رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رصد الحياة والتعليقات والتصرفات في مصر الآن، يكتشف بنك القلق الذي أصبح لكل المصريين أرصدة لا نهائية فيه، وتعلوا الهمسات إلى صراخ... من سرق الحلم؟
قد يبدو السؤال متشائما، ولكنه واقعي، فكل ما يجري لا يكشف عن أن الثورة على طريقها، ولكنه يدرك وببساطة أن محاولات الالتفاف عليها وطمسها تبدو في اللحظة في ذروتها.
وللإنصاف دعونا نعرض لمحددات أساسية قد تعيننا على تفهم ما هو قائم، لعلنا ندرك مسؤوليات الجميع بعد الأشهر الستة الخالدة في تاريخ مصر:
1. أن مصر كانت تموج بحراك ودعوات طوال السنوات الثمانية السابقة على 25 يناير، ولعل البعض من السياسيين اكتشفوا في حينها ضرورة تكوين جبهة وطنية واحدة، وتجلى هذا في انتخابات 2005 النيابية، ويومها كان الفاعل الرئيس هو الشعب الذي لم يحل التزوير والحصار الأمني عن خروجه ليقول للحزب الحاكم حينها "كفى" لقد سئمناكم، وتجلى مشهد لامرأة تصعد على سلم "نقالي" مما يستخدمه العمال، لتدخل من شباك علوي وخلف لجنة التصويت لتدخل إلى داخلها، ولتقول رأيها، مشهد عبر عن إرادة بلغت حدا من النضج والإصرار تجلى فيما تلى هذا من مواقف.
2. ظهرت حركات وجماعات متعددة، "كفاية" و "تيار استقلال القضاء" و "جماعة 6 أبريل" و "الجمعية الوطنية للتغيير" وجماعات عديدة كلها تنادي "بالإصلاح" وترفض التوريث، وكان نداء التغيير يأتي على استحياء، بل كان لفظ "الثورة"، غريبا حتى على التيارات اليسارية.
3. كان وصول الدكتور البرادعي إلى مصر يمثل منعطفا لدلالات الدعوة من جديد قادم، ويجب للإنصاف القول إن الرجل حال وصوله كان يمتلك رؤية مفاجئة للكثيرين، خاصة أولئك الذين وصل بهم الإرهاق الذهني ومعاندة الواقع لتصوراتهم، وتجمد هذه التصورات عند حد "المطالب" دون الدخول إلى منهج عملي لإعمالها، اللهم تلك المظاهرات التي استمرت طوال تلك السنين دون أن تصل إلى منسوب حشود يناير وفبراير 2011، ولكن هذه المظاهرات كانت إعلانا بفشل الأساليب القديمة غير التظاهر سواء كانت كتابات إعلامية أو مؤتمرات موسميه. وكان قول البرادعي:" أنا لست المخلص" ولكن "يمكن أن يتحقق التغيير عندما يخرج الشعب بالملايين إلى الشارع" غير غريب ولكن بساطة القول والوضوح كانا يؤكدان أنها المعادلة الأساسية لمواجهة النظام القائم.
4. كافة التشكيلات التي ظهرت كانت تعلن وبوضوح سقوط التجربة الحزبية المعارضة القائمة، بل وتجاوز الأوضاع للنخبة التي تملأ الأفق جلبة بلا طحن.
5. وسط ذلك كله طرح الأستاذ محمد حسنين هيكل تصورا في أكتوبر 2009 حول مجلس أمناء الدستور، وكان التصور الأسبق والأعمق لعملية التغيير، فهو لم يبحث في مجرد تعديلات دستورية أو إصلاح يطول العملية الانتخابية، ولكن التصور طال رؤية جديدة للدولة المصرية، وكانت تتجاوز أيضا مواجهة التوريث، وكانت ترى المؤسسة العسكرية وقبل ثورة يناير بأربعة عشر شهرا ضامنا لعملية إعادة البناء، بل يومها طالب أن يكون هذا عمل مبارك الأخير لصالح مصر الوطن.
6. وسط ذلك كله كان النظام السياسي بمضمونه الاقتصادي والاجتماعي يضرب بكل ذلك عرض الحائط، وكانت واقعة مقتل خالد سعيد، والتي نقلت أداء الشباب إلى مشهد شمل كل مصر، على شواطئ النيل والبحر والقناة، الكل بلا قيادة ولكنه في اتجاه واحد وبأسلوب سلمي وبشباب في عمر الزهور أحس كل منهم أنه يمكن أن يلقى نفس المصير، وكان عاملا ترتبت عليه الدعوة إلى مظاهرة 25 يناير ضد انفلات الداخلية ومطالبون بإقالة وزير الداخلية وهو ما طوره الشعب بانضمامه إلى ثورة شعبية فاجأت الجميع.
7. غير ذلك كله كان الوضع الاقتصادي في مصر يؤول إلى حالة من الإفقار مست رغيف الخبز، وصارت قضية مصر في بداية القرن الواحد والعشرين توفير رغيف خبز صالح للاستخدام الآدمي، وشهدت مصر فارقا رهيبا بين الأسعار والدخول فضلا عن تباين رهيب بين مستويات الدخول، وكانت وقائع القرصنة على شركات القطاع العام والتي تمت تحت اسم الخصخصة تفوق الخيال، وتدنى التعليم الذي أنتج كل المصريين الذين كانوا لحظتها يحكمون مصر إلى أدنى مستوياته، وصار التعليم منتجا لعناصر لا ترقى إلى مستوى الاحتياج الوطني والتنمية. هذه الفوارق الاقتصادية والتعليمية فككت الوجود الاجتماعي في مصر، بل وأدت إلى وأد الطبقات الرئيسة في مصر من عمال وفلاحين.
تلك المحددات تبين البيئة التي جرت في إطارها وقائع ثورة يناير. وهي ذاتها التي جعلت استقبال الحدث ونموه من مظاهرة غضب إلى ثورة شعب متباينا، وصارت المرحلة الانتقالية مرحلة بلورة التباين وتحويله إلى عائق لإنجاز أهداف الثورة.
كانت القوة الرئيسة في الثورة قوة شعبية تتسم بالسيولة والفطرة والوطنية المجردة، بلا تنظيم يقودها والبيئة المحيطة تتسم بالتهالك، الكتلة الشعبية تعلم ماذا تريد أن تهدم، ولا تملك رؤية واضحة لما تريد أن تبني، غير شعار خرج من الجماهير يقول "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وإن عبر عن رغبة شعبية ورؤية إجمالية، إلا أنه لم ينتج قيادة تسعى إلى تطبيقه وترجمته إلى مهام.
لم تنتج ثورة يناير قيادة تتولى السلطة ولكنها أوكلت ضمنيا إلى المجلس العسكري إدارة دفة الحكم، ولكنه أيضا كان في رؤيته مختلفا مع رؤية النداء الشعبي بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية. ومن غير العدل أن يتحول الآن المجلس العسكري إلى أحد نقيضين، إما أنه متهم بالانقلاب على الثورة، أو أن ذاته مصونة لا تمس! ليس من حق المجلس العسكري أن يئد الثورة ويمنع أحدا من مناقشته، التناقض في رؤية المجلس العسكري من قبل الشعب من ناحية وأدائه السياسي الذي لا يتحرك فيه عن رؤية الثورة ولكن عن رؤية لمستشاريه أو آخر ما وصل إلية النظام السابق أن الأمر قضاء على التوريث وتعديل للدستور ومن ثم استمرار لواقع النظام بمكونه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي مع إطلاق القوى الممنوعة من الممارسة، كالإخوان والتيارات الدينية، وهو الإطلاق الذي جلب النصف الخفي من النظام المنهار إلى العلن على حساب الثورة والمجتمع المصري وبدعم كامل من الأموال والقبول الأمريكي والسعودي، وهما الجهتان اللتان وجدتا الساحة أمامهما مفتوحة بعد مفاجأة وقائع الأيام الثمانية عشر الأولى للثورة والإطاحة بالرئيس المخلوع.
ويأخذ كثيرون أن ما وصلت إليه الأمور يعود إلى أن المتظاهرين تركوا الميادين يوم 12 فبراير وعادوا إلى منازلهم، ولكننا عرضنا من قبل أن الثورة تعرضت للعديد من موجات الالتفاف والمناورة والفتن المتنوعة، وهو ما كان جديدا على الشعب وكانت الفترة حتى 8 يوليو فترة مقاومة باسلة من الشعب الذي تحمل مسؤولية الأمن والوعي والوحدة الوطنية وحتى انحراف النخبة وفتنة الاستفتاء التي جلبت معها غير الانقسام، شرعية أن ينقلب المجلس العسكري على الاستفتاء ويوظفه فيما يشاء وفي أي اتجاه يرى، وتبعه من شاء من قوى، وظلت المقاومة تؤتي نتائجها حتى مثل الرئيس المخلوع في واحدة من القضايا بقفص الاتهام أمام محكمة تحاكمه في شأن قتل المتظاهرين، وهو أمر يختزل كل الجرائم السياسية والأمنية والاقتصادية في وقائع محدده تتم فيها المحاكمة بناء على عريضة اتهام ناقصة ولا تدعم وقائع ما جرى حتى أنها أسقطت بعض عمليات القتل للمتظاهرين من دعواها.
ولكن دعونا هنا نأخذ بسبب مضاف دون تجاوز هذه الرؤية، وهو انقسام الشباب الذي توحد يوم وقفة الدعاء والتأبين لخالد سعيد على ضفاف الشواطئ المصرية رمز الخلود والنماء، انقسامه إلى تجمعات متعددة بلا رابط بينها، وجل ما تعمل عليه، الكلام والاحتشاد دون أن تبني قواعدها التنظيمية والشعبية.
الكل يدرك ما يفعل وبلا استثناء. عدا قوى الشباب والشعب معها. الأمر الذي جعل الانقلاب على الثورة يجري تحت مباركة من شعب تم خداعه بمقولات تشوه الثورة والثوار وتمنح بلا أي مبرر الشرعية للمجلس العسكري ووزارته المنقلبة على الثورة، الحق في مواجهة الثورة بالقوة المسلحة والتي لم تطلق الرصاص بعد.
الثورة في تاريخ الشعوب ليست لحظات عابرة تمضي دون أثر لها، ولكنها حين لا تكتمل أهدافها تفتح الباب على مصراعيه للاستفادة من دروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، والاستهانة بهذا سيفتح الباب إلى ثورة أكثر دموية رغم طبيعة الشعب الذي يرفض الدم ولكنه يرى الدماء والقتل يقتحم حياته كل لحظة بل وعلى يد المسؤولين عن حمايته، فبدلا من أن يكون الاستشهاد كسرا لحاجز الخوف، يصبح القتل وسيلة لتحقيق الإرادة.
وتكاد الصورة السوداء تكتمل أركانها بمشاهد جرت الأسبوع الماضي:
المشهد الأول جرت وقائعه عند زيارة رئيس الوزراء إلى مدينة العاشر من رمضان الصناعية، حيث حاول أحد سائقي الأجرة مقابلة الوزير فصفعه رجل الأعمال محمد فريد خميس على وجهه، وسبه، وقرر الرجل الإضراب عن الطعام، ولم ينبس رئيس الوزراء ببنت شفة عن الواقعة. وكانت زيارته السابقة للسويس قد شهدت مظاهرات ضد رئيس الوزراء وتهجما على موكبه، مشهد من الشعب الصامت والمنتظر يوضح مكانة الوزارة عنده.
والمشهد الثاني تمثل في استدعاء للناشطة السياسية أسماء محفوظ أمام النيابة العسكرية لإهانتها للمجلس العسكري والإفراج عنها بكفالة 20 ألف جنيه، أي أنها تنتظر المحاكمة، والموقف يحمل عنصرين، الأول الاستدعاء لناشطة سياسية أمام النيابة العسكرية وهو أمر يجوز حال أن تكون هذه الناشطة من العسكريين أو تكون هناك أحكام عرفية ولا نعلم عنها شيئا، بينما الجميع ينادي بوقف المحاكمات العسكرية، والأمر الثاني أن اللواء الرويني مازال دون التحقيق فيما ادعاه على حركتي كفاية و6 أبريل بتلقي أموال خارجية وأن هناك علاقات تربطهم بالخارج.
المشهد الثالث يقرع أجراس الإنذار بشأن المستقبل وليس الحاضر فقط، فقد أعلنت التيارات الدينية تهديدا بتوعد المجلس العسكري والحكومة بالنزول إلى الشارع ضد أي إعلان دستوري يتضمن مبادئ دستورية، وهو الإعلان الذي رأى البعض أنه حل لمشكلة أيهما يسبق الآخر، الدستور أم الانتخابات، ولكن هناك من يتأبط بمصر شرا ويراه البعض أنه صدمة الضوء للتيارات الدينية بعد زمن حياة الظلام وبديلا عن الانقلاب على نظام استبد بالشعب هاهم يخرجون ليفرضوا وصايتهم على الشعب وهو الأمر الذي مكنهم منه المجلس العسكري تحت ادعاء الحياد وعدم الانحياز، فصار الآن محاصرا بهم بعد أن استخدمهم في حصار الثورة.
ذلك كله يعود بنا إلى البيئة التي تمت فيها وقائع ثورة يناير الشعبية، خاصة أن اقتراح الأستاذ هيكل أعقبه بتفسير الحياة السياسية المصرية أنها كحوض للسباحة بلا ماء، وأن القفز فيه للسباحة قاتل، وليس من سبيل غير أن تكون الفترة الانتقالية سبيلا لإعادة الحيوية إلى الحياة السياسية، وهو ما تجاوز عنه الجميع، ويدعون الشعب للقفز إلى ذات الحوض بلا مياه، دعوة للقتل استجابة لإرادة غير إرادة الشعب.
الاستهانة بدروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، وقد تكون ثورة أكثر دموية. فهل نستطيع تجاوز الأزمة بأفعال وليس نوايا؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1446
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
756
| 23 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها نموذج سابق. لكن ماذا يحدث عندما يعيش الإنسان في زمن يرى فيه آلاف النماذج قبل أن يمنح فكرته فرصة لتولد؟ قد يبدو السؤال غريبًا، فالمعرفة كانت دائمًا طريقًا للتقدم، والتعلم من الآخرين هو أحد أسرار تطور الحضارات. لكن ما تغيّر في عصرنا ليس المعرفة، بل حجم ما نتعرض له من أفكار جاهزة كل يوم. لم يعد الإنسان يبحث عن فكرة، بل أصبحت الأفكار تبحث عنه أينما ذهب. وهنا يراودني سؤال لا يفارقني: هل يمكن أن يصبح فيض الإلهام نفسه عائقًا أمام الإبداع؟ كلما أصبحنا نرى آلاف الأفكار كل يوم، أصبح من الصعب أن نسمع فكرتنا نحن. الفكرة الجديدة لا تولد مكتملة، بل تبدأ هادئة، مترددة، وتحتاج إلى وقت حتى تنضج. لكنها اليوم تدخل في مقارنة غير عادلة منذ لحظتها الأولى، فتقيس نفسها بأعمال مكتملة استغرقت سنوات حتى وصلت إلى صورتها النهائية، فتتراجع قبل أن تمنح نفسها فرصة للحياة. أتساءل أحيانًا: لو أن بناة الأهرامات كانوا يستيقظون كل صباح أمام آلاف النماذج المعمارية الجاهزة، هل كانوا سيملكون الجرأة نفسها ليبتكروا ما لم يكن موجودًا؟ ليس المقصود إعادة قراءة التاريخ، بل إعادة قراءة حاضرنا. فكم فكرة لم تولد، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها خافت أن تكون أقل من أفكار الآخرين؟ ربما لم يبنِ الإنسان أعظم منجزاته لأنه رأى كل ما بناه الآخرون، بل لأنه وقف أمام مساحة لم يملأها أحد قبله، فقرر أن يملأها بفكرته. الإبداع لا يبدأ بما نراه... بل بما لا نجده. لا أدعو إلى أن نغلق نوافذنا على العالم، فالحضارات لم تتقدم يومًا في عزلة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يكون إبداع الآخرين مصدر إلهام، وبين أن يصبح المعيار الذي نحاكم به أفكارنا قبل أن تولد. وربما يكون التحدي الحقيقي في عصر المعرفة ليس أن نصل إلى مزيد من الأفكار، بل أن نحافظ، وسط هذا الضجيج، على شجاعة أن نفكر بأصواتنا نحن.
654
| 23 يوليو 2026