رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رصد الحياة والتعليقات والتصرفات في مصر الآن، يكتشف بنك القلق الذي أصبح لكل المصريين أرصدة لا نهائية فيه، وتعلوا الهمسات إلى صراخ... من سرق الحلم؟
قد يبدو السؤال متشائما، ولكنه واقعي، فكل ما يجري لا يكشف عن أن الثورة على طريقها، ولكنه يدرك وببساطة أن محاولات الالتفاف عليها وطمسها تبدو في اللحظة في ذروتها.
وللإنصاف دعونا نعرض لمحددات أساسية قد تعيننا على تفهم ما هو قائم، لعلنا ندرك مسؤوليات الجميع بعد الأشهر الستة الخالدة في تاريخ مصر:
1. أن مصر كانت تموج بحراك ودعوات طوال السنوات الثمانية السابقة على 25 يناير، ولعل البعض من السياسيين اكتشفوا في حينها ضرورة تكوين جبهة وطنية واحدة، وتجلى هذا في انتخابات 2005 النيابية، ويومها كان الفاعل الرئيس هو الشعب الذي لم يحل التزوير والحصار الأمني عن خروجه ليقول للحزب الحاكم حينها "كفى" لقد سئمناكم، وتجلى مشهد لامرأة تصعد على سلم "نقالي" مما يستخدمه العمال، لتدخل من شباك علوي وخلف لجنة التصويت لتدخل إلى داخلها، ولتقول رأيها، مشهد عبر عن إرادة بلغت حدا من النضج والإصرار تجلى فيما تلى هذا من مواقف.
2. ظهرت حركات وجماعات متعددة، "كفاية" و "تيار استقلال القضاء" و "جماعة 6 أبريل" و "الجمعية الوطنية للتغيير" وجماعات عديدة كلها تنادي "بالإصلاح" وترفض التوريث، وكان نداء التغيير يأتي على استحياء، بل كان لفظ "الثورة"، غريبا حتى على التيارات اليسارية.
3. كان وصول الدكتور البرادعي إلى مصر يمثل منعطفا لدلالات الدعوة من جديد قادم، ويجب للإنصاف القول إن الرجل حال وصوله كان يمتلك رؤية مفاجئة للكثيرين، خاصة أولئك الذين وصل بهم الإرهاق الذهني ومعاندة الواقع لتصوراتهم، وتجمد هذه التصورات عند حد "المطالب" دون الدخول إلى منهج عملي لإعمالها، اللهم تلك المظاهرات التي استمرت طوال تلك السنين دون أن تصل إلى منسوب حشود يناير وفبراير 2011، ولكن هذه المظاهرات كانت إعلانا بفشل الأساليب القديمة غير التظاهر سواء كانت كتابات إعلامية أو مؤتمرات موسميه. وكان قول البرادعي:" أنا لست المخلص" ولكن "يمكن أن يتحقق التغيير عندما يخرج الشعب بالملايين إلى الشارع" غير غريب ولكن بساطة القول والوضوح كانا يؤكدان أنها المعادلة الأساسية لمواجهة النظام القائم.
4. كافة التشكيلات التي ظهرت كانت تعلن وبوضوح سقوط التجربة الحزبية المعارضة القائمة، بل وتجاوز الأوضاع للنخبة التي تملأ الأفق جلبة بلا طحن.
5. وسط ذلك كله طرح الأستاذ محمد حسنين هيكل تصورا في أكتوبر 2009 حول مجلس أمناء الدستور، وكان التصور الأسبق والأعمق لعملية التغيير، فهو لم يبحث في مجرد تعديلات دستورية أو إصلاح يطول العملية الانتخابية، ولكن التصور طال رؤية جديدة للدولة المصرية، وكانت تتجاوز أيضا مواجهة التوريث، وكانت ترى المؤسسة العسكرية وقبل ثورة يناير بأربعة عشر شهرا ضامنا لعملية إعادة البناء، بل يومها طالب أن يكون هذا عمل مبارك الأخير لصالح مصر الوطن.
6. وسط ذلك كله كان النظام السياسي بمضمونه الاقتصادي والاجتماعي يضرب بكل ذلك عرض الحائط، وكانت واقعة مقتل خالد سعيد، والتي نقلت أداء الشباب إلى مشهد شمل كل مصر، على شواطئ النيل والبحر والقناة، الكل بلا قيادة ولكنه في اتجاه واحد وبأسلوب سلمي وبشباب في عمر الزهور أحس كل منهم أنه يمكن أن يلقى نفس المصير، وكان عاملا ترتبت عليه الدعوة إلى مظاهرة 25 يناير ضد انفلات الداخلية ومطالبون بإقالة وزير الداخلية وهو ما طوره الشعب بانضمامه إلى ثورة شعبية فاجأت الجميع.
7. غير ذلك كله كان الوضع الاقتصادي في مصر يؤول إلى حالة من الإفقار مست رغيف الخبز، وصارت قضية مصر في بداية القرن الواحد والعشرين توفير رغيف خبز صالح للاستخدام الآدمي، وشهدت مصر فارقا رهيبا بين الأسعار والدخول فضلا عن تباين رهيب بين مستويات الدخول، وكانت وقائع القرصنة على شركات القطاع العام والتي تمت تحت اسم الخصخصة تفوق الخيال، وتدنى التعليم الذي أنتج كل المصريين الذين كانوا لحظتها يحكمون مصر إلى أدنى مستوياته، وصار التعليم منتجا لعناصر لا ترقى إلى مستوى الاحتياج الوطني والتنمية. هذه الفوارق الاقتصادية والتعليمية فككت الوجود الاجتماعي في مصر، بل وأدت إلى وأد الطبقات الرئيسة في مصر من عمال وفلاحين.
تلك المحددات تبين البيئة التي جرت في إطارها وقائع ثورة يناير. وهي ذاتها التي جعلت استقبال الحدث ونموه من مظاهرة غضب إلى ثورة شعب متباينا، وصارت المرحلة الانتقالية مرحلة بلورة التباين وتحويله إلى عائق لإنجاز أهداف الثورة.
كانت القوة الرئيسة في الثورة قوة شعبية تتسم بالسيولة والفطرة والوطنية المجردة، بلا تنظيم يقودها والبيئة المحيطة تتسم بالتهالك، الكتلة الشعبية تعلم ماذا تريد أن تهدم، ولا تملك رؤية واضحة لما تريد أن تبني، غير شعار خرج من الجماهير يقول "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وإن عبر عن رغبة شعبية ورؤية إجمالية، إلا أنه لم ينتج قيادة تسعى إلى تطبيقه وترجمته إلى مهام.
لم تنتج ثورة يناير قيادة تتولى السلطة ولكنها أوكلت ضمنيا إلى المجلس العسكري إدارة دفة الحكم، ولكنه أيضا كان في رؤيته مختلفا مع رؤية النداء الشعبي بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية. ومن غير العدل أن يتحول الآن المجلس العسكري إلى أحد نقيضين، إما أنه متهم بالانقلاب على الثورة، أو أن ذاته مصونة لا تمس! ليس من حق المجلس العسكري أن يئد الثورة ويمنع أحدا من مناقشته، التناقض في رؤية المجلس العسكري من قبل الشعب من ناحية وأدائه السياسي الذي لا يتحرك فيه عن رؤية الثورة ولكن عن رؤية لمستشاريه أو آخر ما وصل إلية النظام السابق أن الأمر قضاء على التوريث وتعديل للدستور ومن ثم استمرار لواقع النظام بمكونه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي مع إطلاق القوى الممنوعة من الممارسة، كالإخوان والتيارات الدينية، وهو الإطلاق الذي جلب النصف الخفي من النظام المنهار إلى العلن على حساب الثورة والمجتمع المصري وبدعم كامل من الأموال والقبول الأمريكي والسعودي، وهما الجهتان اللتان وجدتا الساحة أمامهما مفتوحة بعد مفاجأة وقائع الأيام الثمانية عشر الأولى للثورة والإطاحة بالرئيس المخلوع.
ويأخذ كثيرون أن ما وصلت إليه الأمور يعود إلى أن المتظاهرين تركوا الميادين يوم 12 فبراير وعادوا إلى منازلهم، ولكننا عرضنا من قبل أن الثورة تعرضت للعديد من موجات الالتفاف والمناورة والفتن المتنوعة، وهو ما كان جديدا على الشعب وكانت الفترة حتى 8 يوليو فترة مقاومة باسلة من الشعب الذي تحمل مسؤولية الأمن والوعي والوحدة الوطنية وحتى انحراف النخبة وفتنة الاستفتاء التي جلبت معها غير الانقسام، شرعية أن ينقلب المجلس العسكري على الاستفتاء ويوظفه فيما يشاء وفي أي اتجاه يرى، وتبعه من شاء من قوى، وظلت المقاومة تؤتي نتائجها حتى مثل الرئيس المخلوع في واحدة من القضايا بقفص الاتهام أمام محكمة تحاكمه في شأن قتل المتظاهرين، وهو أمر يختزل كل الجرائم السياسية والأمنية والاقتصادية في وقائع محدده تتم فيها المحاكمة بناء على عريضة اتهام ناقصة ولا تدعم وقائع ما جرى حتى أنها أسقطت بعض عمليات القتل للمتظاهرين من دعواها.
ولكن دعونا هنا نأخذ بسبب مضاف دون تجاوز هذه الرؤية، وهو انقسام الشباب الذي توحد يوم وقفة الدعاء والتأبين لخالد سعيد على ضفاف الشواطئ المصرية رمز الخلود والنماء، انقسامه إلى تجمعات متعددة بلا رابط بينها، وجل ما تعمل عليه، الكلام والاحتشاد دون أن تبني قواعدها التنظيمية والشعبية.
الكل يدرك ما يفعل وبلا استثناء. عدا قوى الشباب والشعب معها. الأمر الذي جعل الانقلاب على الثورة يجري تحت مباركة من شعب تم خداعه بمقولات تشوه الثورة والثوار وتمنح بلا أي مبرر الشرعية للمجلس العسكري ووزارته المنقلبة على الثورة، الحق في مواجهة الثورة بالقوة المسلحة والتي لم تطلق الرصاص بعد.
الثورة في تاريخ الشعوب ليست لحظات عابرة تمضي دون أثر لها، ولكنها حين لا تكتمل أهدافها تفتح الباب على مصراعيه للاستفادة من دروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، والاستهانة بهذا سيفتح الباب إلى ثورة أكثر دموية رغم طبيعة الشعب الذي يرفض الدم ولكنه يرى الدماء والقتل يقتحم حياته كل لحظة بل وعلى يد المسؤولين عن حمايته، فبدلا من أن يكون الاستشهاد كسرا لحاجز الخوف، يصبح القتل وسيلة لتحقيق الإرادة.
وتكاد الصورة السوداء تكتمل أركانها بمشاهد جرت الأسبوع الماضي:
المشهد الأول جرت وقائعه عند زيارة رئيس الوزراء إلى مدينة العاشر من رمضان الصناعية، حيث حاول أحد سائقي الأجرة مقابلة الوزير فصفعه رجل الأعمال محمد فريد خميس على وجهه، وسبه، وقرر الرجل الإضراب عن الطعام، ولم ينبس رئيس الوزراء ببنت شفة عن الواقعة. وكانت زيارته السابقة للسويس قد شهدت مظاهرات ضد رئيس الوزراء وتهجما على موكبه، مشهد من الشعب الصامت والمنتظر يوضح مكانة الوزارة عنده.
والمشهد الثاني تمثل في استدعاء للناشطة السياسية أسماء محفوظ أمام النيابة العسكرية لإهانتها للمجلس العسكري والإفراج عنها بكفالة 20 ألف جنيه، أي أنها تنتظر المحاكمة، والموقف يحمل عنصرين، الأول الاستدعاء لناشطة سياسية أمام النيابة العسكرية وهو أمر يجوز حال أن تكون هذه الناشطة من العسكريين أو تكون هناك أحكام عرفية ولا نعلم عنها شيئا، بينما الجميع ينادي بوقف المحاكمات العسكرية، والأمر الثاني أن اللواء الرويني مازال دون التحقيق فيما ادعاه على حركتي كفاية و6 أبريل بتلقي أموال خارجية وأن هناك علاقات تربطهم بالخارج.
المشهد الثالث يقرع أجراس الإنذار بشأن المستقبل وليس الحاضر فقط، فقد أعلنت التيارات الدينية تهديدا بتوعد المجلس العسكري والحكومة بالنزول إلى الشارع ضد أي إعلان دستوري يتضمن مبادئ دستورية، وهو الإعلان الذي رأى البعض أنه حل لمشكلة أيهما يسبق الآخر، الدستور أم الانتخابات، ولكن هناك من يتأبط بمصر شرا ويراه البعض أنه صدمة الضوء للتيارات الدينية بعد زمن حياة الظلام وبديلا عن الانقلاب على نظام استبد بالشعب هاهم يخرجون ليفرضوا وصايتهم على الشعب وهو الأمر الذي مكنهم منه المجلس العسكري تحت ادعاء الحياد وعدم الانحياز، فصار الآن محاصرا بهم بعد أن استخدمهم في حصار الثورة.
ذلك كله يعود بنا إلى البيئة التي تمت فيها وقائع ثورة يناير الشعبية، خاصة أن اقتراح الأستاذ هيكل أعقبه بتفسير الحياة السياسية المصرية أنها كحوض للسباحة بلا ماء، وأن القفز فيه للسباحة قاتل، وليس من سبيل غير أن تكون الفترة الانتقالية سبيلا لإعادة الحيوية إلى الحياة السياسية، وهو ما تجاوز عنه الجميع، ويدعون الشعب للقفز إلى ذات الحوض بلا مياه، دعوة للقتل استجابة لإرادة غير إرادة الشعب.
الاستهانة بدروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، وقد تكون ثورة أكثر دموية. فهل نستطيع تجاوز الأزمة بأفعال وليس نوايا؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3045
| 24 سبتمبر 2026