رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كل مرة تقع أحداث بالعالم الإسلامي، وأبرزها حالياً المشهد الهندي وتطرف الحكومة الهندوسية الحالية تجاه المسلمين، مع استمرار معاناة الأيغور في الصين والروهينجيا في بورما، وبالطبع قضية المسلمين الأولى، قضية الأقصى وفتنة الصهاينة، وغيرها من مشكلات ومعاناة المسلمين حول العالم.
أقول: في كل مرة تقع أحداث على ساحتنا الإسلامية أو خارجها تتعلق بنا، تكثر النقاشات في الفضائيات ووسائل الإعلام المتنوعة، وينقسم الناس بسببها بين طارح لفكرة المؤامرة، وقسم ثان يرفضها تماماً، فيما تجد ثالثاً لا يؤيدها، لكنه في الوقت ذاته لا يتجاهلها أيضاً.
وفي خضم تلك النقاشات وكثرتها، قد ينسى الناس لب الموضوع أو المشكلة الرئيسية، والتي أجدها كامنة في عدم فهم الواقع الحالي للأمة، وما يحيط بها من ظروف محلية وأخرى عالمية. وإن الفهم الصحيح لذلك في نظري، هو مفتاح علاج واقع المسلمين اليوم. وهذه خلاصة موضوع اليوم، ومن أحب مزيد تفاصيل، فسيجدها في الفقرات التالية.
بداية لابد من إدراك حقيقة لا يختلف عليها اثنان، هي أن الحضارة الغربية من تقود العالم اليوم منذ عدة قرون، وما المنظمات والهيئات الدولية التي أنشأها الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، وجعل مقارها في منطقته أيضاً، إلا لتكون أدوات تساعده على قيادته للحضارة البشرية بصورة فاعلة لحين من الدهر غير قصير، خاصة إذا استمر الغرب في دعم وتعزيز نقاط قوة حضارته، واستمر التابعون له في تبعيتهم، والقبول بواقعهم وضعفهم دون سعي مخلص صحيح لتغييره.
وقد جرت السنن الكونية على أن من يقود الآخرين، تكون عادة توفرت له أسباب القيادة إلى أن يفقدها جميعاً، سبباً سبباً حتى تؤول القيادة إلى حضارة أخرى. وهكذا هي حركة التاريخ أو سنة الكون والحياة "وتلك الأيام نداولها بين الناس".
• الغرب ومنطق القوة
إذن الغرب يتحرك بمنطق القوي في العالم. منطقٌ خلاصته تقول بأن التحرك يكون وفقاً لمصالحي، وإن لم تتوافق مع مصالح غيري، على رغم أن العالم اليوم، من المفترض أن يعمل معاً ضمن منظومة الأمم المتحدة. لكن الواقع العملي يختلف تماماً عن النظري. فالغرب يتحرك بناء على مصلحته وليس مصلحة الآخرين. قوته اليوم تسمح له باتخاذ القرار، بل وتنفيذه باقتدار أيضاً، وهي حقائق واضحة لا غبار عليها، ولا أدري لم لا نستوعبها في العالم الإسلامي؟
لا يجب أن نستغرب تحرك أساطيل وجيوش الناتو إن تضرر فرد في أمة الغرب، أو لحفظ مصالحهم أيضاً - بحسب رؤيتهم وفهمهم لمعنى المصلحة - بغض النظر إن توافقت رؤاهم مع غيرهم من الأمم، أو خالفتها. لا يجب أن نستغرب نحن المسلمين من ذلك، لأن مثل تلك التحركات كانت معروفة في تاريخنا الإسلامي أيضاً، حين كانت الأمة تمتلك أسباب القوة التي تجعلها تحرك الجيوش إن تضرر فرد واحد من قبل أعداء الأمة، أو تعرضت مصالحها للخطر، وفق رؤية من كانوا يقودون الأمة حينذاك، مع الفارق الكبير بين رؤاهم القائمة على المادية ومصالحهم الضيقة، ورؤانا القائمة على الربانية وهداية البشرية، أو هكذا هو الأصل بالنسبة لرؤانا.
• تصحيح نظرية المؤامرة
لكن ماذا عن نظريات المؤامرة التي يؤمن كثيرون بها، ويرفضا كثيرون بالمثل؟ هل فعلاً الغرب يتآمر أو ما زال يخوض في هذا الأمر لم يتوقف؟ الواقع يفيد أن القضية متشعبة وتبقى خلافية، ولكل فريق وجهة نظر في المسألة. لكن موضوع مؤامرات الغرب أو الشرق على الأمة أو على آخرين، فمن المهم إدراكه أنه أمر مرتبط بالبشر منذ قديم الدهر، ومستمر إلى ما شاء الله أن تستمر الحياة. المؤامرات لا يجب أن نستبعدها تماماً، لأنها جزء من الصراع بين البشر، حيث تختلف أساليب المؤامرة بحسب الزمان والمكان وثقافة البشر. والمؤامرة وقبل أن نتعمق أكثر في تفاصيلها – إن سمحت لي أيها القارئ القيام بتعريفها من وجهة نظري – هي تخطيط خفي من أجل تحقيق مصلحة، على حساب مصالح آخرين، بطريقة وأخرى، وسواء اتفقنا على أهدافها وأساليب تنفيذها أم لم نتفق من الناحية الدينية أو الأخلاقية أو القيمية أو غير ذلك.
نحن كأمة مسلمة وقبل فترة الاحتلال، كنا أمة مستهدفة من قوى مختلفة في هذا العالم، نظراً لمسائل السيادة الحضارية، خاصة بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية والفارسية التي تواجهت مع أمة مسلمة فتية، كانت تتعاظم قوتها وتأثيراتها يوماً بعد آخر.
الأمة الإسلامية ولأنها كانت من صنّاع الحضارة في زمن تاريخي امتد لأكثر من ألف عام، وتمت فيه إزاحة حضارات كانت قائمة، رأيت تكاثر الأعداء والمتربصين بها، على اعتبار أن تلك الإزاحة بطبيعة الحال، لا يمكن أن ينساها صنّاعها بسهولة، إذ بقيت المشاعر بالنفوس تغذيها روح الانتقام، وتتوارثها الأجيال لحين وقت معلوم، أو فرصة سانحة لاستعادة ما تمت إزاحته.
اليوم نرى الغلبة والرفعة للغرب منذ أكثر من قرن من الزمان. بدأه باحتلال مناطق شاسعة، استغل ما يمكن استغلاله وبشراهة منقطعة النظير. وحين بدأت الحركات الثورية الطبيعية المضادة في أكثر من بقعة مستعمرة، وجد الغرب الاستعماري نفسه يخسر تدريجياً في مقاومة تلكم الحراكات، فبدأ يخطط للخروج ولكن قبل ذلك فكر وقدّر، وهذا التفكير والتقدير يمكن أن نسميه بحسب حديثنا اليوم بالمؤامرة، حيث صنع الغرب المستعمر أناساً على عينه، يقومون على مصالحه بعد خروجه، فكانت المشاهد الظاهرية لاستقلال الدول، وكانت التقسيمات السياسية المعروفة.
الغرب مصالحه مع الأمة المسلمة في كثير من مناطقها ما زالت كبيرة وكثيرة، وأن يتجاهلنا هذا الغرب كلية، فإنه ليس بالأمر الممكن. ولأن الواقع يتغير كل حين، فلابد من استراتيجيات أخرى، ولابد من عقول تفكر وتخطط وتدبر لجعل حبل الغرب متصلاً بالمنطقة لا ينقطع، وليرسم صورة ذهنية مفادها أن وجوده بالمنطقة أمر ضروري حيوي عند سكانها. وهذا التدبير أو التخطيط والتفكير هو ما يمكن تسميته أيضاً بالمؤامرة. بمعنى آخر، كيف أخطط لأن أبقى عندك وأستفيد منك بصورة وأخرى. هكذا لسان حال الغرب مع أمة الإسلام. هذه هي المؤامرة باختصار شديد. لكن الأهم من هذا هو التساؤل التالي:
• إلى متى دور الضحية؟
الغرب ليس يتآمر علينا فحسب، بل على آخرين كالصين وروسيا والهند وغيرهم. ويحدث العكس أيضاً. فلا تعتقد أن القوى الأخرى في هذا العالم هادئة ساكنة. الكل يخطط ويدبر ويقدّر، أو إن صح التعبير، يتآمر مع غيره على غيرهم، في سبيل مصالح قصيرة أو طويلة الأمد. يحدث هذا في الغرب والشرق، بل في كل الأمم، بما فيها أمتنا وللأسف.
الكل يريد مصلحته، بغض النظر عن آلية وطرائق تحقيق تلك المصلحة، دون أن نخوض في معاني المؤامرة الأخلاقية والقيمية. نتحدث الآن من الجانب النظري البحت فقط. وهذا يدفعنا للتساؤل: ما المشكلة أن يتآمر أحد على أحد، أو إن صح التعبير، يخطط ويدبر للحفاظ على مصالحه؟ وهذا يدفعنا أيضاً لأن نقول: ما المشكلة، وبهذا الفهم، أن يتآمر المسلمون أيضاً على الغرب والشرق وكل من يكن لهم العداوة والبغضاء ؟ وأعني ها هنا التخطيط والتدبير لمصالحنا، ولكن وفق قيمنا وأخلاقنا وديننا بالطبع. فأين الخطأ في هذا؟
القصد من هذا الحديث أننا لا نريد أن نكون دوماً ضحية ألعاب ومؤامرات الآخرين، أو نؤدي ذلكم الدور في لعبة الصراعات. لابد أن نلعب اللعبة ذاتها مع المتآمرين، أو إذا أردنا تخفيف المصطلح بعض الشيء، لابد أن نفكر ونخطط وندبر لتحقيق مصالحنا كما هم يفعلون، عبر مراكز أبحاث ودراسات، ومؤسسات تعني بالتخطيط الاستراتيجي، العسكري والاقتصادي والفكري والثقافي وغيرها، شأننا شأن من يستغلنا ويعادينا.
أليس هذا الدور هو الأفضل أو الأوجب علينا كأمة، بدلاً من الاستمرار في أداء دور الضحية في كل لعبة أو مؤامرة، ومن ثم استجداء عطف الآخرين الذين قد يكونون على شكل دول أو مؤسسات وهيئات دولية، والذين في حقيقة الأمر والواقع، لا أثر لهم ولا وجود فاعلاً في مثل هذه الصراعات. هذا إن لم يكونوا هم من أسباب استمرار أزماتنا وشقائنا؟ فمتى نعي هذه الحقائق ونسيطر على زمام أمورنا، وندخل صراع الأمم والحضارات كصانعين مؤثرين، لا مصنوعين ومتأثرين؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
4824
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1572
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1278
| 11 مارس 2026