رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

39

د. أحمد المحمدي

حين يحرس الوعي الزيف!

23 أكتوبر 2026 , 12:00ص

قد يعرف الإنسان عيبه، ثم يجعل معرفته وسيلة لحمايته من التغيير. يشرح أسباب غضبه، ويحلل دوافع أنانيته، ويتحدث ببلاغة عن ضعف البشر؛ لكنه حين يطالب باعتذار أو رد حق، تتحول هذه المعرفة إلى أعذار. وهنا يصبح الوعي حارسا للزيف: يرى صاحبه الخطأ، ثم يستخدم قدرته على الفهم ليقنع نفسه بأن بقاءه معذور.

فالوعي الصادق يبدأ حين نميز بين فهم الخطأ وتسويغه. معرفة الأسباب تساعدنا على الإصلاح، لكنها لا تمحو المسؤولية؛ فمن نشأ في بيئة قاسية قد يفهم سبب قسوته، غير أن هذا الفهم لا يبيح له ظلم أهله. وحسن النية قد يفسر كيف أخطأنا، لكنه لا يجعل الأذى الذي ألحقناه بالناس إحسانا. 

أما الوعي الزائف فيمنح الإنسان لغة ناضجة تخدم سلوكا لم ينضج. يسمي تعاليه اعتزازا بالنفس، وهروبه حفاظا على السلام، وإصراره ثباتا على المبدأ. وقد تكون هذه المعاني صحيحة في مواضعها، لكن الخداع يبدأ حين نستدعيها لحماية ما نحب، ونرفض السؤال عما إذا كانت تنطبق على أفعالنا حقا. وتنكشف هذه الحيلة عندما يأتينا الحق على لسان من نكره، أو يقتضي منا خسارة نخشاها. عندئذ ننشغل بغلظة الناصح، ونفتش في ماضيه، ونذكر حسن مقاصدنا؛ حتى يغيب السؤال الأول: هل أصاب فيما قال؟ وهكذا نجعل خطأ غيرنا ستارا يحجب خطأنا، مع أن إساءته في النصيحة لا تبرئنا مما نصح بشأنه.

قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤– ١٥]. فالإنسان قد يدرك حقيقة موقفه، ولكنه يهرب من الثمن الذي يفرضه الاعتراف: اعتذار يكسر اعتداده، أو حق ينقص ماله، أو توبة تحرمه لذة ألفها. وحين يعز عليه تغيير الفعل، يغير اسمه، ثم يطمئن إلى الاسم الجديد. بل قد تتحول محاسبة النفس نفسها إلى باب للخداع؛ فيكثر المرء من إعلان تقصيره، ويجد في ألم الندم شعورا بالطهارة، ثم يعود إلى ما كان عليه. 

والندم بداية كريمة، لكنه يفقد أثره حين يصبح بديلا عن ترك الذنب وإصلاح ما أفسده. فليست قسوة حديثنا عن أنفسنا دليلا كافيا على صدق مراجعتها.

ويمكن اختبار ذلك بسؤال عملي: ماذا تغير بعد كل هذا الفهم؟ هل اعتذرنا لمن آذيناه، وعدلنا الحكم الذي جار، وأوقفنا التصرف الذي نعرف ضرره؟ فإن بقيت المعرفة تزيد قدرتنا على الشرح وحده، فلعلنا نجمّل القيد بدلا من أن نفكه، ونستريح إلى تفسير العجز حتى ننسى قدرتنا على مقاومته.

ومعيار الصدق أن تقودنا المعرفة إلى فعل نخالف به هوانا: ننصف خصما، ونقبل تنبيها، ونعيد حقا، ونصلح ظلما. ثم نسأل أنفسنا: أي حقيقة أعرفها، وأستهلك ذكائي في تأجيل مقتضاها؟ فقد يكون أشد ما يحجبنا عن الإصلاح عذرا نحسن صياغته، حتى نكاد نصدق أن دفاعنا عن أنفسنا دفاع عن الحق.

مساحة إعلانية