رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهد عهد فقيد الوطن الكبير الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله تعالى (1995 – 2013)، العديد من الخطوات المهمة والجوهرية في تطوير البنية الدستورية والتشريعية والقضائية في الدولة. ففي عهده صدر أول دستور لدولة قطر اشترك الشعب في إقراره عن طريق الاستفتاء على مشروعه. هذا الدستور قرر مسؤولية الوزارة أمام مجلس الشورى وعزَّز دور مجلس الشورى كسلطة عامة. كما شهد عهده خطوات مهمة في سبيل استقلال السلطة القضائية ونقل الإشراف عليها من وزارة العدل إلى مجلس مستقل يتمثَّل في المجلس الأعلى للقضاء، كما تم توحيد جهتي القضاء الشرعي والعدلي، وإنشاء القضاء الإداري وتقرير القضاء الدستوري، ونقل تحريك الدعوة الجنائية من وزارة الداخلية إلى سلطة مستقلة تتمثَّل في النيابة العامة. هذه الأمور انعكست إيجابًا على تعزيز سيادة القانون وكفالة الحقوق والحريات العامة، وأسهمت في ترسيخ الحكم الرشيد.
فبشأن الدستور، فإن دولة قطر لم تعرف وثيقة دستورية مكتوبة إلا في بداية السبعينيات من القرن العشرين، إذا صدر في عام 1970، أول دستور مُقَنَّن لقطر، وقد ضمت الوثيقة الدستورية موادّ تتعلق بنظام الحكم، وبيَّنت المبادئ الأساسية للدولة وكفلت بعض الحقوق، كما اشتملت على الأحكام المنظِّمة للسلطة التنفيذية ومجلس الشورى، ومع استقلال دولة قطر في 3 سبتمبر 1971 كانت هناك ضرورة لتعديل النظام الأساسي المؤقت ليتناسب مع الأوضاع الجديدة المتمثلة في استقلال الدولة، وتولي الشيخ خليفة مقاليد الحكم في البلاد. لذا أصدر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في 19 أبريل 1972 النظام الأساسي المؤقت المعدل (دستور 1972).
واستمر العمل بالدستور المؤقت حتى تولى سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله مقاليد الحكم، فكان من ضمن أولوياته التي صرح بها وضع دستور دائم للبلاد. وقد بيَّن في خطابه أثناء افتتاح الدور العادي السابع والعشرين لمجلس الشورى في 16 نوفمبر 1998، أنه آن الأوان لتطوير النظام الدستوري بما يتلاءم مع ما شهدته الدولة من تطور في مختلف المجالات.
وفي كلمة له في موقع آخر، طمح الأمير الشيخ حمد أن يلبي الدستور التطلعات والآمال وقطر على أبواب القرن الحادي والعشرين؛ وتحقيقًا لهذا الغرض أصدر القرار الأميري الخاص بتشكيل لجنة إعداد الدستور الدائم للبلاد.
بخلاف النظام الأساسي المؤقت (1970)، والنظام الأساسي المؤقت المعدل (1972)، رأى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله وجوب مشاركة الشعب في إقرار الدستور الدائم من خلال الاستفتاء على مشروعه، ففي 12 يوليو 1999 أصدر القرار الأميري رقم (11) لسنة 1999 بتشكيل لجنة إعداد الدستور الدائم وتعيين اختصاصاتها. وقد أنجزت اللجنة عملها بوضع مشروع الدستور، وفي 2 يوليو 2002 تسلَّم سمو الأمير الوالد الشيخ حمد وثيقة مشروع الدستور الدائم ومذكرته التفسيرية خلال استقباله لأعضاء لجنة إعداد الدستور. وفي يوم 15 أبريل 2003 أصدر مرسومًا، رقم (38) لسنة 2003، يدعو فيه المواطنين للاستفتاء على مشروع الدستور، وقد جاء في ديباجة هذا المرسوم أنه "امتثالًا لقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) وإيمانًا منا بأهمية المشاركة الشعبية في إقرار دستور البلاد والحرص على النهوض بالوطن والعمل على رفعته وسعيًا لمستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة، رسمنا هذا المرسوم لدعوة المواطنين للاستفتاء على مشروع الدستور، وقد نص المرسوم على أن "يُعتبر مشروع الدستور موافقًا عليه إذا أقرته أغلبية الآراء الصحيحة التي أبديت في الاستفتاء..".
وقد تم الاستفتاء في اليوم المحدد له فعلًا بموافقة 96% ممن له حق التصويت عليه. وبالتالي يُعَدُّ هذا الدستور الذي وضع في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الدستور الأول في دولة قطر الذي تتم مشاركة الشعب القطري في إقراره عن طريق الاستفتاء. وتجسِّد هذه الخطوة البعد التشاركي للحكم الرشيد في بناء المنظومة الدستورية للبلاد عبر إعطاء الحق للمواطنين في المشاركة لإقرار أهم وثيقة مرجعية تبيِّن توزيع السلطات ومجالاتها واختصاصاتها وعلاقاتها في الدولة، وأيضًا علاقات هذه السلطات بالمواطنين.
أما عن التطور التشريعي في عهد فقيد الوطن الكبير فقد شهد عهد سموه "ثورة" تشريعية واضحة للمتتبع لهذا الجانب؛ إذ لم يقتصر الأمر على إصدار الدستور الدائم للدولة فحسب بل صاحب ذلك مراجعة جميع القوانين الكبرى الأساسية التي صدرت فيما سبق، والتي مضى على صدور بعضها قرابة خمسة وثلاثين عامًا كقانون المواد المدنية والتجارية وقانون عقوبات قطر وقانون الإجراءات الجنائية وقانون الوظائف العامة وقانون العمل وقانون الجنسية وقانون الشركات التجارية وقانون إنشاء الجمعيات. فصدرت قوانين جديدة تنظم هذه المجالات؛ إذ كان بعض هذه التشريعات بحاجة إلى مواكبة التطور والتوافق مع المواثيق الدولية المنظمة لمجالها كقانون العمل، وكان في بعضها الآخر قصور واضح في تنظيم العلاقات والمعاملات، كقانون المواد المدنية والتجارية الصادر في عام 1971 الذي جاء في 475 مادة فقط لينظم الموضوعات المدنية والتجارية معًا في تشريعٍ واحد، فأعيد النظر به، فجاء تنظيم هذين الجانبين في تشريعين كبيرين مستقلين عن بعضهما البعض، الأول هو القانون المدني صدر في عام 2004 واشتمل على 1186 مادة، والثاني هو قانون التجارة صدر في 2006 واحتوى على 845 مادة.
ومن جانب آخر صدر العديد من التشريعات والقوانين التي نظمت موضوعات ومجالات لم تُقَنَّن من قبل كقانون بشأن الوزراء (2004) الذي بيَّن الشروط الواجب توفرها في الوزراء وواجباتهم والأعمال المحظورة عليهم، وقانون النيابة العامة الذي أنشأ النيابة العامة كهيئة مستقلة تتولى تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها أمام المحاكم، وقانون الفصل في المنازعات الإدارية الذي أجاز الطعن في القرارات الإدارية النهائية، والعديد من القوانين كقانون التعليم الإلزامي الذي جعل التعليم مجانيًّا لجميع الأطفال حتى نهاية المرحلة الإعدادية وفَرَض عقابًا على المسؤول عن الطفل الذي يمتنع عن إلحاقه بمرحلة التعليم الإلزامي دون عذر مقبول، وقانون حماية البيئة، وقانون براءة الاختراع وقانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة وقانون حماية المستهلك وغيرها.
ومن الأهمية أن نشير هنا إلى أحد التشريعات المهمة التي صدرت في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وهو قانون الأسرة (2006)، فقبل صدور هذا التشريع لم تكن المنازعات المتعلقة بالأسرة؛ لا سيما منازعات المهر وحقوق الزوجين والنفقات وثبوت نسب المولود والفراق بين الزوجين كالطلاق والخلع والتفريق بحكم القضاء وآثار الطلاق وحضانة الأبناء وغيرها؛ مقننة في تشريع واضح يمكن لأي شخص أن يطلع عليه أو يحيط به علمًا أو يستند إليه في دفاعه أو مخاصمته، بل كان القاضي يرجع للفصل في هذه المنازعات إلى آراء الفقهاء. فكان عدم وجود الأحكام المنظمة للأسرة في تشريع واضح سببًا في قلق المتخاصمين على حقوقهم، مع احتمال تضارب الأحكام في القضية الواحدة تبعًا لاختلاف الاجتهاد الفقهي، لذا حُمد تقنين هذه الأحكام في قانون واحد منشور وفي متناول يد الجميع.
أما بشأن التطور القضائي، فقد شهدت السلطة القضائية في عهد المغفور له الأمير الوالد رحمه الله تعالى عدة خطوات مهمة لتعزيز استقلالها وإبرازها كسلطة مستقلة. كان أهم تلك الخطوات توحيد الجهاز القضائي الذي كان منقسمًا إلى جهتين مستقلتين عن بعضهما البعض، إحداهما تمثِّل القضاء الشرعي وتُمَارَس من خلال المحاكم الشرعية والأخرى تمثِّل مدرسة القانون المدني وتُمَارَس من خلال المحاكم العدلية. وكان بعض جوانب الاختصاص بين الجهتين غير واضحة. وقد كانت المحاكم العدلية في دولة قطر قبل عهد سموه تخضع لإشراف وزير العدل من الناحيتين الإدارية والمالية كما كان الوزير يختص بالنظر في توصيات رئيس المحاكم بشأن المحاكم والقضاة، غير أنه وبصدور قانون السلطة القضائية رقم (10) لسنة 2003، أصبح الإشراف على المحاكم من اختصاص مجلس مستقل هو المجلس الأعلى للقضاء والذي يتألف وفقًا للقانون من رئيس محكمة التمييز وأقدم نواب الرئيس بمحكمة التمييز وأقدم القضاة بمحكمة التمييز ورئيس محكمة الاستئناف وأقدم نواب الرئيس بمحكمة الاستئناف وأقدم القضاة بمحكمة الاستئناف ورئيس المحكمة الابتدائية. وقد نصت المادة (22) من قانون السلطة القضائية على أن يعمل المجلس على تحقيق استقلال القضاء وإبداء الرأي في المسائل المتعلقة بالقضاء وتعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم وندبهم وإعارتهم وإحالتهم إلى التقاعد وفقًا للقانون ودراسة واقتراح التشريعات الخاصة بتطوير الجهاز القضائي.
ومن جانب آخر، عزَّز الدستور الدائم دور السلطة القضائية في مقابل السلطة التنفيذية وذلك بالتأكيد على القضاء الإداري، فمكَّن الشعب من الطعن في القرارات التي تصدر عن السلطة التنفيذية، مما يعزز سيادة القانون في الدولة. وفي خطوة أخرى نحو تعزيز استقلال القضاء أيضًا تم إنشاء النيابة العامة كهيئة مستقلة، فقد كان جهاز الادعاء العام التابع لوزارة الداخلية يتولى جميع إجراءات مباشرة الدعوى الجنائية غير أنه بصدور قانون رقم (10) لسنة 2002 بشأن النيابة العامة تم إلغاء جهاز الادعاء العام وإحلال النيابة العامة محله في جميع اختصاصاته.
تناولنا في هذا المقال باختصار جانبا واحدا من جوانب كثيرة وعديدة مبهرة تميز بها عهد فقيد الوطن الكبير سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. هذا الجانب تعلق بالتطور الدستوري والتشريعي والقضائي في عهده، وهو ما يجعلنا نصف هذا العهد بالتميز.
ففيه وضع أول دستور للدولة يشترك الشعب في إقراره عن طريق الاستفتاء.
وفيه قامت "ثورة" تشريعية هائلة؛ شملت مراجعة جميع القوانين الأساسية الكبرى التي صدرت فيما سبق، والتي مضى على صدور بعضها قرابة خمسة وثلاثين عامًا كقانون المواد المدنية والتجارية وقانون عقوبات قطر وقانون الإجراءات الجنائية وقانون الوظائف العامة وغيرها، فصدرت قوانين جديدة تنظم هذه المجالات. كما تم تقنين مجالات عديدة لم تكن تنظم بتشريع في السابق كقانون الأسرة، وقانون التعليم الإلزامي وقانون حماية البيئة وقانون الفصل في المنازعات الإدارية وغيرها.
وفي عهده وجدنا تطورًا ملحوظًا نحو تعزيز استقلال القضاء، تمثل في نقل الإشراف على المحاكم من وزارة العدل إلى مجلس مستقل يتمثَّل في المجلس الأعلى للقضاء، كما تم توحيد جهتي القضاء الشرعي والعدلي، وتم إنشاء القضاء الإداري، ونقل تحريك الدعوة الجنائية من وزارة الداخلية إلى سلطة مستقلة تتمثَّل في النيابة العامة. جميع هذه الأمور تنعكس بلا شك إيجابًا على تعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء وكفالة الحقوق والحريات العامة، رحم الله فقيد الوطن، وأسكنه الفردوس الأعلى.
بدل صيانة الأثاث
من الدعاوى التي عُرضت على المحاكم القطرية مؤخرًا، دعوى تمثلت وقائعها في أن أحد الموظفين العاملين في مؤسسةٍ... اقرأ المزيد
2358
| 19 ديسمبر 2024
الاستقالة الحكمية وشرط الإنذار المسبق
في إحدى الدعاوى التي فصلت فيها المحاكم القطرية في السنوات الماضية، دعوى تمثلت وقائعها في أن أحد الموظفين... اقرأ المزيد
1800
| 12 ديسمبر 2024
إخطار الموظف بالقرار الإداري عبر رسالة نصية بالجوال
من الدعاوى التي عرضت على المحاكم القطرية في السنوات الماضية، دعوى تمثلت وقائعها في أن أحد الموظفين العاملين... اقرأ المزيد
1332
| 05 ديسمبر 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43509
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7131
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5385
| 13 سبتمبر 2026