رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد يبدو غريباً العنوان أعلاه. لكن ما من شيء في حياتنا الدنيا إلا وله صناعة، أو حاجة تدعو إلى تصنيعه بصورة وأخرى، سواء كان هذا الشيء مادياً أم معنوياً. وفي التاريخ البشري الكثير من الصناعات، منها صناعة الرعب التي أرى الأمة باتت بحاجة ماسة إليها أكثر من أي وقت مضى.
قصص تصفية الرموز الخطرة والمثيرة للعداوات والفتن كثيرة في التاريخ البشري، منها مثلاً قصص تصفية كعب بن الأشرف وأبي رافع سلام بن أبي الحقيق وغيرهم من مجرمي ومثيري الفتن من اليهود، وهي نماذج لصناعة رعب كان الظرف الزمني حينها يقتضي من المسلمين، دولة وأفراداً، القيام بها واتقانها وفق ضوابط مقننة وليست مطلقة، رغم الظروف الخطرة المحيطة بالمسلمين حينذاك. فهؤلاء المجرمون اشتهروا بعـداوتهم لشخص الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – أولاً ومن ثم الإسلام والمسلمين، ولعبوا دوراً في الكثير من المؤامرات لتفتيت كيان الدولة المسلمة الوليدة، وإثارة الفرقة والعداوة بين المسلمين بعضهم البعض، ومع غيرهم من الملل والنحل وفي أحلك الظروف التي كانت تمر على المسلمين يومها.
أما الأول، وهو كعب بن الأشرف، فقد كان يجاهر بالعداوة للمسلمين رغم وثيقة المدينة التي من بينها بنود خاصة بيهود المدينة تطلب منهم الوقوف مع المسلمين في حال الحرب، وعدم القيام بما يسيء للعلاقات البينية. إلا أن ابن الأشرف هذا بالغ في العداوة بعد معركة بدر، وازداد في عداوته للإسلام والمسلمين بعد اجلاء بين قينقاع من المدينة إثر انتهاكهم لوثيقة المدينة - على عادة يهود في نقض المواثيق والعهود - وازداد سفاهة وجرماً حين بدأ يهجو نساء المسلمين وصولاً إلى أمهات المؤمنين، ووصفهم بأبشع الأوصاف وأكثرها فحشاً، حتى صار يدفع المال بسخاء لمن ينشر شعـره البذيء بين القبائل العربية.
ابن الأشرف في حرب إعلامية
مارس ابن الأشرف عملياً ما نسميه اليوم بالحرب الإعلامية التشهيرية للنيل من معنويات المسلمين، وهم في فترة تكوين وترسيخ جذور، حيث الحاجة لكثير تركيز واجتهاد، مع بعد عن مشتتات أو ملهيات، إلى أن بلغ الأذى بالرسول الكريم - وهو المبعوث رحمة للعالمين - أن يطلب من أصحابه الكرام قائلاً: من لي بابن الأشرف، فقد آذاني؟
يقوم محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - وهو من قبيلة الأوس يقول: أنا به يا رسول الله. ثم يخرج مع عدد من الصحابة الذين كانت تربطهم علاقة مودة مع يهود المدينة، ومنهم ابن الأشرف هذا، لتقوم تلك الصحبة الفدائية بمهمة محددة دقيقة، هي تصفية ذاك البذيء المسيء للإسلام والمسلمين، والذي قام على رعاية وصناعة الكثير من الأذى النفسي والمعنوي للمسلمين، فكان من الطبيعي والمنطقي أن يكون الرد عليه ولكن بصناعة أخرى دقيقة ومحبكة، تُلقي نتيجتها رهبة ورعباً شديدين في قلوب أتباع ابن الأشرف ومن على شاكلتهم من يهود المدينة، وقد كان. حيث هدأت الحروب الإعلامية اليهودية المعادية للمسلمين بعد تصفية ابن الأشرف، وسكن الرعب قلوبهم، ولم يجرؤ أحد من اليهود القيام بأي فعل معاد للمسلمين بعدها، بل لم يجرؤ أحد قادتهم الخروج لوحده بعد ذلك !
بعد أن نال الأوس شرف القضاء على أحد مثيري الكراهية والعداوة في صفوف المسلمين بالمدينة، تحرك الخزرج للقيام بعمل يوازي عمل الأوس، بعد ما عُرف عن القبيلتين تنافسهما الشديد في تقديم الغالي والنفيس في سبيل الدعوة، ونيل رضا الله ورسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقالت الخزرج بعد تصفية ابن الأشرف: والله لا تذهبون بها فضلاً علينا أبداً؛ فتذاكروا مَن رجلٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا أبي رافع سلام بن أبي الحقيق، وكان من زعماء يهود خيبر الذين دأبوا على معاداة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وحبك المؤامرات والمكائد. فاستأذنوا الرسول الكريم في تصفيته، فكان لهم ما أرادوا.
اليد الطولى للمسلمين
خرج إليه خمسة من فدائيي الخزرج، بعد أن وضع عليهم أميراً هو الصحابي عبدالله بن عتيك رضي الله عنه، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة. فخرج الخمسة بعد تنسيق وتخطيط محكم دقيق، كلٌ في مهمته، فكانت مهمة عبدالله دخول حصن خيبر المنيع لوحده وتنفيذ خطة التصفية، رغم خطورة تنفيذ هذا العمل وهو وسط كثافة يهودية مسلحة. فقام بتصفية عدو الله أبي رافع وهو في فراشه وبين أهله، في مغامرة وعملية فدائية لا يقوم بها سوى القليل القليل من المؤمنين. لكنه ما خرج سريعاً بل انتظر بالحصن حتى الصباح ليتأكد من نفوق عدو الله ابن أبي حقيق. ولما سمع بخبر اغتياله من إعلام العدو، خرج دون أن ينتبه إليه أحد، وينضم إلى بقية الفدائيين متجهين إلى المدينة يبشرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بنجاح مهمتهم وتصفية أحد أعداء الله وأعداء رسوله.
خبر تصفية ابن الأشرف ومن بعده ابن أبي الحقيق في فترة زمنية قصيرة، أرعب يهود المدينة جميعاً، ومنهم خيبر المنيعة، وعلموا أن يد المسلمين يمكنها أن تطولهم وإن كانوا في مضاجعهم وفي حصونهم. فكانت تلك العمليات المقننة سلاحاً معنوياً أمر باستخدامها القائد الأعلى للقوات المسلحة لدولة المسلمين يومها، وهو رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، كي تكون وسيلة ناجعة لبث الرعب في قلوب العدو، ورسالة حازمة له تجعله لا يتحرك وفق مزاجه وهواه، ويتآمر مع هذا وذاك وغيرهم على حرب الإسلام والمسلمين.
غزة ورعـب العـدو
ما يجري للعدو الصهيوني المحتل الآن في غزة من بعد السابع من أكتوبر، هو نوع من صناعة الرعب، التي أجادت المقاومة فيها، فإن ما قامت به المقاومة في غزة حتى اليوم، أثبتت فاعلية وأهمية هذه الصناعة، وتأثيرها المعنوي والنفسي الكبير على العدو، حكومة وجيشاً وقطعان مستوطنين، ومن معهم من داعمين دوليين ذئاب لئام. فالصواريخ والمسيرات وحقول الألغام ورشاشات الغول، وحصد الآلاف منهم ما بين قتلى وجرحى ومعاقين، كلها وسائل رعب لم يكن يتوقعها هذا العدو بهذه الكثافة والنوعية والنتيجة، فجعلته يراجع كل حساباته ومعه الذئاب والكلاب والضباع الغربية وبعض العربية، فقد بلغ الرعب بالعدو ومن معه مبلغاً، لم يسبق لهم جميعاً أن رأوه وعايشوه من ذي قبل.
تبقى بعد ذلك نماذج تصفية ابن الأشرف وغيره في حسابات المقاومة كإحدى الوسائل الرادعة، ضمن استراتيجية صناعة الرعب الموجهة ضد العدو، وإن كنت لا أعتقد أنها خافية أو منسية. وكما أن دولاً كثيرة اليوم، كخلاصة وخاتمة لهذا الموضوع، تتفنن عبر أجهزة المخابرات لديها في صناعة الرعب الموجهة نحو منافسيها وأعدائها على حد سواء بصورة سرية، ويقوم هذا العدو بالأمر نفسه لكنه يجاهر ويتفاخر بخطط تصفية رجال ورموز المقاومة، فإن المقاومة الفلسطينية مطالبة القيام بالمثل، بحسب الإمكانات، والإعلان عن خطط تصفية رموز الكفر والإجرام في كيان العدو السياسي منه والعسكري، بل والاجتهاد على تنفيذها كما العدو يفعل.
إنها حرب مفتوحة بين حق وباطل.. وواحدة بواحدة، والبادئ أظلم.
بيوت تصنع واثقين وأخرى مترددين
ماذا تنتظر من شخص نشأ في بيت لا يعترف بجهوده، بل ويتم تحقيره فيه والتقليل من شأنه في... اقرأ المزيد
312
| 01 أكتوبر 2026
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
لعن الله عصاة بني إسرائيل ومن وافقهم في النهج والمسلك، ليس لانغماسهم في المنكرات وتعمُّد الإتيان بها فحسب،... اقرأ المزيد
267
| 24 سبتمبر 2026
انتبه من البيت العـنكبوتي
العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن... اقرأ المزيد
408
| 17 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10497
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3684
| 22 أكتوبر 2026