رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حضرت جانباً من المنتدى الوطني الثاني للأشخاص ذوي التوحد بعنوان "تحديات ونجاحات"، المنعقد في الدوحة، من 9 — 11 أكتوبر 2016، بتنظيم مشترك من مركز التكنولوجيا المساعدة (مدى) ورابطة قطر لأسر التوحد، وبعد كلمات الافتتاح الرسمية تحدثت الدكتورة راندي هوجرمان وقالت: "إن إمكانية علاج من يعاني من اضطراب التوحد ممكنة". في حين أكد الدكتور صالح الصالحي "أن التوحد هو اضطراب وليس كما يشاع، مرضا نفسيا"، والمنتدى حظي بحضور عدد كبير من المتخصصين والباحثين العالميين من داخل قطر وخارجها. وحظي أيضاً بحضور خمسة من الوزراء الذين لهم علاقة مباشرة بأطفال التوحد وهم: سعادة وزير المواصلات والاتصالات (المنتدى تحت رعايته)، وسعادة وزير التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية، وسعادة وزير التعليم والتعليم العالي، وسعادة وزير الصحة العامة، وسعادة وزير الثقافة والرياضة والشباب (حضر ممثل عنه لتواجده خارج البلاد). والمهم في الموضوع أن هؤلاء الوزراء تعهدوا بتلبية مطالب أسر الأشخاص ذوي التوحد، وهذه بادرة نشكر عليها سعادة وزير المواصلات والاتصالات للمجهود الذي بذله لتحقيق أهداف المنتدى، والشكر موصول لمعالي رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية على المتابعة والتوجيه.
لا أحد ينكر اهتمام المسؤولين في قطر بذوي التوحد، فلقد سبق أن قامت الرابطة في 5/1/2016 بلقاء موسع مع معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وتم عرض مطالبهم ضمن عدة محاور، وأبدى معاليه اهتماماً كبيراً بتحقيق مطالب إمهات أطفال التوحد، وكلف جهة تابعة لمعاليه بمتابعة تنفيذ الأمر. إنني لا أشك مطلقاً في صدق توجه المسؤولين لخدمة هذه الفئة وأسرهم، ولكن بالنظر إلى مشاغلهم العديدة، فإنه من المهم تكليف جهة لمتابعة الخطوات التنفيذية، ولابد من لقاء دوري بين الرابطة وتلك الجهة لرفع تقارير للمسؤولين تبين ما تم تحقيقه، وما هو المطلوب لتنفيذ الخطوات القادمة، إن حالات التوحد في ازدياد مستمر، ومن المهم ترتيب وتسريع خطوات التنفيذ لتتناسب مع أعدادهم المتزايدة. وفي هذا المقام فإنني أتقدم ببعض المقترحات التي آمل أن تدرج في التزامات المسؤولين تجاه هذه الفئة. منها: 1. إنشاء أكاديمية للتوحد لتوفير بيئة تعليمية ترفيهية وبمناهج تتناسب مع احتياجاتهم، فهم يعانون من اضطراب وليس إعاقة، وبالتالي فإن قدراتهم على التعلم كبيرة، ولكنهم يحتاجون إلى اختصاصيين تربويين في التوحد، وتطبيق برامج تدريبية متطورة ومعتمدة عالميا في مجال التأهيل السلوكي والتواصل. 2. إنشاء معهد للتأهيل المهني والوظيفي، ومثل هذا المعهد مهم للأشخاص ذوي اضطراب التوحد بعد التخرج من الشفلح، او المدارس والمراكز الخاصة، ليمارسوا العمل في بيئة آمنة. 3. إنشاء مركز التدخل المبكر وتعديل السلوك بهدف تخفيف أعراض التوحد السلوكية وتعويض غياب المهارات الاساسية للطفل في حياته اليومية. 4. إعداد دليل حقوق وخدمات التوحد يتم فيه ذكر جميع الحقوق التي يستحقها ذوو التوحد ومن يقوم على رعايتهم، وتوضيح كافة الخدمات المقدمة وكيفية الحصول عليها والجهة المسؤولة عن تقديمها. 5. العمل على رعاية أبناء المرأة القطرية، وبالأخص المطلقة أو الأرملة، بحيث يشملهم الضمان الاجتماعي والعلاج بالخارج والتعليم وتجنيس أولادهم أسوة بأبناء أخيها الرجل القطري. 6. إضافة إجازة رعاية التوحديين إلى قائمة الإجازات المعتمدة في قانون الموارد البشرية لأن اضطراب التوحد يمتد لمدى الحياة، ولهذا فمن حق الأم الحاضنة التمتع بالتفرغ الكلي، أو على الأقل تخفيف ساعات العمل. 7. توفير مركز طبي متخصص يقدم كافة الخدمات العلاجية الخاصة بالتوحد مثل التشخيص، والمختبرات الطبية المتخصصة، الأدوية والمكملات الغذائية، واختصاصيي تغذية. 8. العناية بتوفير الخدمات الصحية (تشمل المواعيد، وأولوية الدخول على الطبيب، وتخصيص غرف انتظار خاصة للعائلة لتوفير الخصوصية لحالة أطفال التوحد)، وتوفير نظام الزيارات المنزلية أسوة بالخدمات المقدمة لكبار السن في الدولة. 9. إنشاء صندوق وقفي لتقديم كافة الخدمات لرعاية التوحديين خصوصا بعد وفاة الوالدين.
لقد اطلعت على الخطة الوطنية لوزارة الصحة العامة للتوحد للأعوام 2017 — 2021 ولقد ساءني أن تكون الخطة مبنية على تحويل علاج التوحديين إلى الطب النفسي. إن التوحد (Autism)، يا سعادة الوزير هو اضطراب نمو عصبي يعوق تطور الطفل الاجتماعي وبهذا فهو ليس بمرض نفسي بتاتاً. وعليه فإن تحويلهم إلى الطب النفسي هو أمر نحذر منه لأنه سيقلب حياتهم، ويزيد معاناتهم، ويجعلهم من المدمنين على أدوية المهدئات. نأمل ألا يكون أمر تحويلهم إلى الطب النفسي بهدف تقليص ميزانية علاج هذه الفئة.
وفي الختام نسأل العلي القدير أن يحقق التوجهات الصادقة لمعالي رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية وبقية الوزراء في تبني كل ما من شأنه التخفيف من معاناة هذه الفئة الغالية علينا.
والله من وراء القصد،،
معالم من بدر
إنها معركة بدر، إنها معركة الفرقان، إنها فاتحة معارك النصر والعزة في الإسلام، قائدها رسول الله صلى الله... اقرأ المزيد
153
| 05 مارس 2026
الدبلوماسية الخليجية خط الدفاع الأول في زمن الحرب
تشهد منطقة الخليج تصاعدًا ملحوظًا في حدة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة؛ فلم يعد المشهد مجرد توتر سياسي... اقرأ المزيد
141
| 05 مارس 2026
الكلمة دائما لـ «صحاب الأرض»
منذ أسابيع أصابتني قفلة من القراءة. تركت نفسي للأفلام والمسلسلات. سأقف عند مسلسل واحد هو «صحاب الأرض». حقق... اقرأ المزيد
153
| 05 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2820
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1062
| 26 فبراير 2026