رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد يبدو غريباً العنوان أعلاه. لكن ما من شيء في حياتنا الدنيا إلا وله صناعة، أو حاجة تدعو إلى تصنيعه بصورة وأخرى، سواء كان هذا الشيء مادياً أم معنوياً. وفي التاريخ البشري الكثير من الصناعات، منها صناعة الرعب التي أرى الأمة باتت بحاجة ماسة إليها أكثر من أي وقت مضى.
قصص تصفية الرموز الخطرة والمثيرة للعداوات والفتن كثيرة في التاريخ البشري، منها مثلاً قصص تصفية كعب بن الأشرف وأبي رافع سلام بن أبي الحقيق وغيرهم من مجرمي ومثيري الفتن من اليهود، وهي نماذج لصناعة رعب كان الظرف الزمني حينها يقتضي من المسلمين، دولة وأفراداً، القيام بها واتقانها وفق ضوابط مقننة وليست مطلقة، رغم الظروف الخطرة المحيطة بالمسلمين حينذاك. فهؤلاء المجرمون اشتهروا بعـداوتهم لشخص الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – أولاً ومن ثم الإسلام والمسلمين، ولعبوا دوراً في الكثير من المؤامرات لتفتيت كيان الدولة المسلمة الوليدة، وإثارة الفرقة والعداوة بين المسلمين بعضهم البعض، ومع غيرهم من الملل والنحل وفي أحلك الظروف التي كانت تمر على المسلمين يومها.
أما الأول، وهو كعب بن الأشرف، فقد كان يجاهر بالعداوة للمسلمين رغم وثيقة المدينة التي من بينها بنود خاصة بيهود المدينة تطلب منهم الوقوف مع المسلمين في حال الحرب، وعدم القيام بما يسيء للعلاقات البينية. إلا أن ابن الأشرف هذا بالغ في العداوة بعد معركة بدر، وازداد في عداوته للإسلام والمسلمين بعد اجلاء بين قينقاع من المدينة إثر انتهاكهم لوثيقة المدينة - على عادة يهود في نقض المواثيق والعهود - وازداد سفاهة وجرماً حين بدأ يهجو نساء المسلمين وصولاً إلى أمهات المؤمنين، ووصفهم بأبشع الأوصاف وأكثرها فحشاً، حتى صار يدفع المال بسخاء لمن ينشر شعـره البذيء بين القبائل العربية.
ابن الأشرف في حرب إعلامية
مارس ابن الأشرف عملياً ما نسميه اليوم بالحرب الإعلامية التشهيرية للنيل من معنويات المسلمين، وهم في فترة تكوين وترسيخ جذور، حيث الحاجة لكثير تركيز واجتهاد، مع بعد عن مشتتات أو ملهيات، إلى أن بلغ الأذى بالرسول الكريم - وهو المبعوث رحمة للعالمين - أن يطلب من أصحابه الكرام قائلاً: من لي بابن الأشرف، فقد آذاني؟
يقوم محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - وهو من قبيلة الأوس يقول: أنا به يا رسول الله. ثم يخرج مع عدد من الصحابة الذين كانت تربطهم علاقة مودة مع يهود المدينة، ومنهم ابن الأشرف هذا، لتقوم تلك الصحبة الفدائية بمهمة محددة دقيقة، هي تصفية ذاك البذيء المسيء للإسلام والمسلمين، والذي قام على رعاية وصناعة الكثير من الأذى النفسي والمعنوي للمسلمين، فكان من الطبيعي والمنطقي أن يكون الرد عليه ولكن بصناعة أخرى دقيقة ومحبكة، تُلقي نتيجتها رهبة ورعباً شديدين في قلوب أتباع ابن الأشرف ومن على شاكلتهم من يهود المدينة، وقد كان. حيث هدأت الحروب الإعلامية اليهودية المعادية للمسلمين بعد تصفية ابن الأشرف، وسكن الرعب قلوبهم، ولم يجرؤ أحد من اليهود القيام بأي فعل معاد للمسلمين بعدها، بل لم يجرؤ أحد قادتهم الخروج لوحده بعد ذلك !
بعد أن نال الأوس شرف القضاء على أحد مثيري الكراهية والعداوة في صفوف المسلمين بالمدينة، تحرك الخزرج للقيام بعمل يوازي عمل الأوس، بعد ما عُرف عن القبيلتين تنافسهما الشديد في تقديم الغالي والنفيس في سبيل الدعوة، ونيل رضا الله ورسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقالت الخزرج بعد تصفية ابن الأشرف: والله لا تذهبون بها فضلاً علينا أبداً؛ فتذاكروا مَن رجلٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا أبي رافع سلام بن أبي الحقيق، وكان من زعماء يهود خيبر الذين دأبوا على معاداة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وحبك المؤامرات والمكائد. فاستأذنوا الرسول الكريم في تصفيته، فكان لهم ما أرادوا.
اليد الطولى للمسلمين
خرج إليه خمسة من فدائيي الخزرج، بعد أن وضع عليهم أميراً هو الصحابي عبدالله بن عتيك رضي الله عنه، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة. فخرج الخمسة بعد تنسيق وتخطيط محكم دقيق، كلٌ في مهمته، فكانت مهمة عبدالله دخول حصن خيبر المنيع لوحده وتنفيذ خطة التصفية، رغم خطورة تنفيذ هذا العمل وهو وسط كثافة يهودية مسلحة. فقام بتصفية عدو الله أبي رافع وهو في فراشه وبين أهله، في مغامرة وعملية فدائية لا يقوم بها سوى القليل القليل من المؤمنين. لكنه ما خرج سريعاً بل انتظر بالحصن حتى الصباح ليتأكد من نفوق عدو الله ابن أبي حقيق. ولما سمع بخبر اغتياله من إعلام العدو، خرج دون أن ينتبه إليه أحد، وينضم إلى بقية الفدائيين متجهين إلى المدينة يبشرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بنجاح مهمتهم وتصفية أحد أعداء الله وأعداء رسوله.
خبر تصفية ابن الأشرف ومن بعده ابن أبي الحقيق في فترة زمنية قصيرة، أرعب يهود المدينة جميعاً، ومنهم خيبر المنيعة، وعلموا أن يد المسلمين يمكنها أن تطولهم وإن كانوا في مضاجعهم وفي حصونهم. فكانت تلك العمليات المقننة سلاحاً معنوياً أمر باستخدامها القائد الأعلى للقوات المسلحة لدولة المسلمين يومها، وهو رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، كي تكون وسيلة ناجعة لبث الرعب في قلوب العدو، ورسالة حازمة له تجعله لا يتحرك وفق مزاجه وهواه، ويتآمر مع هذا وذاك وغيرهم على حرب الإسلام والمسلمين.
غزة ورعـب العـدو
ما يجري للعدو الصهيوني المحتل الآن في غزة من بعد السابع من أكتوبر، هو نوع من صناعة الرعب، التي أجادت المقاومة فيها، فإن ما قامت به المقاومة في غزة حتى اليوم، أثبتت فاعلية وأهمية هذه الصناعة، وتأثيرها المعنوي والنفسي الكبير على العدو، حكومة وجيشاً وقطعان مستوطنين، ومن معهم من داعمين دوليين ذئاب لئام. فالصواريخ والمسيرات وحقول الألغام ورشاشات الغول، وحصد الآلاف منهم ما بين قتلى وجرحى ومعاقين، كلها وسائل رعب لم يكن يتوقعها هذا العدو بهذه الكثافة والنوعية والنتيجة، فجعلته يراجع كل حساباته ومعه الذئاب والكلاب والضباع الغربية وبعض العربية، فقد بلغ الرعب بالعدو ومن معه مبلغاً، لم يسبق لهم جميعاً أن رأوه وعايشوه من ذي قبل.
تبقى بعد ذلك نماذج تصفية ابن الأشرف وغيره في حسابات المقاومة كإحدى الوسائل الرادعة، ضمن استراتيجية صناعة الرعب الموجهة ضد العدو، وإن كنت لا أعتقد أنها خافية أو منسية. وكما أن دولاً كثيرة اليوم، كخلاصة وخاتمة لهذا الموضوع، تتفنن عبر أجهزة المخابرات لديها في صناعة الرعب الموجهة نحو منافسيها وأعدائها على حد سواء بصورة سرية، ويقوم هذا العدو بالأمر نفسه لكنه يجاهر ويتفاخر بخطط تصفية رجال ورموز المقاومة، فإن المقاومة الفلسطينية مطالبة القيام بالمثل، بحسب الإمكانات، والإعلان عن خطط تصفية رموز الكفر والإجرام في كيان العدو السياسي منه والعسكري، بل والاجتهاد على تنفيذها كما العدو يفعل.
إنها حرب مفتوحة بين حق وباطل.. وواحدة بواحدة، والبادئ أظلم.
«ومن طلب العلا رقد الليالي.. !»
مثل كثيرين غيري، كنت أعتقد أن تقليل ساعات النوم قدر الإمكان علامة على الإنتاجية والطموح، وطريق مختصر للتميّز... اقرأ المزيد
186
| 06 فبراير 2026
تبسّم ...!
التبسم بلسم للهموم والأحزان، وله طاقة مذهلة في بثّ الفرح في القلوب والأفئدة، كان الرسول صلى الله عليه... اقرأ المزيد
78
| 06 فبراير 2026
دور الشرطة المجتمعية في المدارس
دور الشرطة المجتمعية هام في تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً إلى بعض الحالات الاجتماعية المتعددة،... اقرأ المزيد
81
| 06 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2106
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
888
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
696
| 04 فبراير 2026