رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكبر غلط أن يقول قائل إن ما بين المرشحين للرئاسة في مصر هو صراع بين ممثل الدولة الدينية ومرشح الدولة المدنية. وهو كلام يمكن أن يؤخذ باعتباره نكتة اعتمادا على أن الدكتور محمد مرسي له لحية في حين أن كل صلة الفريق شفيق بالمدنية تنحصر في كونه ظل وزيرا للطيران «المدني» لمدة تسع سنوات تقريبا، خلع خلالها ثيابه العسكرية وظل يرتدي الثياب «المدنية». لكنك إذا انطلقت في ذلك من كون الدكتور مرسي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين التي لها «مرشد» يمكن أن يؤثر على قراراته، فإن المقارنة عندئذ لن تكون في صالح الفريق شفيق الذي رشحته مشيخة الطرق الصوفية وأيده فصيل منسوب إلى جماعة «الجهاد». ذلك أن مرشد الجماعة - إذا صح أن له كلمة في الموضوع - فكل ما يصدر عنه يؤخذ من كلامه ويرد. أما عند الصوفية فعلاقة المريد بالشيخ تصفها أدبياتهم بأنها كالميت بين يدي مغسله، بمعنى أنها حالة استسلام كامل. ولا أعرف رأي الفريق في مجموعة تنظيم الجهاد التي أيدته، والتي لا ترى غير العنف والسلاح سبيلا للتغيير في المجتمع. الأمر الذي يضطرنا إلى إعادة النظر في تعريف «المدنية» التي يرمز إليها الفريق. أما إذا أردنا أن نأخذ الأمر على محمل الجد، فسوف نكتشف أننا بصدد صراع موهوم بين مشروعين افتراضيين، لا علاقة بالرجلين بهما. فموضوع الدولة الدينية ليس واردا في مصر، كما أن الفريق شفيق لا علاقة له من قريب أو بعيد بالدولة المدنية. إلا في الحدود «المدنية» التي سبق ذكرها.
إنني أستغرب ما يتحدث به البعض عن احتمالات إقامة الدولة الدينية في مصر. وأرجح أنهم يلوحون بذلك لمجرد التشهير والتخويف لا أكثر، حيث لا يخطر على بال أي أحد أن عاقلا في هذا الزمان يمكن أن يدعي أنه ظل الله في الأرض وأن كلامه تعبير عن المشيئة الإلهية. وإذا اختل عقله وفعلها تحت أي ظرف، فإن أحدا لا يتصور أن المجتمع يمكن أن يقبل منه ذلك. وأغلب الظن أنه سيتحول إلى مادة للتندر والسخرية. هذا إذا لم يطالب البعض بإيداعه في أحد مستشفيات الأمراض العقلية.
صحيح أن الدين ظل العامود الفقري وحجر الأساس في الدولة الإسلامية على مدى تاريخها، لكن ذلك لم ينشئ دولة دينية بالمفهوم السائد في التجربة الغربية. حيث لم يمنح الحاكم ولا السلطة قداسة من أي نوع، الأمر الذي شجع أحد المسلمين على أن يقول في وجه الخليفة الثاني أبوبكر الصديق: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا. وهي ذات الحقيقة التي جعلت تكليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستهدف أهل السلطة بالدرجة الأولى. وهي ذاتها التي قننت وحرضت المسلمين على مقاومة الظلم، وأنتجت ما يعرف بفقه الخروج على الحاكم الجائر، الذي يستأثر بالسلطة والمال، إلى غير ذلك من الأدلة والقرائن التي تجعل الترويج لفكرة الدولة الدينية بمثابة شائعة خبيثة سيئة النية، أو مزحة ثقيلة تبعث على الاستياء والامتعاض.
المروجون لفكرة الدولة الدينية لم يكتفوا بذلك، وإنما انتقوا من كل بلد له علاقة بالإسلام أسوأ ما فيه وخوفوا الناس من اقتباسه في مصر. من فرض الحجاب في إيران، إلى محاربة الفنون وإغلاق البنوك في أفغانستان طالبان، إلى منع النساء من قيادة السيارات في السعودية، إلى مهاجمة الحانات في تونس، وصولا إلى انفصال الجنوب في السودان ــ ولأسباب مفهومة لم يخطر على بال أحد منهم أن يكون حظ مصر أفضل، بحيث تمضي في الطريق الذي سلكته تركيا أو ماليزيا أو حتى إندونيسيا.
التدليس في مسألة الدولة الدينية قابله كذب صُراح في ادعاء تمثيل الدولة المدنية من جانب المرشح الآخر. ناهيك عن التغليط غير البريء في وضع المدني نقيضا للديني، بعد العبث بالمصطلح وتفريغه من مضمونه، ومن ثم تحويله إلى أداة في الصراع السياسي بدلا من استثمار الفكرة الأصلية لصالح المصلحة الوطنية العليا. ذلك أن المرشح الذي يريد إقناعنا بأنه رمز للدولة المدنية، في حين يعتبر مبارك مثلا أعلى له، وتعتبره إسرائيل كنزا استراتيجيا أكثر أهمية من رئيسه السابق، لا يخدعنا فحسب، وإنما يهين الدولة المدنية ويشوه صورتها.
حتى إذا أدخل بعض التعديلات وركَّب بعض الأقنعة على نظام مبارك الذي يمثله فإن ذلك لا يمكنه أن يطمس حقيقة الدولة البوليسية الكامنة في تلافيف النظام. وقد أفصح الرجل عن ذلك في حديثه إلى غرفة التجارة المصرية الأمريكية، الذي فضحته صحيفة «نيويورك تايمز»، وقوبل بتصفيق حاد من قبل رجال الأعمال الحاضرين، حسبما ذكرت الصحيفة الأمريكية.
حين قرأت قول المرشح المحترم الذي كان رئيس وزراء مبارك «إننا صنعنا ثورة ناجحة» مراهنا على بلاهة وغباء الشعب المصري، الذي لم ينس أنه كان رئيس الوزراء المسؤول سياسيا عن معركة الجمل، فإنني لم أستغرب اجتراءه على الادعاء بأنه يمثل الدولة المدنية.
لقد صرنا بإزاء صراع مفتعل بين أكذوبتين، واحدة تخوفنا من الدولة الدينية، والأخرى تخدعنا باسم الدولة المدنية، والأولى مجرد وهم أطلق في الفضاء الإعلامي والثانية تحولت إلى ورقة توت لستر عورة نظام مبارك - لذا لزم التنويه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4236
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3144
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1095
| 28 سبتمبر 2026