رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تركز الاهتمام على تطبيق مبادئ الحوكمة في المؤسسات المالية والمصرفية (الإسلامية - التجارية) على حد سواء، وقد شهد العقد الماضي اهتماما متزايدا من قبل الحكومات والمؤسسات الدولية بما يسمى بحوكمة الشركات وأصبحت الحوكمة متداولة بفعالية نتيجة للتطورات السريعة على مستوى أسواق العالم، ذلك بالنظر إلى ازدياد دور شركات القطاع الخاص في الاقتصاد، كونها قضية أخلاقيه، بل عمل أساسي ومهني، خاصة ما يتصل بمنشآت الأعمال في الأسواق المالية المحلية والعالمية التجارية والاقتصادية وحتى الخدمية كنتيجة طبيعية للانفتاح على الأسواق المالية، بما يسمى عولمة التدفقات المالية وتنقل رؤوس الأموال، فضلاً عن تحرير القيود التجارية والخدمية والتقدم التكنولوجي، مما أدى إلى حدوث ضغوط تنافسية متزايدة بصفة خاصة على المصارف والمؤسسات المالية والمنشآت غير المصرفية وحدوث نمو التمويل والائتمان في الأسواق المالية وتنوع الأدوات المالية، مما زاد من أهمية قياس المخاطر وإدارتها والسيطرة عليها، مما يتطلب الابتكار المستمر لطرق إدارة الأعمال والمخاطر والتغيير للقوانين ونظم الإشراف، بما يحافظ على سلامة النظام المصرفي والمالي ككل للدول وتختلف المؤسسات المصرفية، لأن اضطراباتها تؤثر على دائرة أكثر اتساعاً من أفراد المجتمع (مساهم- مستثمر- مالك- مدخر) ويؤدي إلى إضعاف النظام المالي والاقتصادي للدول ذاتها، مما يكون له آثار سيئة على الاقتصاد بأسره وما يلقي بمسؤولية كبيرة جداً، خاصة على أعضاء مجلس إدارة المؤسسات المالية والمصرفية، ونظراً لأنهم لا يقومون بكل شيء بأنفسهم ويجب عليهم تفويض بعض المهام لموظفي الإدارات التنفيذية مما يفرض عليهم متابعة قدرة أولئك الذين ائتمنوهم وعهدوا إليهم بالمسؤولية على العمل ضمن الإطار الحاكم الذي تمكن من خلاله مراجعة الاستخدام السليم والأمن للقرار خصوصاً لوجود ثقافة إسلامية متميزة واهتمام كبير بالمعاملات المالية والعلاقات الاقتصادية التي يمثل ضبطها محل الحوكمة يتضمن القواعد وممارسات السوق التي تحدد كيفية اتخاذ المؤسسات لقراراتها والشفافية التي تحدد ذلك ومدى المساءلة التي يخضع لها مسيروها وموظفوها وتتضمن أيضا موضوعات خاصة بقانون المؤسسات وقوانين القيد ببورصة الأوراق المالية والمعايير المحاسبية التي تطبق في المعلومات المفصح عنها وقوانين مكافحة الفساد وقوانين الإفلاس وعدم الملاءة المالية وهي تتضمن كل أصحاب المصالح والآليات التي يمكن بها حل النزاعات بين مختلف الأطراف، من مؤسسين وأعضاء مجالس وإدارات الشركات المساهمة العامة في معظم دول العالم لمزيد من الحاكمية الإدارية والشفافية المطلوبة لتلك الشركات وهو الهدف من التحليل بتطبيقات مبادئ الحوكمة المصرفية وفق المحاور التالية: -
أولاً: مفهوم الحوكمةفي القطاع المؤسسي المالي والمصرفي
الحوكمة المؤسسية هي الأدوات والإجراءات المنظمة لشبكة العلاقات التي تربط مختلف الأطراف، من مساهمين ومستثمرين وأعضاء مجلس الإدارة وعملاء وموردين، وتتضمن بشكل صريح قواعد حول السلطة والرقابة والمسؤولية في إطار تحديد إستراتيجية التوجه العام لأداء المؤسسة ومنها المصرفية، حيث تتمثل الحوكمة من المنظور المصرفي بالطريقة التي تدار بها شؤون المصارف من خلال الدور المنوط به كل من الإدارة العليا ومجلس الإدارة بما يؤثر في تحديد الأهداف وحماية حقوق المستفيدين من التمويل وحقوق المودعين ويعرفها بنك التسويات الدولية التي تعمل تحت سلطته لجنة بازل للرقابة المصرفية، بأنها الأساليب التي تدار بها من خلال مجلس الإدارة والإدارة العليا والتي تحدد كيفية وضع أهداف المؤسسة المالية والتشغيل وحماية مصالح حملة الأسهم وأصحاب المصالح، مع الالتزام بالعمل وفقاً للقوانين والنظم السائدة، وبما يحقق حماية مصالح المودعين وكل الأطراف.
ثانياً: مبادئ الحوكمة في القطاع المصرفي الإسلامي والتجاري
المصارف الإسلامية تختلف، شكلا ومضمونا، عن التجارية، حيث تعتمد الأولى على مجموعة من المبادئ الأساسية في إطار الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية ولا ينظر باب تطبيق مبدأ الغنم بالغرم فقط أو عدم تمويل المشاريع المحرمة وإنما التزام الأشخاص القائمين على المصرف بمبادئ الشريعة الإسلامية في سلوكياتهم وتصرفاتهم وكذلك من خلال تركيبة العناصر الأساسية للحوكمة، حيث تتضمن المصارف التجارية عناصر تتمثل في المساهمين ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية وكذلك أصحاب المصالح، بينما يزيد في المصارف الإسلامية عنصر هام هو هيئة الفتوى والرقابة الشرعية التي تسهر على مراقبة مدى توافق أعمال المصرف مع أحكام الشريعة الإسلامية، فيكون بذلك نظام الحوكمة في المصارف الإسلامية مختلفا عن نظام الحوكمة في المصارف التجارية، ويمكن القول إن المصارف الإسلامية يواجهها نظام حوكمة ثنائية ترتكز على مبادئ الحوكمة المفروضة من طرف المساهمين والعملاء والهيئات الدولية لتنظيم المصارف ونظام حوكمة إسلامية مفروضة من طرف المساهمين والعملاء، بالإضافة إلى هيئات الرقابة الشرعية، وتتمثل هذه المبادئ في: -
مبدأ التزام المؤسسة في معاملاتها بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.
مبدأ المشاركة في الربح والخسارة والغنم بالغرم والخراج بالضمان.
مبدأ المتاجرة على أساس الملكية الحقيقية المشروعة والمضافة لا الصورية.
مبدأ الفائدة مدين ودائن للمصارف التجارية، كما لا تشترط مشروعية المشاريع الممولة.
ثالثاً: المبادئ الرئيسية التي تقوم عليها حوكمة الشركات
حددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إطارا تفصيليا لكي تستوفي الشركات شروط الحوكمة وقد تم اعتماد تلك المبادئ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثم أدخل عليها بعض التعديلات ويمكن إيجاز أهم مبادئ وركائز الحوكمة التي بموجبها يمكن القضاء، أو على الأقل التقليل، للحد الأدنى من مستوى الحاكمية والضبط في كافة مناحي القطاع المالي والاقتصادي ومنها:
ضمان وجود أساس فاعل لحوكمة الشركات وفق إطار عام للمناخ التشريعي والقوانين في الدولة تحمي حقوق جميع أفراد المجتمع مع تحديد المسؤوليات والواجبات.
توفير الحماية للمساهمين من خلال تأمين أساليب نقل الملكية والمشاركة الفعالة في التغييرات الأساسية بالمنشأة والإفصاح عن الإجراءات المالية بالمنشأة.
العدالة والمعاملة المتكافئة والمتوازنة لجميع أفراد المجتمع والمعاملة المتساوية لكافة المساهمين بمن فيهم الأقلية والمساهمون الأجانب.
الإفصاح والشفافية عن المسؤولين من بيانات ومعلومات في كافة الأمور الأساسية المتعلقة بالمنشأة، بما فيها الوضع المالي والأداء والملكية وإدارة المنشأة، كما ينبغي إعداد ومراجعة المعلومات وكذلك الإفصاح عنها بأسلوب يتفق والمعايير المحاسبية والمالية، بما يؤدي لضمان التوجيه والرقابة الفعالة.
المساءلة والمحاسبة، ما يعني الإفصاح دائماً عن محاسبة المسؤولين بشفافية كاملة.
وجود سياسات واضحة وموثقة لتجنب تعارض المصالح وتوفّر خطة لتتابع السلطة بالإدارات التنفيذية على سياسة تأكيد احترام حقوق أصحاب المصالح والحفاظ عليها لوجود آليات لمشاركة أصحاب المصالح تكفل تحسين مستويات الأداء من خلال الإفصاح السليم للقوائم المالية والختامية والتوضيحية.
تضمين إطار حوكمة المنشآت وضع تخطيط إستراتيجي للشركة والمراقبة الفعالة لأداء الإدارة والتأكيد على مسؤولية مجلس الإدارة تجاه المنشأة والمساهمين، بما يؤدي إلى إدراك المنشآت للمصالح البيئية والاجتماعية للمجتمعات.
رابعاً: معايير ومبادئ الحوكمة من الناحية الشرعية
قدمت الأنظمة والتشريعات مبادئ حوكمة الشركات من أجل تنظيم وترتيب أمورها ويعد حفظ الحقوق من أهداف الحوكمة الأساسية وغيرها من المبادئ الجيدة والدين الإسلامي ونصوصه يدعم كل ما هو وسيلة للخير ويحث عليها بما لا يخالف الشرعية الإسلامية ومبادئها ويجمع المختصون حول حوكمة الشركات أنها تقوم على أربعة أسس رئيسية، هي العدالة وتحديد المسؤولية بدقة والمساءلة والمحاسبة والشفافية في الصدق والأمانة وفق المعايير التالية: -
العدالة تعتبر من المنظور الإسلامي من أهم الأسس التي تقوم عليها العقود الشرعية وذلك ما نجده في آيات عديدة في القرآن الكريم.
المسؤولية تعني تحديد المسؤولية المقررة على كل طرف بدقة والعمل على أدائها بكل صدق وأمانة وإن حددتها الشريعة الإسلامية بشكل دقيق، لأنها مسؤولية يتحملها المسلم بناء على تعاقد مع غيره لا يكون مسؤولا فقط أمام من تعاقد معه، إنما هو مسؤول أولاً أمام الله عز وجل.
المساءلة ضرورة محاسبة كل مسؤول عن التزاماته من خلال نظام داخلي في المنشأة للحوافز وللعقوبات وفق نظام قضائي عادل كما وضعت الشريعة بتنظيمها عقود المعاملات أسسا لمحاسبة كل طرف ما عليه من واجبات وحقوق وقررت الجزاء الشرعي والإداري والقضائي الجزاء الإلهي.
الشفافية بمعنى الصدق والأمانة والدقة والشمول للمعلومات التي تُقدم عن أعمال المنشأة للأطراف الذين لا تمكنهم ظروفهم من الإشراف المباشر على أعمال المنشأة إدارة أموالهم والمحافظة على حقوقهم وتمكينهم من اتخاذ القرارات السليمة في علاقاتهم بالمؤسسة المالية.
خامساً: تطبيقات المصارف المركزية لإرساء مبادئ الحوكمة المصرفية
المصارف المركزية تقوم بدورأساسي في إرساء نظام حوكمة جيد داخل القطاع المصرفي والمالي في تفعيل وإرساء الحوكمة على مستوى المصارف وذلك من خلال إجراءات الرقابة المصرفية ووسائل الوقاية والضبط والسيطرة الداخلية بالقدر الذي يحقق الحماية الكافية لأصول المنشآت المالية والمصرفية وحقوق المودعين ويضمن سلامة مركزها المالي وتدعيم استقرارها المالي والإداري والاقتصادي وذلك من خلال التنظيم الاحترازي والرقابة المصرفية وتأمين نظم الدفع والمدخرات وقد تؤدي هذه الوظيفة من طرف المصارف المركزية وفق تطبيقات مختلفة، حيث نجد تدخلاً مباشراً في إتمام هذه المهمة أو قد يتم استحداث هيئة مستقلة تتكفل بذلك وقد يحدث توزيع هذه المهمة على عدة هيئات مشاركة في المصرف المركزي كما في الولايات المتحدة الأمريكية ولكن مهما تعددت هذه الصور فلابد من تدخل المصارف المركزية بشكل أو بآخر للحفاظ على الاستقرار المالي والمصرفي من خلال اعتماد سياسة فاعلة لإدارة المخاطر، لأن الممارسة السليمة للحوكمة تؤدي إلى دعم وسلامة الجهاز المصرفي وذلك من خلال المعايير التي وضعتها "لجنة بازل" وإصداراتها (1-2-3) للرقابة على البنوك وتنظيم ومراقبة الصناعة المصرفية والتي من أهمها الإعلان عن الأهداف الإستراتيجية للجهاز المصرفي وللبنك تحديد مسؤوليات الإدارة والتأكد من كفاءة أعضاء مجلس الإدارة وإدراكهم الكامل لمفهوم الحوكمة وتفادي وجود أخطاء من قبل الإدارة العليا وبالتالي ضمان فاعلية دور المراقبين وإدراكهم لأهمية دورهم الرقابي، بالإضافة إلى توفر الشفافية والإفصاح لإزالة شفافية الرؤية في كافة أعمال وأنشطة المصارف والإدارة، لذلك نجد أن للمصارف المـركزية سياسة واضحة في الرقابة على الائتمان باستخدام أساليب وأدوات معينة في السيطرة على الاستثمارات والتسهيلات المصرفية التي تقوم بها البنوك وتوجيهها في ظل القوانين المعمـول بها لتحقيق أهداف معينة ويتطلب هذا إيجاد نظم معلومات فعالة، ليتمكن المصرف المركـزي من القيام بهذه المهمة على أكمل وجه لتحقيق أهداف معينة، أهمها تنظيم نشاط الجهاز المصرفي وتوجيهه الوجهة السليمة والمناسبة ورسم السياسة النقدية للدولة لتحقيق الصالح العام وقد أصبحت حاكمية المصارف المركزية في تطبيق المعايير الدولية أكثر أهمية، حيث أصبح من أهدافها المهمة إدارة الدورات الاقتصـادية وتحقيـق مستوى عالٍ من النشـاط الاقتصادي والتوظيف واستقرار المبادلات الدولية وتشجيع النمو الاقتصادي بين دول العالم والأقطار المختلفة.
تطبيقات الاقتصاد الحر في المجتمع الاستهلاكي الخليجي
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); بـمـنـاسـبـة انعقاد أسبوع المستهلك الخليجي الذي أقيم في مملكة البحرين تحت شعار (خليجنا... اقرأ المزيد
3583
| 09 مارس 2016
مؤشرات التصنيف الائتماني للمركز الاقتصادي الخليجي
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تهتم كل دراسة أو تقرير خاص حديث عن تقويم الأوضاع الاقتصادية والمالية الخليجية... اقرأ المزيد
1941
| 24 فبراير 2016
مستقبل الشعـوب يتصدر القمة العالمية للحكومات
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); بدأت أعمال فعاليات القمة العالمية للحكومات في دورتها الرابعة في دبي بالإمارات العربية... اقرأ المزيد
918
| 15 فبراير 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12117
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8778
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3432
| 22 أكتوبر 2026