مشاكل سياسية وظلم سياسي في ظل النظام السابق، ولكنه كان متحضراً يتجاوز ذلك بحضارته وقيمه.
وتحقق الهدف المنشود من الاحتلال بإيجاد فوضى هدامة، وطائفية بغيضة عمياء قتلت ولا زالت تقتل دون أي رعاية للدين، والقيم والأخلاق، والإنسانية، والعرق والنسب والقومية والقبلية، فلم يشهد التأريخ قتلاً لا أخلاقياً بهذه الصورة التي نشاهدها في العراق إلاّ في ظل المغول والتتر، عند احتلالهم لبغداد فعاثوا فيها قتلاً واغتصاباً وفساداً، وإلاّ في ظل نظام بشار الأسد الذي يتعامل مع الشعب السوري الأصيل بالطريقة التي يشاهدها العالم والتي فاقت بكثير طرق الصهاينة والنازيين.
وزاد الطين بلة واكتمل دور الفوضى الهدامة بما فعلته (داعش) حينما احتلت المناطق السنية فقتلت ودمرت وعاثت فيها فساداً، ثم جاء الحشد الطائفي ليكمل دوره في القتل والتدمير للبيوت والمساجد، والتهجير القسري، فبلغ عدد المهجرين والنازحين حوالي ثلاثة ملايين، منهم حوالي مليونين في داخل إقليم كردستان العراق وأطرافه.
والغريب أن معظم الجمعيات والمؤسسات الاغاثية العربية تركت أهل العراق الكرام النازحين ليتضوروا جوعاً دون رعاية تذكر.
وقصدي من ذلك كله أن العراق (بلد الحضارة وحصن الأمة) تركته الدول العربية والإسلامية فلم تهتم به منذ الاحتلال، ولم يكن لها دور في حماية الشعب العراقي من الأطماع الخارجية، ومن عمليات القتل والتهجير، والاقصاء، والاجتثاث لطائفة معينة، وإنما ترك الأمر والدور لأمريكا وإيران — كما نشاهد —. واليوم نشاهد أن بعض البلاد تحتاج إلى رعاية وعناية سياسية واقتصادية قصوى مثل الأردن، وليبيا، وتونس، وجزر القمر، والصومال، وجيبوتي ونحوها، حيث إذا تركت ستضطر إلى الاستعانة ببعض الدول التي لها أطماعها السياسية أو المذهبية.
وأرى أن على رأس هذه الدول العربية المملكة الأردنية الهاشمية التي تحتاج إلى دعم اقتصادي شامل بسبب الأعباء والظروف التي تمر بها.
فالأردن لها مكانتها العظيمة أيضاً في تاريخنا الإسلامي فهي من الشام الشريف الذي تشمله كل الآيات والأحاديث الدالة على بركاته وخيراته، ووردت بعض الأحاديث التي تدل على أن الأردن سيظل أرض الرباط والدفاع عن مقدسات الأمة، (وأن جيش المسلمين وهم في شرقي نهر الأردن يقاتلون عدوهم الدجال، وهم غربيه)، قال الهيثمي (7/352): هذا الحديث رواه البزاز، ورجاله ثقات، كما أنه وردت أحاديث صحيحة تدل على أن عيسى بن مريم عليهما السلام: (يقتل الدجال هناك غرب الأردن)، يراجع فتاوى نور على الدرب لابن باز رحمه الله (4/290).
وأثناء الفتوحات الإسلامية كان للقبائل العربية (التي كانت موجودة، والتي جاءت من الجزيرة فسكنت في الأردن) دور عظيم في ترسيخ الإسلام، وظلت الأردن على مرّ تأريخها مستهدفة للهجمات الصليبية، ثم الصهيونية، وشاركت بأولادها وفلذات كبدها وأموالها في قضايا أمتنا، وتحملت العبء الأكبر من تهجير الفلسطينيين أو نزوحهم خلال القرن العشرين كله، وبخاصة بعد عام 1947م وعام 1967م، وكذلك بعد اختلال العراق للكويت، وهكذا.
وفي هذا القرن (الواحد والعشرين) أيضاً تحملت الأردن الكثير، حيث وقعت المشاكل والمصائب في العراق فهجر إليها مئات الآلاف بل وصل عدد العراقيين إلى ما يقرب من مليون، وكذلك في الأزمات الأخيرة وبخاصة في سوريا حيث تدفق عدد كبير من اللاجئين والنازحين والمهجرين إليها.
والأردن معروفة أن مواردها الاقتصادية ليست كبيرة، ولديها حاجة ملحة إلى البترول ومشتقاته، وعليها أعباء كبيرة، لذلك فواجب الدول العربية وبخاصة الدول الخليجية ان تقف بجانب الأردن من خلال ثلاثة محاور رئيسية وأساسية، هي:
المحور الأول: وهو المحور الاقتصادي وذلك بتوفير الاحتياجات الاقتصادية على شكل هبات، أو قروض بدون فوائد، او من خلال القيام بتوفير الاحتياجات البترولية والغذائية ونحوهما، والقيام بالمشاريع الاستثمارية والصناعية والتقنية لتوفير أكبر قدر ممكن من الوظائف، ولتحقيق التنمية الشاملة، بالإضافة إلى المساهمة الفعالة في حل مشكلة اللاجئين.
المحور الثاني: السعي الأخوي الجاد لحل الصراعات السياسية الداخلية بين الحكومة، والأحزاب والجماعات السياسية بما يحقق الخير والعدالة والاستقرار لجميع الفرقاء.
المحور الثالث: القيام بخطوات عملية مشرفة لإدماج الأردن في مجلس التعاون الخليجي، سياسياً واقتصادياً، واجتماعياً.
وكلي أمل ورجاء أن لا تنتظر الدول العربية إلى حين وقوع الكوارث والمصائب، بل تتسابق إلى الوقاية منها، والتخطيط لمنعها بكل الوسائل والامكانيات المتاحة، وأنا لا أشك في أنه لو قامت الدول العربية بواجبها في العراق وكان لها وجود سياسي واقتصادي قوي منذ الاحتلال إلى الآن لما حدث للعراق ما حدث حسب سنن الله تعالى، ومن باب ربط الأسباب بالمسببات.
والله المستعان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1467
| 14 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1341
| 08 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
810
| 11 يناير 2026