رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعض رموز خط المقاومة من دول وأحزاب وأشخاص الذين لم يغيروا رأيهم ومواقفهم من النظام السوري حتى الآن والذين لا يزالون يصرون على دعمه رغم تصادمه مع شعبه لأكثر من سنة ونصف ورغم الفظائع اللا إنسانية واللا أخلاقية واللا وطنية التي يرتكبها ضدهم ورغم افتضاح كل الأكاذيب التي يحاول التغطي بها.. هؤلاء وبالقطع واليقين لا بالتخمين والتحليل لا ينطلقون من حب المقاومة ولا من دعمها وإنما من شيء آخر علينا أن نعترف به وأن نبحث عنه.. إنه الطائفية البغيضة في أقبح صورها أو النفعية المصلحية في أضيق معانيها..
ولا يمكن أن يكونوا أكثر قومية ومقاومية من رئيس الوزراء السوري ومئات الضباط والألوية والعمداء وآلاف الجنود المنشقين وملايين السوريين الثائرين.. لذا فمن لا يزال يدعم هذا النظام حتى الآن ممن يتوهمون أنفسهم يدعمون المقاومة إنما هم بذلك إنما يجرمون في حق المقاومة ويفرقون الناس عنها بهذا الانحياز الأعمى والأصم والأبله وهو أمر يؤسف له ؛ يؤسف له أولا: لما سيعود عليهم بمثل ما عاد على " ميشيل سماحة " الذي ورطه النظام السوري في خيانة بلده بما حرق رصيده السياسي والوطني وبما أخجل أولاده وأهله ؛ وثانيا: لما سيعود على المقاومة ذاتها من إدانة وما سيعطي خصومها من حجة ولسان يهاجمون به طهوريتها وكماليتها.. وما نشاط البعض " أيتام شارون " في لبنان ضد سلاح المقاومة إلا نبذة عما يمكن أن تؤول إليه الأمور..
وإذا خرجنا عن ميزان المبادئ لنحاور بعض من تحكمهم المصالح من داعمي المقاومة.. فنسألهم: هل ظل من المراهنة على بقاء هذا النظام شيء؟ وهل الأمل في أعلى حدوده يتجاوز إطالة أمد الأزمة لأيام أو لشهور؟ ثم هل يستحق هذا الرهان أن تفرطوا بالرأي العام الذي طالما استندتم إليه واستنصرتم به؟ وهل تستحق الأيام أو الشهور – إن بقي منها شيء - أن تستنزفوا لها رصيدكم الوطني والثوري الذي كسبتموه بدماء زكية بذلتموها ودفعتم بها في المعركة؟
وإلى هؤلاء أقول: إن قضية الشعب السوري اليوم - في منظورها الاستراتيجي والتاريخي - هي قضية ككل قضايا التحرر ؛ أخلاقية ووطنية وثورية ومطلبية من الدرجة الأولى.. يجب رصدها والتعامل معها في هذا الإطار، وعلى كل الذين دعموا المقاومة ضد العدو الصهيوني في يوم من الأيام أن يدعموا أهداف هذه الثورة وأن يدللوا بالمواقف العملية والمعلنة على أنهم مع الحرية كمبدأ ومع المقاومة كقيمة عليا، وأنهم عندما يرفضون الاحتلال الصهيوني فإنهم لا يرفضونه عن عنصرية قومية أو دينية أو مذهبية ولا من منطلق مصلحي نفعي ضيق، وأن مواقفهم الوطنية والقومية لا تتجزأ ولا تتجير.. بالتالي فإن عليهم أن يتخلوا عن هذا النظام الفاجر وعن رئيسه الطائفي الأحمق القاتل.. وإلا فهم بدعمهم له ورغم كل ما يفعل إنما يشخصنون المقاومة ويحصرونها في مجموعة ذوات منحرفة.. وهذا غاية الظلم للمقاومة بقدر ما هو غاية الإضرار بها كقيمة وكمفهوم..
عندما يشخصن هؤلاء المقاومة في ذات رئيس – بشار - فاعل لكل أنواع الموبقات، وعندما يشخصنونها في حزب – البعث - فئوي انطوائي استئصالي متهرئ فاسد مستبد ومعلن الكفر البواح.. هذه الشخصنات أليست تجعل المقاومة مكشوفة تحت ما يجب أن تكون محصنة منه؟ أليست تنفي عنها صفات الوطنية والقومية والعمومية والطهورية والعدالة؟ أليست تضربها في مصداقية اتجاهها نحو التغيير؟ وإذا كان تحرير الأوطان وحماية المقاومة هو غايتهم وهو مطلبهم وهو هجرتهم الحقيقية، ولم تكن نوازع الطائفية والمصالح المادية الضيقة ومقاصد الاسترزاق المجرد هو دافعهم ؛ فلماذا لم يفهموا - حتى الآن - أن من حق الشعب السوري أن يمارس حريته وحياته كما يشاء؟ ولماذا لم يفهموا حتى الآن أن بشار وحزبه ونظامه لم يخلقوا ليكونوا آلهة تعبد من دون الله؟ وأن الوطنية إن لم تقم على رصيد من الأخلاق العملية فإنها لا تشترى بالخطب الكلامية في مؤتمرات القمة ولا بادعاء العروبية والقومية والبعثية.. ولا حتى بدعم المقاومة على سبيل المقايضة والمعاوضة؟
ولماذا لا يأخذون خط حركة حماس التي لا يستطيع أحد أن يتهم حرصها على المقاومة؟ ها هي وهي المدينة للنظام السوري بحمايتها لإحدى عشرة سنة.. ها هي عندما وجدته يرفض وساطتها مع المعارضة ويمعن في الدماء والقتل ويرتكب الموبقات وينحاز للطائفية السوداء.. ها هي تتخلى عنه وتحتفظ بمسافة واضحة منه لا ينكرها إلا أعمى أو مغر..
حماس عندما تتخلى عن نظام قاتل يرفضه شعبه ؛ هي لا تتخلى عن نصير ولا عن رفيق سلاح، ولا هي تبصق في الصحن الذي أكلت منه.. فقد وقفت مع كل الحركات والأحزاب ضد الأعداء.. وإنما - وهو ما ينبغي أن يعرفه وأن يتنبه إلى الفرق فيه كل أنصارها – لأن المبدأ عندها هو المبدأ، ولأنها تعدل في الرضى والغضب، ولأنها تتعالى على حاجاتها وتنحاز لمطالب الشعوب العادلة والمحقة.. فالعدل واحد والحرية واحدة ولا يمكن أن يكون مقاوما من يرضى بقتل شعب كل جريمته أنه يقدس الحرية وأنه يريد أن يكون محترما ومختارا كما كل الشعوب الحية..
البعض ربما يطلب من حماس أن تبرز موقفا أكثر تميزا وأكثر صراحة في مواجهة النظام السوري.. وربما يطلبون ذلك عن حسن نية لما تمثله حماس في وجدان الرأي العام من قوة ولما تمثله مواقفها من معيارية أخلاقية تجاه من تتخذ مواقفها إزاءهم، ولما في صراحة انحيازها ضد النظام السوري من كشف لما تبقى من غطاء أخلاقي يحاول النظام التداري به والتمدد خلفه.. أو أن البعض ربما يحاول بمثل هذا الطلب التناغم مع الغرب وإسرائيل لنيل مكان أو مكانة أو لتصدير رسالة هنا أو هناك.. في كل الأحوال وأيا كان دافع هذا المطلب فإنه غير واقعي ولا هو من الحكمة في شيء ؛ ولا داعي له فلم يعد أحد مخدوعا بدعاوى الوطنية والقومية التي يرددها النظام السوري وأزلامه الذين ليس يهمهم موقف حماس منه ولا أن تقبل عليه أو أن تدبر عنه.. ثم إن حماس علمتها الأحداث والمواقف وأخطاء الآخرين أن لا تغرق في الفتن الداخلية للنظم والشعوب.. وأن ذلك أدى ويؤدي لإضرار بالغ بحق الفلسطينيين.. هذا الفهم هو الذي ميز حماس ومواقفها وهو الذي وفر لها قاعدة تقبل أوسع مما يتوفر لكل الأحزاب والحركات والمنظمات الفلسطينية على الإطلاق..
لقد صار واضحا أن ما يجمع النظام السوري ومؤيديه اليوم ليس دعم المقاومة ولا هي نوازع الوطنية ولا الحفاظ على جبهة الصمود وإلا فما وجود النظام العراقي الحالي - صنيعة الاحتلال الأمريكي – حليفا له وفي صفه!! وصار واضحا أن الخيارات لم تعد إما المقاومة أو العمالة، ولكنها الطائفية المذهبية فقط..
آخر القول: الصحيح أن وطنية وقومية ونظافة الشعب السوري هي التي جعلت النظام المعيب بالطائفية والخرب من القيم الإنسانية والخاوي من الأخلاق الفاضلة والغارق في العمالة السوداء يقوم بأدوار وصفت بالوطنية والقومية والثورية.. أما وقد تصادم مع شعبه وعاد لأصل فجوره وخوائه وإلى طبيعته وقباحته فإن على كل مقاوم من حركة أو حزب أو دولة وعلى كل نصير له أن يكونوا أول من يدين هذا النظام وأول من يتبرؤون منه مهما كانت الوشائج التي جمعتهم أو لا تزال تجمعهم به.. فالشعب السوري أبقى من كل النظم التي تحكمه وأنفع لأمته..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026