رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هوس الحرب على الإرهاب بدأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م، ومع أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قيل فيها الكثير ومن ذلك أن هذه الأحداث صناعة أمريكية بحتة، إلا أن تعاطف العالم مع قتلى تلك الأحداث كان كبيرا، مما مكن للرئيس الأمريكي آنذاك (بوش الابن) أن يحشد العالم حوله بدعوى محاربة الإرهاب.
ومنذ بداية تلك الحرب أعلن (بوش) أنه سيخوض حربا صليبية، ومعروف عند المسلمين كما هو عند النصارى إيحاءات تلك الحرب التي دعا إليها البابا اربان الثاني للقضاء على الإسلام واسترجاع بيت المقدس من أيدي المسلمين، وهذه الحرب استمرت حوالي مائتي عام وقتل فيها مئات الآلاف من الطرفين، ومع أن (بوش) حاول تعديل سقطته إلا أن أفعاله التي تلت تلك التصريحات أثبتت أنه كان يعني ما يقول.
مجموعة من الأمريكان وغيرهم أكدوا ما قاله (بوش)، ففوكوياما فسّر الحرب على الإرهاب بأنها حرب على العقيدة الإسلامية الأصولية التي ترفض العلمانية، أما برنارد لويس صاحب نظرية تقسيم البلاد العربية فقد قال: إن الحرب على الإرهاب هي في الحقيقة حرب بين الإسلام والغرب، ثم قال: إنها حرب بين الأديان، أما الكاتب الصحفي الأمريكي اليهودي توماس فريدمان فلم يذهب بعيدا ولكنه جعل الحرب في حقيقتها حرب على المدارس الإسلامية ورأى أنه يجب تغيير المناهج لكي يقبل الطلاب المسلمون السياسة الأمريكية بنفس القدر الذي يقبلون فيه الشطائر الأمريكية.
الحرب الأولى انتهت باحتلال أفغانستان والعراق، وهذا الاحتلال خلّف عشرات الآلاف من القتلى وأكثر منهم من الجرحى والمعوقين، كما أنه دمر البلدين اقتصاديا ومعنويا، والأسوأ من هذا أنه تسبب في إحداث تفرقة عنصرية ومذهبية ما كانت موجودة قبل تلك الحرب وما زالت آثارها المدمرة موجودة حتى الآن.
وخرجت أمريكا شكليا من البلدين ولكن نفوذها لا يزال كبيرا فيهما، ويكفي أن نعرف أن سفارة أمريكا في العراق هي أكبر سفارة لها في العالم، ولا أظن أنها ستترك هذين البلدين بعد أن أنفقت مليارات الدولارات وتكبدت خسائر بشرية كبيرة، فلابد لها أن تحقق مكاسب تفوق ما خسرته كثيرا، لاسيَّما ونحن نعرف أنها لم تقم بذلك العمل من أجل سواد عيون العرب أو المستضعفين العرب.
يبدو أن الرئيس (أوباما) يرغب في إكمال ما بدأه سلفه (بوش) فلم يجد مطية مناسبة يمتطيها إلا الإرهاب، وللأسف فإن بعض الحكام امتطوا الإرهاب لكي يرهبوا شعوبهم، فكل معارض مهما كان نوع معارضته فهو في عرفهم إرهابي، وإذا أُطلق عليه ذلك الوصف فهذا يعني أن على الجميع أن يصمتوا وأن يتركوه لمصيره مهما كان ذلك المصير.
وجد (أوباما) في دولة الخلافة المعروفة اختصارا بـ(داعش) فرصته الجيدة، فالكل يرى أن هذه الدولة تمارس الإرهاب وهي تقوم بأفعال شنيعة لا تمت للإسلام بصلة، ولا يمكن لأي محايد الدفاع عنها، وإرهابها ليس ضد النصارى أو الفرق الأخرى ولكنه وبالقدر نفسه ضد المسلمين السنة والسلفيين منهم أيضا، ولذلك قدمت داعش نفسها على طبق من ذهب لأوباما كي ينفذ مخططه على الأرض العربية.
ولكن هناك أسئلة ملحة في سياق هذه الحرب طرحها البعض وهناك أسئلة أخرى سيطرحها آخرون، فالسؤال عن الأسباب الحقيقية عن الدعوة لها وعن جدواها وكذلك عن المستفيد منها ومن الخاسر الأكبر من قيامها، كل تلك الأسئلة وغيرها أمر مطلوب ومشروع، خاصة من العرب، لأنها ستقع فوق أرضهم وهم من سيتحمل آثارها ربما لمئات السنين القادمة، والسؤال الأهم هو: هل داعش من القوة بحيث تستحق حشدا عالميا ضدها؟ حوالي أربعون دولة تقودها أمريكا تتحدى ضد ميليشيات لا يزيد عددهم في أحسن الأحوال على ثلاثين ألفا.
ومع الفارق الهائل بين الحشد الأمريكي وبين داعش فإن الرئيس الأمريكي قال: إن حربه ضد داعش قد تستغرق سنوات، وهذا يعني أن المنطقة العربية ستبقى تعيش صراعا داخليا لعدة سنوات قادمة سينهكها كثيرا وأعتقد أنه سيمزقها داخليا، وإذا كان الأمر كذلك فما هي مصلحة العرب من تلك الحرب؟، ثم ألا يستطيع العرب - أو بعضهم - القضاء على داعش؟ أين الجيوش العربية وأين الأموال الهائلة التي صرفت على تسليحها وثم ما هي فائدتها إذا كانت لا تستطيع حماية دولها من عصابات لا تملك إلا القليل القليل مما تملكه تلك الدول وجيوشها؟، وثم لماذا دائما أمريكا هي المتصدرة في الدفاع عن العرب حتى من ميليشيات لا تشكل أهمية أمام القوة العربية - أو هكذا يجب أن يكون؟!! قصة أن داعش تهدد الأمن الأمريكي قصة يصعب تصديقها، خاصة في ظل ما يقال عن دوافع وأسباب نشأتها وعلاقة أمريكا بكل ذلك شيء آخر لافت للنظر في موضوع داعش وهو تمددها السريع واللافت للنظر في كثير من جوانبه، فالجيش العراقي انهزم سريعا أمام مسلحي داعش في الموصل، تاركا أسلحته غنيمة سهلة لهم، وأيضا انهزم جيش البشمركة مع اشتهاره بالقوة والتدريب الجيدين، والسؤال: ألم تكن أمريكا تراقب ما يحدث في العراق؟ ولماذا سمحت لداعش بالاستيلاء على مساحات كبيرة جدا دون أن تفعل شيئا؟.
أسئلة أخرى أراها تستحق الطرح، منها أن وزراء الاتحاد الأوروبي قرروا في اجتماعهم السابق تسليح الأكراد فقط، فلماذا الاقتصار على الأكراد، وهل هم وحدهم الذين سيقاتلون تنظيم داعش؟! السنة معنيون أيضا بقتال داعش فلماذا لم يسلحوا أيضا؟ أليست هذه رسالة سلبية للسنة في العراق وفي سوريا أيضا؟! أم أن عدم تسليح السنة مقصود لأغراض أخرى؟! أعتقد أن تسليح الأكراد وحدهم قد يسيء لهم أيضا، فمن السهل هنا اتهامهم بالعمالة لأمريكا وتجييش الطوائف العراقية الأخرى ضدهم، فهل هذا مقصود أيضا؟ ثم لماذا تجاهل أوباما دواعش سوريا؟ أليسوا نسيجا واحدا وطائفة واحدة ودولة واحدة؟ فهل المقصود تحقيق مصالح يهودية ومنها إضعاف سوريا وإنهاكها عسكريا لتصبح لقمة سائغة لليهود متى ما أرادوا؟ ثم ما دامت هذه حرب على الإرهاب كما قال أوباما، فلماذا صمت عن إرهاب الصهاينة وقد قتلوا آلاف الفلسطينيين ودمروا مدنهم واستخدموا الأسلحة المحرمة دوليا؟ بل ولماذا وقف إلى جانبهم وقدم لهم الأسلحة التي استخدموها لقتل الفلسطينيين؟ هل هو من يحدد مواصفات الإرهاب وبحسب المقاسات التي يريدها؟ وهل يصدق السيد أوباما أن العرب سيصدقون أنه فعلا يحارب الإرهاب كما يدعي؟
كلنا نقف مع من يحارب الإرهاب، وكلنا يرى ممارسات داعش الإرهابية التي تخالف تعاليم الإسلام وسماحته، وكلنا نتمنى أن تتوقف هذه الممارسات، ولكننا في الوقت نفسه لا نتفق مع الوسائل التي تتبعها أمريكا في حربها على الإرهاب، لأنها تحارب إرهابا خاصا يخدم مصالحها هي لا مصالح العرب، حربها على الإرهاب موجهة أساسا ضد السنة وضد الإسلام بشكل عام وهذه الحرب ستضعف العرب وستفرقهم شيعا وأحزابا يضرب بعضهم رقاب بعض باسم الطائفية والحزبية والمذهبية وغيرها من وسائل التفرقة الأخرى.
الحرب على الإرهاب تستوجب قبل ذلك تحقيق العدالة بين جميع طوائف الشعب، وتأمين المتطلبات الأساسية للشعوب، ومنحهم الحريات العامة كي يعبروا عن حاجاتهم دون خوف أو وجل، وبدون ذلك تبقى الحرب على الإرهاب مجرد أمنيات صعبة المنال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1134
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم واحد، يكفي أن تختار ما تقيسه، ومتى تبدأ القياس، وبماذا تقارن النتيجة، وما تضعه في الصفحة الأولى، وما تدفنه في الملاحق. عندها تكون الأرقام صحيحة، لكن الصورة التي تصنعها قد تكون بعيدة عن الحقيقة. تدخل الأرقام إلى اجتماعات الإدارة العليا ومجالس الإدارة محاطة بهالة من الحياد. وحين تختلف الآراء، يقال: دعونا نحتكم إلى الأرقام. غير أن الرقم لا يتحدث بنفسه؛ فهناك من اختاره، وعرّفه، وحدد طريقة احتسابه، ثم وضعه في سياق يقود إلى استنتاج معين. قد تعلن إدارة أنها أنجزت 95 في المائة من خطتها السنوية. يبدو ذلك نجاحاً استثنائياً، لكن التقرير قد لا يقول إن بعض المشروعات المتعثرة حُذفت من الخطة، وإن مستهدفات أخرى خُفّضت، وإن معظم ما أُنجز كان من الأعمال السهلة، بينما تأجلت المشروعات التي تصنع الفرق. الرقم صحيح، لكن المسطرة تغيرت. وهنا تكمن الحيلة: لا تتغير النتيجة، بل يتغير تعريف النجاح نفسه. ولا يحتاج الأمر إلى تغيير الأرقام؛ فقد يكفي اختيار المقارنة المناسبة. فإذا كانت النتائج ضعيفة، قورنت بعام كان أشد ضعفاً، فيظهر التراجع كأنه نجاح. وإذا تحسن مؤشر واحد وتراجعت بقية المؤشرات، تصدّر الرقم الجيد العرض، بينما انتقلت الأرقام المقلقة إلى الصفحات الأخيرة. وحتى المتوسطات قد تخفي إدارات تعاني بيئة عمل طاردة، أو معاملات معقدة تظل عالقة لأشهر. وتتضح الخطورة في تقارير الأمن والسلامة. قد تعرض المؤسسة مئات الجولات التفتيشية والدورات واجتماعات التوعية، فتبدو منظومة السلامة نشطة. لكن كثرة النشاط لا تثبت أن المخاطر عولجت؛ فقد تتكرر الملاحظات نفسها، ثم تُغلق في النظام بإجراء مؤقت من دون إزالة أسبابها. وقد ينخفض عدد الحوادث المسجلة لأن طريقة تصنيفها تغيرت، أو لأن بعض الإصابات اعتُبرت بسيطة، أو سُجلت لدى المقاول بدلاً من المؤسسة. بل إن انخفاض البلاغات عن الحوادث الوشيكة قد يُعرض بوصفه نجاحاً، بينما يكون سببه خوف الموظفين من الإبلاغ أو عدم اقتناعهم بجدواه. فالمؤسسة الآمنة ليست التي تخلو تقاريرها من الملاحظات، بل التي تكشف مشكلاتها مبكراً وتعالجها قبل أن تتحول إلى حوادث. والقاعدة واضحة: عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يبدأ بعض الناس في تحسين المؤشر بدلاً من تحسين العمل. ينطبق ذلك أيضاً على نسبة زيادة توظيف المواطنين. فقد تعلن مؤسسة ارتفاع النسبة السنوية، لكن الرقم لا يخبرنا عن صافي الزيادة بعد الاستقالات، ولا عن جودة الاختيار وملاءمة من عُيّنوا للوظائف، ولا عن قدرتهم على الاستمرار والتطور. فقد يرتفع عدد المواطنين في المؤسسة من دون أن ترتفع قدرتها. فالمواطن ليس مجرد عدد يضاف إلى التقرير لاستكمال النسبة، والتوطين لا يحقق غايته بمجرد إصدار قرارات التعيين. السؤال الأهم ليس: كم مواطناً عيّنت المؤسسة؟ بل: من اختارت؟ وعلى أي أساس؟ وفي أي مواقع وضعتهم؟ وهل وفرت لهم التدريب والمسار المهني الذي يجعلهم إضافة حقيقية؟. عندما يقوم الاختيار على الكفاءة والاستعداد، ويصاحبه تدريب جاد وتمكين تدريجي، يصبح الموظف الوطني عوناً للمؤسسة واستثماراً في مستقبلها. أما عندما تتحول النسبة إلى غاية في ذاتها، أو إلى مدخل لتعيين المعارف والأصدقاء، فقد تنجح المؤسسة في زيادة العدد، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء الكفاءة. وقد يقع الاختيار على أشخاص لا تتناسب مؤهلاتهم أو استعداداتهم مع الوظائف، ثم يُتركون بلا تدريب أو متابعة أو محاسبة، فيصبح التعيين عبئاً على المؤسسة وعليهم هم أيضاً. فالخطأ لا يقع على الموظف وحده، بل يبدأ من إدارة جعلت استكمال العدد أهم من حسن الاختيار. وقد تزداد الصورة بريقاً بفوز المؤسسة بجائزة هنا أو تكريم هناك عن أدائها في أحد هذه المجالات، فتكتسب الأرقام حصانة إضافية، ويبدو طرح الأسئلة وكأنه تشكيك في إنجاز معترف به. غير أن الجوائز، مثل المؤشرات، تقيس ما عُرض عليها وفق معايير محددة، ولا تكشف بالضرورة كل ما يجري داخل المؤسسة. فقد تكون النسبة صحيحة والجائزة مستحقة، ومع ذلك تبقى فجوة بين النجاح في المؤشر والنجاح في الواقع. ولا تُصنع الرواية التي تصل إلى مجلس الإدارة بالأرقام وحدها. فعندما تكون المؤسسة أمام قرار رئيسي أو توجه إستراتيجي جديد، قد تستعين بشركة استشارية للحصول على رأي مستقل يساعد الإدارة العليا أو مجلس الإدارة على الاختيار. لكن الاستقلال لا يتحقق بمجرد وضع شعار شركة عالمية على غلاف التقرير. فالشركة الاستشارية لا تدخل المؤسسة من فراغ. هناك من اختارها، وكتب نطاق عملها، وحدد الأشخاص الذين ستقابلهم، وزودها بالبيانات. وهذا الطرف نفسه قد يتابع عملها وفواتيرها، ويملك تأثيراً في منحها مشروعات أخرى مستقبلاً. وهنا يستطيع بعض المسؤولين، من دون أن يطلبوا صراحةً نتيجة محددة، توجيه المسار الذي تسلكه الدراسة؛ فيصوغون الأسئلة، ويختارون المعلومات، ويوجهون لقاءاتها نحو أشخاص يؤيدون توجهاً بعينه، بينما تبقى آراء وتجارب أخرى خارج نطاق الدراسة. وقد لا تتعمد الشركة الاستشارية تبني وجهة نظرهم، لكنها تعمل داخل الإطار الذي أُعد لها، وتعتمد على المعلومات التي يوفرونها، وتدرك أن العلاقة معهم قد تستمر. وعندها قد تصل وجهة نظر داخلية إلى مجلس الإدارة مرتدية ثوب الرأي الخارجي المستقل، فتكتسب من اسم المستشار قوة لم تكن لتحصل عليها لو عُرضت باسم أصحابها. ولا يعني ذلك أن الشركات الاستشارية تفتقر إلى المهنية؛ فكثير منها يقدم خبرة حقيقية ورؤية لا تتوافر داخل المؤسسة. لكن جودة رأيها تعتمد أيضاً على اتساع نطاق المعلومات التي تصل إليها، وتعدد الأصوات التي تستمع إليها، ووضوح الجهة التي ترفع إليها تقريرها. وفي القرارات الكبرى، من الأفضل أن تكون لمجلس الإدارة أو لجنته المختصة صلة مباشرة بالمستشار، وأن تُعقد معه جلسة مستقلة، للتأكد من أنه استمع إلى الرأي المؤيد والمخالف قبل تقديم توصيته. مجلس الإدارة الواعي لا يرفض الأرقام، ولا يقلل من قيمة الجوائز أو الخبرات الاستشارية، لكنه لا يسمح لها بأن تفكر نيابة عنه. فعندما يرى نسبة مرتفعة، يسأل كيف احتُسبت. وعندما يقرأ تقييماً مستقلاً، يسأل من وضع نطاقه واختار مصادره. وعندما يجد تقريراً مثالياً، يبحث عن الرقم الغائب والصوت الذي لم يُسمع. والإدارة العليا الواعية تفعل الشيء نفسه؛ فمسؤوليتها لا تنتهي عند استلام التقرير، بل تبدأ من مساءلة ما ورد فيه. فالرواية الإدارية لا تصنعها الأرقام وحدها؛ قد يشارك في صنعها تعريف المؤشر، وطريقة عرض الجائزة، ونطاق الدراسة الاستشارية، والأصوات التي سُمح لها بالوصول إلى صاحب القرار. وكل أداة من هذه الأدوات قد تكون صحيحة ومهنية في ذاتها، لكن اجتماعها داخل إطار واحد قد يصنع صورة لا تمثل الحقيقة كاملة. لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل الأرقام صحيحة؟ بل يجب أن نسأل: من اختارها؟ وكيف عرّفها؟ وما الذي تركه خارجها؟ فالأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي القصة كاملة من تلقاء نفسها. ومن يختارها، ويحدد سياقها، ويرسم حدود التقرير، يستطيع أن يجعل نصف الحقيقة يبدو حقيقة كاملة. وفي الإدارة، قد يكون ذلك أخطر من الكذب الصريح.
1098
| 27 سبتمبر 2026