رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد فرضت الحرب المجنونة نفسها في سورية نتيجة لتعنت العصابة الحاكمة التي كان رئيسها بشار يدرك أنها ستقع لمعرفته بالفجوة الهائلة بينه وبين الشعب ولإحساسه أن الاحتقان الشعبي لا يمكن أن يظل له متنفس بالتظاهر السلمي فقط، ولذلك عمل جاهداً وبشكل فظيع وشنيع إلى استجرار الشعب لهذه الحرب فقتل وجرح وسحل ومثل وشرد واعتقل واعتدى بكل ذلك على الشيوخ والأطفال والنساء بقمع وحشي رعبيب، وهو بذلك قد أوفى بوعده الذي هو الوعيد الرهيب، حين قال في أول خطاب له لدى اندلاع الاحتجاجات: إذا فرضت علينا المعركة فأهلا وسهلا، ياللحماقة حين يرحب بالاستعداد والفعل لقتل الشعب الذي من المفروض لو أنه تصالح معه وأصلح شؤون السياسة وعمل بالعدل لتقدم بهذا الشعب بكل أعماره وأطيافه وأطرافه وتنوعاته إلى البناء والتنمية لا إلى تنفيذ هذا الوعيد بتدمير العباد والبلاد وبحقد أسود وأحادية تكبر وغطرسة واعتداد ظالم وثقة في غير محلها وأين هو من قول المقنع الكندي:
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
بعد أن بين أنه لا يحمل الحقد القديم عليهم، ثم
وإن أكلوا الحمي وفرت لحومهم
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولكن كما قال المتنبي:
لكل داء دواء يستطب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها
فلا شرع سماوي يردعه ولا عقل ناضج بعقله ولا مبادئ، وقيم أخلاقية تحجزه إنما هو العناد والفوقية والسير على تقليد منهج أبيه (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)، يا للإثم والعار والشنار والوقاحة والفرعنة والعجب بحيث أسهمت كل هذه الرذائل وما هو أقبح منها باستباحة الضحايا والممتلكات في سورية دون توقف ولو ليوم واحد مما لم تشهده في تاريخها القديم والحديث، إنها ديكتاتورية بامتياز وهكذا الأشرار الذين يتبعون القبائح ويهربون من المحاسن كالذئاب التي لا تحوم إلا حول المزابل والمواضع الفاسدة على ما مثله يحيى بن محمود الواسطي وإن ما يفعله نظام اللانظام في الشام ويقفز رئيسه واثبا كالجبان فيحارب عندما لا يسعه الفرار على ما شخصه شكسبير، لهو الانكسار بعينه والهزيمة الساحقة بحقيقتها وسيبقى سلاحه عدوه الذي سيقتل به حتما، فالجزاء من جنس العمل، إنه لمشهد مخيف في مسلسل مروع، إذ تلحق كل مجزرة بأختها وما أكثر وأرهب تلك المجازر الوحشية التي كان أبرزها مذبحة الحولة في حمص ومذبحة القبير في حماه ومذبحة زملكا في ريف دمشق والمجزرة الجديدة الرهيبة في قرية التريمسة من ريف حماه، حيث هوجمت برا وجوا وأنجز بشار وعيده بقتل أكثر من مائتين وستين شهيدا فيهم الأطفال والنساء ناهيك عن تحريق المنازل ونشر الرعب في أرجائها ثم تشريد أهلها، حتى لم تبق دولة إلا نددت بها طبعا اللهم إلا روسيا التي طالبت بتحقيق فوري على نمط روايات العصابة الاسدية كي تقلب الحقائق وتجد لها مخرجا رخيصا كما فعلت حيال المجازر السابقة، لقد ضجت الأرض من أمواج الدماء الذكية ومازال العالم الذي يدعي التحضر ونصر حقوق الإنسان يتصارع مع بعضه تبعا لتحقيق مصالحه الغرب والشرق معا دون أي اهتمام لهؤلاء الضحايا، وأنا أسأل هنا بكل صراحة: لو أن سكان سورية اليوم هم من اليهود الصهاينة على سبيل المثال فهل سيدعهم المجتمع الدولي نهبا للحديد والنار أم سيوافق مجلس الأمن فورا على حل الأزمة ولن يقع أي فيتو من روسيا أو الصين ضدهم، ان سياسة الكيل بمكيالين هي التي تظهر أنها سيدة الموقف واما الأخلاق والمبادئ فليس لها أي مكان في هذا العالم المتحضر زورا وبهتانا وليذهب الشعب السوري إلى الجحيم على حد ما قاله سفير روسيا في الأمم المتحدة لمن التقى معه مشجعا ان يكون للروس موقف ايجابي لصالح الشعب لا الأسد حيث إن الشعب هو الذي يبقى والأسد لابد ذاهب.
لقد ولدت الثورة السورية المباركة يتيمة ولا تزال غير ظافرة بمن يكفلها والذين يتكلمون معها ويغازلونها في الغالب إنما على طريق التمني لا التبني ولذلك كان أروع شعار للشعب ما لنا غيرك يا الله.
وهم بذلك يملكون ثقة لا زعزعة فيها أبدا وهم عصاميون جدا ويؤكدون أنه:
ما حك جلدك مثل ظفرك
فتول أنت جميع أمرك
وهكذا يفهمون أن عليهم دورا أساسيا يجب أن يثبتوا عليه ويطوروه ويتعاطوا قدر الامكان مع التغيرات الدراماتيكية التي تبدل وجوه الثورة لأن بعضها يسوء وآخر يطول ولابد من رؤية سليمة متكاملة يتقاسمها جميع الناشطين في الشعب والجيش الحر وهذه قضية بالغة الأهمية، وذلك لأن أصحاب الشأن سيواجهون ربما كل أسبوع عصا جديدة لم يتوقعوها خصوصا ان سورية وصلت إلى قمة الصراع بل لم تعد مسألة داخلية فقط، ومع ذلك فالحرب لابد أن نواصل خوضها إذ يستحيل العودة إلى الوراء فالتحرك والتحرق هما الدافعان لترسيخ الثورة مع تعميق كل تدابير الثقة بيننا فهذا من الأساسيات وكذلك إعمال الضوابط المصلحية المعتبرة التي تطوق كل ما يؤدي إلى انحرافها وخصوصا فيما يتعلق بالسلاح والأمن وجعل هذا الأمر بيد المختصين والخبراء والوجهاء والعلماء والشباب الناضجين لأن الحرب في المدن وما حولها شأن شائك ولأن الزمان والشخص والظرف والحال من عوامل تثبيت الضوابط وكذلك فإنه تجب المحافظة على المقاومة اللاعنفية كالمظاهرات وسواها لأن هذه الآليات تؤدي غالبا إلى تغيير ميزان القوى بين السلطة والشعب بل تنبه الوضع الاقليمي والدولي إلى ذلك والأمثلة في ذلك وفيرة ولأنه قد نتساءل هل الاعتماد على الله والنفس فقط يغني عن إعانة الآخرين عموما أم ماذا، والجواب اننا إذ نطمئن لتلاحم الداخل بدور فعال كما حدث في حماه بالمظاهرات والإضراب احتجاجا على مجزرة التريمسة وكذلك سائر المدن والبلدات السورية التي لم تخف بل هبت للنصرة.
لكننا لا نطمئن الآن أبدا لبعض الدول والمنظمات وسواها فما العمل؟ والاجابة هنا أنه لا ثقة لنا بحكم الوقائع والحقائق والقرائن الثابتة بهؤلاء مثل روسيا والصين وإيران والعراق جناح المالكي وحزب الله في لبنان لأن هؤلاء ليسوا حلفاء النظام بل شركاؤه في القتل وخصوصا روسيا وايران ولذلك دعا الرئيس التونسي المنصف المرزوقي هاتين الدولتين أن تكفا عن المساندة لبشار، أما ما يخص الدول الغربية أو الدول العربية أو كتركيا المسلمة والأردن وبقية الدول الإسلامية عموما، فالمواقف متأرجحة بين إيجابية بالكلام وبعض الفعل كالسعودية وقطر والكويت وتركيا شيئا ما لأنها لا تستطيع أن تتحرك فعليا مع الثورة بغير غطاء دولي رسميا رغم الاعتداء المتكرر في أرضها على أتراك وسوريين وقصف الطائرة التركية بيقين أما عن الغرب وعلى رأسهم أمريكا فإن تأييدهم اللساني المتـأرجح وفعلهم الرمزي بفرض عقوبات معروفة لم يؤثر عمليا على النظام وخصوصا مع معونات روسيا وايران بكل الأوجه، وتراجعهم مؤخرا حتى بعد حشد دول أصدقاء سوريا فنحن لم نفهم كما قال رياض سيف معنى كثرتهم مع استمرار قتلنا ومن ناحية مهمة فكم قتلتنا وتذبحنا تصريحات من يريدون التعاطف معنا من كبار السياسيين مثل أردوغان الذي صرح منذ سنة بأن حماه وحمص خط أحمر ولن تتكرر فيهما المذابح ولكن أعيدت بأسوأ ولم يفعل سيادته لنا شيئا وكذلك وزير الخارجية الفرنسي السابق آلان جوبيه حيث قال إن أيام بشار باتت معدودة.
وكما صرحت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية في اليابان قبل اسبوع بان أيامه غدت معدودة. فنحن أصبحنا لا نفهم هل هؤلاء سياسيون ونناشدهم ألا يصرحوا بمثل ذلك لأنهم يضروننا.
وختاماً فإن مجزرة التريمسة كشفت العصابة الأسدية أكثر وباتت تمتحن المجتمع الدولي للمرة العاشرة هل سينجح أم يرسب في قاعة سورية الكبيرة وخاصة بعد ان طلع جهاد مقدسي أمس في المؤتمر الصحفي ليكذب ويكذب على العالم ويدعي ان العملية عسكرية ضد الإرهابيين وان القتلى سبعة وثلاثون عسكريا واثنان مدنيان وأن الإرهابيين هم المهاجمون وقد ردوا عليه وبينوا افتراءاته ورده الكاذب حتى على كوفي عنان وكذلك وزيره وليد المعلم، لكن لا عجب فرئيسه بشار وعد وغير ولم يمر به قول الشاعر:
إني إذا واعدته أو وعدته
لمنجز ايعادي ومخلف موعدي
وأقول للأحرار من أصحاب القرار في العالم:
ونمت على ريش النعام فلم أجد
فراشا وثيرا مثل انجاز واجبي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5748
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2985
| 29 سبتمبر 2026