رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعيش لحظات تاريخية هذه الأيام مع تفكك مجموعة اليورو الأوروبية بإعلان اليونان رغبتها في العودة للدرهم عملتها القديمة وتهديد إيطاليا بالإفلاس. وننسى أن هذا الزلزال الأوروبي سبقه عام 2008 زلزال الدولار الأمريكي. وهو ما يؤكد أن ثورة حقيقية عميقة تهز أركان الغرب لا نقديا فحسب بل سياسيا واستراتيجيا وحضاريا. وهنا نفهم كيف تتطوع الصين...الدولة الشيوعية الأعظم لإغاثة أوروبا الليبرالية!
فلا أحد ينكر اليوم بأن عدم استقرار قيمة العملة الخضراء أصبح يهدد المخزون المالي للبلدان المصدرة للنفط ويهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لدول الاتحاد الأوروبي، وشرع يزعزع حالة الرفاهة والنعماء التي طالما تمتعت بها دول جنوب شرقي آسيا، كما لا أحد ينكر بأن عديد الدول بدأت تفكر وتخطط لاستبدال الدولار بسلة عملات منها اليوان الصيني والين الياباني في المبادلات التجارية الدولية، وأخيرا لا أحد ينكر بأن استمرار اعتماد الدولار كعملة مرجعية ليس مرده قوة الاقتصاد الأمريكي بل وأساسا قوتها السياسية وهيمنتها الاستراتيجية والعسكرية.
هذه الحقائق أصبحت اليوم بديهية ومعترفا بها لدى أصحاب القرار ورجال المال والأعمال، خاصة ونحن نجتاز أزمات عالمية مختلفة وخطيرة، ليس أقلها ثورات الجوع وعودة الحرب الباردة ودخول الغرب من خلال تعملق حلف الناتو إلى منطق المواجهة وحسم الصراعات بالقوة العسكرية كما في ليبيا وقبلها أفغانستان أو التهديد بالقوة النووية أمام المعضلة الإيرانية، إلى جانب سقوط المصارف الكبرى وإفلاس الشركات العابرة للقارات وتدخل المصارف المركزية لضخ الأموال الطائلة في شرايين الاقتصادات الغربية المنهكة. وفي كل هذه الحقب المتلاحقة نجد أن للدولار واليورو دورا محوريا في إعادة إرساء العلاقات الدولية على أسس القوة والاحتلال والتحدي بدل البحث الرصين عن حلول السلام العالمي والعدالة الدولية!
حتى نفهم حقيقة الوضع المالي الأمريكي والدولي لا بد من لمحة تاريخية تنير الواقع، فالدولار عملة الولايات المتحدة منذ عام 1785 لكنه لم يصبح المرجع الأول للاقتصاد العالمي سوى عام 1944 بإنشاء النظام العالمي النقدي المعروف ببريتن وودس، فاحتل الدولار مكانة الجنيه الإسترليني ومعدن الذهب في الوقت نفسه،وتحول إلى " أصل" أو إلى ميزان به وحده تقاس قيمة العملات الأخرى واعتلى عرش المالية والتجارة الدوليتين بلا منازع. وهذا الصعود يتناغم ويتماشى مع الحدث السياسي الكوني حيث كانت أمريكا هي القوة الكبرى التي حسمت الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء الغربيين ضد قوات المحور المؤلفة من ألمانيا النازية واليابان الإمبراطوري وإيطاليا الفاشية بمأساة إلقاء أول قنبلة نووية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي، ولتصبح واشنطن سيدة العالم الغربي الرأسمالي وتعوض الإمبراطوريتين التقليديتين الاستعماريتين: فرنسا وبريطانيا، خاصة وأن الولايات المتحدة خرجت من الحرب بلا ضرر وطني كما كان الحال في أوروبا، فهي بفضل الجغرافيا جزيرة عملاقة نائية عن مسرح العمليات، وتملك 75% من مخزون الذهب في العالم. أما اليورو فتم إقراره في 17 دولة أوروبية باستعجال ثبت أنه لم يكن خيارا حكيما حين شهدنا خلال الأسابيع الأخيرة ثورات الشعوب الغربية منادية بأن الشعب يريد إسقاط بريتن وودس واحتلال وول ستريت على غرار الثورات العربية وبنفس الشعار حين تعاظم الاقتصاد الأمريكي بفعل الغلبة العسكرية ورفع الدولار إلى أعلى عليين ليصبح " الحكم" في كل المباريات التجارية بين دول العالم وفرضت واشنطن لا فقط عملتها بل كل النظام النقدي الدولي (بريتن وودس) الذي يسير الاقتصاد العالمي بسن سياسات جمركية وإنتاجية وصناعية سويت بالضبط على قياس المصالح الغربية المصرفية لا الشعبية وأدت إلى ما يتخبط فيه العالم اليوم بعد مضي عقد على القرن الحادي والعشرين من انعدام الأمن الغذائي واتساع دائرة الحرمان وانزلاق كثير من شعوب الغرب مثل مناطق الجنوب الفقير إلى مخاطر المجاعات والهزات الاجتماعية والعنف السياسي.
فالحروب الإقليمية الراهنة ليست في جوهرها سوى النتيجة المنطقية للظلم السائد في العلاقات الدولية وانعدام الحق وانخرام القانون وتغييب الحريات وقيم العدل والمساواة في العالم. أي أن هيمنة الليبرالية المتوحشة على الاقتصادات الوطنية الغربية والعربية والعالمية منذ ستين عاما هو التعبير المؤكد لهيمنة البنوك والشركات العملاقة المفروضة قسرا على المجتمع الدولي. وبالتالي يمكن الاستنتاج بأن هذا الوضع الشاذ الذي طال بدأ يتغير بفضل إفلاس كثير من السياسات الغربية الخاطئة حينما نجحت ثورات عربية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط في فرض علاقات دولية أكثر عدلا وحينما صعدت للساحة العالمية بلاد عملاقة مثل الصين وتعقبها الهند مع نزعات استقلالية يابانية متنامية وحين خرجت عن بيت الطاعة إلى حد اليوم سبعة دول من أمريكا الجنوبية وحين تفاقم الخطب العراقي وتشعب المستنقع الأفغاني لإعلان إفلاس الخيارات الأمريكية في التعامل مع العالم الإسلامي والشرق الأوسط وحين ينفجر تدريجيا برميل البارود الفلسطيني بعد الاحتقان والحصار والتجويع والترويع في قطاع غزة معلنا بلوغ المخططات الأمريكية للسلام المغشوش نهاية النفق، فالشهيد ياسر عرفات أول زعيم اعترف بالدولة اليهودية ومد يده بغصن الزيتون مات تحت ركام بيته المقصوف بالقنابل والجرافات حتى ولو مات في مستشفى برسيه بباريس مسموما.
هذه نهاية بريتن وودس واقتراب نهاية سيادة رأس المال. وربما تدشين عهد عالمي جديد يقوم على قوة الحق لا على حق القوة. ولعل تونس برفضها الاستبداد دشنته لدى العرب كما أن عودة الوعي الأوروبي والأمريكي ستقود العالم الغربي إلى مرحلة جديدة مبتكرة من السلام الحقيقي القائم على العدل والتعاون السليم أي على قيم أخلاقية لتعويض النظام المنهار الجائر والبناء على أنقاضه عوض ترميمه من دون جدوى!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2070
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2058
| 29 يوليو 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1461
| 30 يوليو 2026