رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالرحمن الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

0

عبدالرحمن الشمري

نكون أو لا نكون

18 مارس 2026 , 06:21ص

لم يعد الاعتماد على استيراد السلاح خيارًا آمنًا لدول الخليج، بل أصبح ثغرة إستراتيجية تهدد سيادتها قبل أمنها. فالدولة التي لا تتحكم في صناعتها العسكرية، تظل رهينة لإرادة الخارج، مهما امتلكت من ثروة أو تحالفات. لقد أثبتت التحولات المتسارعة في العالم أن السلاح المستورد، مهما كان متطورًا، لا يضمن الاستقلال الحقيقي، بل يربط الأمن الوطني بشروط سياسية واقتصادية قد تتغير في أي لحظة وتحت أي ظرف.

وإذا كانت هذه الحقيقة واضحة اليوم، فإن خطورتها تتضاعف عند النظر إلى طبيعة الخليج نفسه، فجغرافية هذه المنطقة لم تكن يومًا هامشية، بل كانت عبر التاريخ نقطة التقاء العالم الشرقي بالغربي، وجسرًا يربط بين القارات والحضارات. ومع اكتشاف النفط وتطور صناعات الطاقة، ثم ازدهار خطوط الشحن والطيران والنقل البحري، تحوّل الخليج إلى الشريان الحيوي للعالم بأسره، تمر عبره مصالح الدول وتتشابك فيه حسابات الاقتصاد والسياسة. إن ما تختزنه أرضه من ثروات، وما تتحكم به مياهه من مضائق ومعابر استراتيجية، جعله مركزًا للصراع قبل أن يكون مركزًا للثروة.

فكيف يمكن لمنطقة بهذه الأهمية أن تظل معتمدة بشكل كبير في أمنها على الخارج؟ وكيف يُعقل أن تبقى قوة بهذا الوزن الإستراتيجي مستهلكة للسلاح لا منتجة له؟ إن هذا التناقض لا يمكن أن يستمر دون ثمن. فالموقع الذي يجذب أنظار العالم، يجذب معه أطماعه أيضًا، والدولة التي لا تحمي نفسها بقدراتها الذاتية، تصبح ساحة لصراعات الآخرين.

إن التجارب الحديثة كشفت بوضوح أن الاعتماد على الخارج في التسلح ليس فقط مكلفًا، بل محفوف بالمخاطر. فكم من صفقات سلاح تعطلت بسبب خلافات سياسية؟ وكم من منظومات عسكرية بقيت رهينة الصيانة الأجنبية أو القيود التشغيلية؟ إن امتلاك السلاح دون امتلاك المعرفة الصناعية والتقنية المرتبطة به، يشبه امتلاك قوةٍ معطلة لا تُستخدم إلا بإذن غيرك.

دول الخليج، بما تمتلكه من موارد مالية هائلة، تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل، فبدلًا من إنفاق مئات المليارات على استيراد الأسلحة، آن الأوان لتحويل جزء كبير من هذه الاستثمارات إلى بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية. إن الاستثمار في التصنيع العسكري لا يعني فقط إنتاج السلاح، بل يعني نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وبناء كوادر بشرية قادرة على الابتكار والتطوير وفتح تخصصات في الجامعات والكليات، فمن هذا الباب استطاعت تركيا مثلًا أن تكون الأولى في القوة العسكرية للطائرات المسيرة، فمن خلال استقطاب الشباب ودعمهم استطاعت أن تتربع على عرش قوة المسيرات وتجعل لها مكانة فوق رؤوس الدول. لذلك فإن بناء مراكز تدريب متقدمة، وتأهيل الكفاءات الوطنية في المجالات العسكرية الدقيقة، سيشكلان حجر الأساس للأمن الوطني.

كما أن التعاون الخليجي المشترك في هذا المجال يمثل فرصة إستراتيجية كبرى. فبدلًا من العمل بشكل منفرد، يمكن تأسيس مشاريع صناعية عسكرية مشتركة توحّد الجهود وتستثمر في القدرات المتنوعة لكل دولة، مما يعزز القوة الجماعية ويقلل الاعتماد على الخارج.

إن الاعتماد على الحلفاء لا يجب أن يتحول إلى ارتهان كامل. فالعلاقات الدولية تتغير، والتحالفات تُبنى على المصالح لا على الثوابت. والدولة التي لا تملك أدوات قوتها الذاتية، تجد نفسها في موقع ضعف عند أول اختبار حقيقي.

وأخيرًا، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيبقى العرب والمسلمون غافلين عن حجم هذه الحقيقة وخطورتها؟ فإلى متى ستستمر هذه الغفلة، ومن يدفع ثمنها إن لم يُتدارك الأمر؟ إن منطقة بهذا الثقل الجغرافي والاقتصادي لا تحتمل التردد ولا التأجيل. فإما أن تتحول إلى قوة مستقلة تمتلك قرارها، أو تبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين ومطامعهم. والوقت، في مثل هذه القضايا، ليس عاملًا محايدًا، بل قد يكون الفارق بين السيادة والتبعية.

مساحة إعلانية